أزمة روح

 

sans-titreالأستاذ: هيكل شوشان

احتفلت مؤسسة التلفزة الوطنية هذه السنة بخمسينيتها وفي هذا الإطار قامت إدارة البرمجة بإعادة بث العديد من التساجيل النادرة لسهرات وحفلات حية من زمن الستينات والسبعينات إضافة إلي أشرطة تلفزية وأعمال درامية… هذه الدرر على بساطة إمكانياتها والظروف التي أنجزت فيها غاية في الروعة والإمتاع والطرافة والعفوية هذا ما أيقظ في سؤال لطالما راودني في السنوات الأخيرة :

لماذا شحت الانتاجات الدرامية والسينمائية الممتعة والقيمة وقس على ذلك المجال الفني والشعر والأدب والصحافة…..

لم نعد نستمع الى كلام جميل من طينة : “حترت اش نهديلك يا حلوة” “دار الفلك من بعد طول العشرة” “كي يضيق بيك الدهر يا مزيانة”…. كلمات بسيطة لمحمود بورقيبة أو أحمد خير الدين أو غيرهم من الشعراء التي عجت بهم تونس في القرن الماضي، ولكنها غاية في الروعة والبلاغة والإحساس . كلمات صادقة تنبع من روح مشبعة بالجمال والحب والإبداع

أزمة الكلمة هذه تتعدى تونس فلا يوجد مثيل لبدر شاكر السياب في العراق وقباني في سوريا ولا أحمد رامي جديد في مصر استثنينا هشام الحج والذي لا ينتمي لتركيبة جيل هذا العصر بدوره. وفي مصر يتجلى بوضوح هذا القفار الأدبي وتبرز الأزمة  في أكمل حلة ، مصر التي كانت الى حدود الثمانينات مركز الأرض في الشعر والكلمة الغنائية مرسي جميل عزيز ، كامل الشناوي ، بيرم التونسي ، ـحمد رامي ، … ممن غنت لهم كوكب الشرق وفائزة أحمد وعبد الحليم ووردة … ألحان خالدة لن تتكرر ولو اعيد الكون من جديد . مصر غارقة في الرداءة لم تعد قادرة على إنتاج أغنية واحدة تدغدغ الوجدان ولا شريط سينمائي يضاهي ” الأرض”  ليوسف شاهين أو ” ضد الحكومة”  لعاطف الطيب ولا مقرئ للقران مثل عبد الباسط عبد الصمد و لارواية ترتقي لأدب نجيب محفوظ ولاقلم كقلم محمد حسنين هيكل أو مصطفي أمين ، حتى الإشهار على التلفزيون تدنى مستواه ، مصر تحت تأثير “أحمد السبكي” (الراعي اللاسمي للرداءة) لن نحصو كل الأمثلة ولو جئنا بالبحر مدادا لهذا المقال المشكل أصبح واضحا إذا : أزمة إبداع وخلق.

لتحليل هذه المسألة ننطلق من مقولة بسيطة ” فاقد الشئ لا يعطيه”و “كل إناء بما فيه يرشح” في الحقيقة هذه المقال هو ‘متداد لنظيره في العدد الثاني بعنوان “la planète des singes “

والذي يتطرق إلى انحدار وتراجع القدرات الإنسانية كنتيجة لتطور التكنولوجي والاستعمال المفرط للهواتف الذكية. بينا في العدد الثالث كيف أن هذه الهواتف تؤثر على القدرات الأساسية والحية للإنسان التي تمكنه من اكتساب وترسيخ المعلومة أي : القراءة والكتابة والحفظ كما أشرنا إلى أن التراجع في استعمال هذه الملكات والقدرات الأساسية تؤثر على تكوين الإنسان المعرفي والحسي ثم الثقافي حتما. النقطة الثانية التي ينتح عن نظام العيش “الفيسبوكي” الجديد هو مجال التواصل وهنا نكتفي برقم وحيد : 45% من حديثي الزواج الذين لم يتجاوز سنهم 30 سنة يطلقون في السنة الموالية لزواجهم ( حسب إحصائيات المركز الوطني للإحصاء 2014 و2015) وهذا رقم مفزع ومثال صارخ على أزمة التواصل والانسجام وهشاشة المشاعر والأحاسيس عند هذا الجيل . ويمكن أن نستمع إلى رجال التربية والتعليم ليدلوا بشهادتهم في هذا المضار فالتلميذ أو الطالب غير قادر على أن يعبر عن حاجياته الشخصية ولو بلغته الام انحدار في القدرات الإنسانية الأساسية مع أزمة تواصل مع تلوث بكل ـ نواعه مع فقر تلم لغذاء الروح من فن وأدب ومسرح في ظل هذه الأزمة التي أشرنا إليها مع عادات غذائية سيئة مع خمول مع انحدار تام في الذوق العام (هندام ،فن ،تسريحة شعر…) يقضي حتما إلى :” أزمة روح”

هذه الأزمة سوف تتعمق لأنها حلقة مفرغة : فالفراغ الإبداعي يعطي فقرا للروح ( الفقر يتبعنا  حتى في الروح) وجو غير ملائم للإنتاج ومن ينشؤ في هذه البيئة هو كائن عاجز عن الإبداع و”فرغ” وبالتالي سيعمق هذه الأزمة وهكذا دواليك…

الأزمة تتعدى ولو نسبيا العالم العربي لتشمل كل بلدان العالم، هناك شح في الإنتاج الفني في فرنسا والولايات المتحدة. جيل السبعينات يتذكر مليا الحياة الثقافية الزاخرة في فرنسا sardou. Aznavour. Dalida. Claude français…. الأغنية والأدب الفرنسي لم يعد لهما بريق السبعينات وإن تسأل عن الفلاسفة فهم مدفونون قرب “السربون”

ولنختم ب box-office   الأمريكي الذي يتصدر طليعة ترتيب الأشرطة السينمائية الأكثر مشاهدة ومدا خيل أفلاما كرتونية من فئة “3d ” وهذا ما يدل أن السنوات الأخيرة شهدت أزمة سيناريو فلا يوجد ما يسمى ” les films d’auteurs” فمعظم الأفلام التي نجحت في السنوات الأخيرة هي من نوع الخيال العلمي أو قصص الكرتون

نحن لا نقدح الأعمال الفنية والأدبية لهذا الجيل ولا تذمها للكل جيل ذوقه وخصوصياته وفي عهد عبد الحليم وعبد الوهاب كان يوجد في مصر ” أحمد عدوية ” و “محمد رشدي ” و ” الغزبي ” ولكن أن يسيطر الفن الشعبي والانتاجات البسيطة تماما في غياب كامل للإبداع فهذه حتما صرخة إسستغاثة أنه هناك أزمة روح

 

Share This:

Leave a Reply