أنور قلالة: سوسة: أطفال برتبة عمّال ..القانون يحجّر والخصاصة تبيح

أنور قلالة

لا تكاد تخلو معتمديّة من معتمديّات الولاية من تفشّي واستفحال ظاهرة تشغيل أطفال دون السنّ القانونيّة ,الظّاهرة تتّضح بصفة خاصّة مع بداية كلّ عطلة صيفيّة حيث تقتحم الطّفولة سوق الشّغل ونتزع لها مكانا بين جمهور الكادحين والمجاهدين اليافعين من أجل لقمة عيش كريم إذ لم يعد يقتصرعمل القاصرين على بيع المناديل الورقيّة وخبز الطّابون على غرار ما هو موجود بمحطّة الإستخلاص بهرقلة أو تبخير المحلاّت التّجاريّة المتواجدة بمختلف المناطق السّياحيّة مقابل بعض المليمات  أو بيع الأكياس البلاستيكيّة بالأسواق اليوميّة أو الأسبوعيّة بل تعدّى إلى ما هو أخطر من ذلك فأصبح من المألوف جدّا أن ترى طفلا لم يتعدّى الثالثة عشر من العمر يعمل  بمحلاّت ومحطّات غسل السيّارات وتصليح الأضواء والميكانيك  وورشات النّجارة والأليمينيوم والحدادة ولم  يعد يستفزّ المارّين أويسترعي انتباهم أويثير إنزعاجهم مشهد طفل يعمل بحضيرة بناء وهولم يتعدّى الخامسة عشر من عمره يتصارع ويعاني المشقّة جرّاء دفعه عربة تفوق حمولتها كتلته الجسديّة.

– الفقر و المدرسة في قفص الإتّهام :

تفيد التّقارير الرّسميّة الصّادرة عن الجهات الرّسميّة وعن مندوبي حماية الطّفولة بتواضع الأرقام التي تثبت تسجيل حالات استغلال اقتصادي أ و توظيف فيه ابتزاز وتعدّ على الطّفولة, إذ وقع تسجيل أربعين حالة استغلال اقتصادي وتسوّل خلال سنة 2014 وهو رقم بعيد كلّ البعد عن واقع شوارعنا وما تسجّله من حالات استغلال فاحش وتعدّ صارخ على الطّفولة سواء من حيث الإستغلال الإقتصادي والإعتداء المادّي  فضلا عن التحرّش الجنسي الذي يعاني منه العديد من الأطفال الذين ينحدرون من أوساط اجتماعيّة جدّ متواضعة وفقيرة والذّين وجدوا أنفسهم ورغم حداثة أعمارهم مدفوعين بمباركة أبويّة إلى الدّخول في معترك الحياة وتحمّل جانب من المسؤوليّة بتوفير قدرمن احتياجات الأسرة فلم يتسنّى لهم التمتّع بحقّ اللّعب واللّهو على غرار أندادهم واغتصبت منهم طفولتهم عنوة بسبب الفقر والخصاصة وبتحالف مع منظومة تربويّة تعاني شيئا من القصور حيث فقدت الكثير من مصداقيّتها وصدق نتائجها لتواضع مناهجها ومحدوديّة إمكانيّاتها وما نسب الإنقطاع المبكّر عن الدّراسة إلاّ خير دليل على ذلك إذ يرى علماء الإجتماع انّ الإنقطاع المبكّر عن الدّراسة يحيل حتما إلى الفساد الإجتماعي الذي يتجلّى خصوصا في ظاهرة التّسوّل بكونها تجسيم لإخلالات تصيب التّوازنات الإقتصاديّة والإجتماعيّة والتي تزداد خطورة وقتما يقع توظيفها في مجالات أوسع وأخطر تتمظهر في تشكيلات وتنظيمات وعصابات منظّمة تعمل في مجال المخدّرات والسّرقة من خلال استقطاب وإغراء عدد من المراهقين والأحداث ممّن انقطعوا عن الدّراسة ولم يجدوا مؤسّسات كافية تحتضنهم وتعمل على تأهيلهم بما يضمن حسن اندماجهم في الحركة الإقتصاديّة إذ لا توفّر مراكز الإدماج سوى طاقة استيعاب محدودة جدّا لا تتعدّى عشر عدد المنقطعين.

benetton-1992-enfants-travail1

 

– رأي القانون في المسألة :

يعاقب القانون صراحة كلّ من يستخدم ويشغّل أطفالا دون السنّ القانونيّة ويعرّض المؤجّر للمؤاخذة الجزائيّة التي تتضاعف في صورة العودة ويكون المؤجّر مدعوّا إلى تحمّل مصاريف تعويض المضرّة للقاصر إذا ما ثبت تعرّضه إلى مضرّة نتيجة تشغيله ورغم علم الكثيرين من أصحاب المهن بقانون الشغل إلاّ أنّهم لايتورّعون عن تشغيل القاصرين دون السنّ القانونيّة لاعتبارات ماديّة ومهنيّة فقد بيّن عدد من أصحاب محلاّت تصليح الميكانيك أو ورشات النّجارة أنّ الأطفال لا يتقاعسون خلافا للرّاشدين وأنّهم يبدون مهارة وحذقا خاصّة في تنظيف قطع غيار المحرّكات فضلا عن مهارتهم في العمليّات التي تسبق طلاء السيّارات وهو ما يدفعهم إلى التّعويل عليهم إلى جانب الأخذ بخاطر أوليائهم الذين يلحّون على تشغيلهم خوفا من مخاطر الشّارع والإنحراف أو لضواغط ماديّة واقتصاديّة.

-أين يكمن الحلّ…؟

forum_2

للحدّ من هذه الظّاهرة التي استفحلت في عديد مناطق البلاد والتي أصبحت تشكّل مشهدا مزعجا يعكس بوضوح فشل عديد الجهات الرّسميّة  والتي لها علاقة مباشرة بالطّفل وبحقوقه وجب التّفكير في استرتيجيّات عمل تضبط بالشّراكة والتّوافق بين مؤسّسات الدّولة من جهة ومختلف هياكل ومنظّمات المجتمع المدني من خلال التّشديد على الرّقابة اللإداريّة وتكثيف حملات المراقبة باعتبارها تبقى الوسيلة الأنجع التي تحول وتفشّي هذه الظاهرة وتحدّ من نسق تناميها والزام كلّ مشغّل بتوفير جملة من البيانات والمعطيات الشّخصيّة التي تتضمّن معلومات دقيقة بالطّفل وسنّه وطبيعة النّشاط الذي يمارسه ومؤهّلاته المهنيّة والجسديّة والإستظهار بذلك لمتفقّد الشغل وطبّ الشّغل عند الضّرورة كما أنّ للمجتمع المدني الفضل الكبير في مؤازرة جهود الدّولة ومؤسّساتها بفضل غزارة وثراء تجربته وقدراته البشريّة الهائلة لشدّ أزر الدّولة والمؤسّسات التي تعنى بالطّفولة ومشاركتها في اتّخاذ القرارات وتشريكها في تفعيل وتنفيذ الخطط والإستراتيجيّات التي يجب أن تؤخذ وفقا لدراسات ميدانيّة لا بناء على قرارات مسقطة يغلب عليها التّنظير وهو ما يقتضي بعث عديد مراكز التّأهيل والإحاطة  بالمنقطعين وفق استراتيجيّة “دولة المهمّات “التي تضطلع بتنفيذ برامج ومهمّات محدودة وقابلة للتّجسيم والتّحقيق على أرض الواقع إذ ليست العبرة في كثرة البرامج والعناوين و الآليّات  بل في مدى نجاعة التدخّل الذي يكون تحت مظلّة رقابيّة مشتركة بين الدّولة والمجتمع المدنيّ لضمان حسن التصرّف في الأموال المرصودة  بما يضمن رعاية وحماية أوفر للطّفولة ببلادنا.

 

Share This:

Leave a Reply