أهمية البحث العلمي في تنمية الدول العربية

أهمية البحث العلمي في تنمية الدول العربية

أ. د . محمد الصغير قايد:

خلافا لما يعتقده البعض فإنّ الدين الإسلامي الحنيف يشجّع على التعلم و  البحث العلمي  و الاستكشاف و الاختراع و أوّل آية في القرآن العظيم تلقاها صاحب الدعوة الإسلامية الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم كانت أمرا بالقراءة و التعلم حيث قال تعالى في سورة العلق:« اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم» صدق الله العظيم. و أول فاتحة في  خلق الإنسان كانت فاتحة العلم الذي تعلمه آدم و أمتاز به على سائر المخلوقات حيث قال تعالى في سورة البقرة: « و علّم آدم الأسماء كّلها ثم عرضها على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا انك أنت العليم الحكيم»

بالإضافة إلى هذه الدعوة الصريحة للعلم و البحث العلمي في القرآن الكريم فإننا نجد فيه العديد من الاعجازات العلمية و التي تم تفكيك البعض من ألغازها إلا في الفترة الأخيرة الوجيزة  و للأسف من طرف باحثين غير مسلمين و هذا دليل قاطع على أن البحث العلمي في الدول الإسلامية و خاصة منها العربية لم يكن متطوّرا تطوّرا كبيرا مواكبا لروح القرآن العظيم و مشرفا لأمجاد علماء المسلمين في العهد الذهبي للإسلام.

إنّ البحث العلمي هو الطريق الأمثل لتنمية الدول العربية و المفتاح السرّي  للاقلاع الاقتصادي و تعتبر تونس مقارنة بالدول العربية مثالا يحتذى به في مجال العلم و البحث إذ رصدت ما يقارب خمس ميزانيتها في هذا المجال’ وإنّ ميزانية البحث العلمي قاربت 1 % من الناتج السنوي الخام و هي تعدّ حاليا أكثر من 1600 باحث لكلّ مليون ساكن و هي مصنّفة ثانية في الدول العربية بعد المملكة الأردنية و العدد الجملي للباحثين التونسيين هو أكثر من 1600 باحث’ 80% منهم في ميدان العلوم الصحيحة و التقنية و التكنولوجيا و هم موزّعون على 139 مخبر و 634 وحدة بحث.

و لقد عرفت البلاد التونسية عبر العصور التاريخية تقدما كبيرا في مجال العلوم و المعرفة و ما شهدته قرطاج في الألفية الأولى قبل المسيح من تطور عمراني لا مثيل له و كذلك العديد من الإكتشافات العلميّة في ميدان صناعة السفن و الفلاحة كما تبيّنه معاهدة ماڤون في القرن الخامس قبل المسيح و لكن النهضة العلمية الكبيرة التي شهدتها بلادنا’ كانت في بداية الفتح الإسلامي حيث كان جامع عقبة ابن نافع المنارة العلميّة المضيئة في العالم العربي الإسلامي و كذلك الشأن بالنسبة لجامع  الزيتونة المعمور الذي أسس مخبرا للفيزياء و الكيمياء بالخلدونية في القرن الرابع عشر بعد الميلاد و في بداية القرن العشرين أسس معهد باستور بتونس العاصمة و هذا المعهد مختصّ في البحوث البيولوجية و الطبية .أمّا في سنة 1935 أسس المعهد الوطني للبحوث الفلاحية في تونس و بعد الاستقلال أصبح البحث العلمي مرتبطا ارتباطا وثيقا للمتطلبات الحينية المتأكدة للمواطنين منها الصحة ’ تنظيم العائلة’ المسكن ’ التصرّف في المياه و استنباط طرق زراعية جديدة و المحافظة على الموروث الجيني للنباتات التّونسية ..الخ. و بالتالي هذا يتطلب إحداث هياكل جديدة للبحث و التجديد و أول هذه الهياكل هي وزارة التعليم العالي و البحث العلمي  التي أحدثت في سنة 1978 التي بدورها أصبحت لها سياسة حقيقية في الشؤون البحثية و العلمية و التكنولوجية . و في 31 جانفي 1996 سنّ قانون حول البحث العلمي و التطوّر التكنولوجي سنتناوله بالدرس في العدد القادم لمجلّة القلعة.

و في الختام لا بدّ من الإشارة أنه بالرغم من موروثنا التاريخي المتصل أساسا بتعاليم الإسلام الحنيف و بالرغم من المحاولات العديدة في تطوير منظومة البحث العلمي عبر العصور التّاريخية فانّ هذا الميدان يشكو العديد من النقائص و التهميش منها قلّة التمويل. عدم تشجيع العلماء و تمييعهم وهجرة الأدمغة إلى البلدان الغنية و قلّة المنشورات و البراءات العلمية.

و في مجال تمويل البحث العلمي فان الدول العربية لا تنفق على البحث العلمي سوى 0.6% من دخلها السنوي الخام  بينما إسرائيل تنفق 4.7% و هي أعلى نسبة في العالم يليها الولايات المتحدة ب 2.7% فألمانيا 2.6% و المملكة المتحدة 1.8% .  

أمّا فيما يخصّ براءات الاختراع فان الدول العربية مجتمعة بالرغم من اتساع رقعتها الجغرافية و إمكانياتها البشرية و المادية فهي لم تنتج سوى 826 براءة اختراع أمّا إسرائيل فهي أنتجت إلى يومنا هذا 16805 براءة اختراع و هي تصرف 1272.8 دولار في البحث العلمي على كلّ ساكن بينما الدول العربية تصرف فقط 14.7 دولار على كل ساكن و تصرف على التّسلح و خزن الأسلحة المصنوعة في الغرب 7% من دخلها السنوي الخام.

هذه الأرقام تعكس مستوى البحث العلمي المتدنّي في الدول العربية الإسلامية و بالتالي يعكس الحالة الاقتصادية و الاجتماعية المتدهورة بالرغم من أنّ هذه الدول تزخر بالعديد من الثروات الطبيعية المنهوبة من طرف الدول الغنيّة.

 

و إلى اللقاء في العدد القادم من مجلّة القلعة

                                                 الأستاذ الباحث : محمد الصغير ڤايد      

Share This:

Leave a Reply