إصلاح التعليم الزيتوني بين فترتين: مشكل تربوي مزمن أم هاجس تربوي حضاري؟

د. مصدق الجليدي[1]

sans-titre[1] أستاذ وباحث أكاديمي بالجامعة التونسية.

تمهيد:

نذكّر بداية بأن جامع الزيتونة لم يصبح المؤسسة العلمية الأولى بإفريقية إلا بعد سقوط القيروان، وتحول مدينة تونس إلى عاصمة إفريقية زمن الحفصيين[1]. وقد كانت المناهج التعليمية التي تدرس في العهد الحفصي متفوقة بكثير على مناهج التعليم التي أدركها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور زمن الاستعمار الفرنسي لتونس. فقد كان الآبلي على سبيل المثال يدرس العلوم العقلية بالجامع الأعظم، من رياضيات وفلك وعلوم طبيعية وغيرها، إلى جانب القلصادي صاحب دروس الحساب أو الصقلي صاحب المعارف الطبية. وكل هذه العلوم انتفت بعد دخول الإسبان إلى تونس (1534- 1574م) وما مارسوه من نهب وحرق طال الجامع الأعظم، إلى جانب تأثر الحياة العلمية فيه بالسجال السياسي الذي أعقب ذلك الاحتلال الإسباني للبلاد[2].

وقد تتالت محاولات إصلاح التعليم الزيتوني بعد أكثر من قرنين من تلك الأوضاع ويعتبر الطور الحسيني الأول (مدة القرن 18 تقريبا وبداية القرن 19) العصر الذهبي لجامع الزيتونة[3].

ولذا يمكن القول بأن قضية إصلاح التعليم الزيتوني قضية تمتد الآن إلى أكثر من قرن ونصف من الزمان، أي منذ صدور مشروع “معلقة باب الشفاء” الذي أمر به أحمد باي (1806-1855) في 27 رمضان 1258ھ (الموافق لـ 1 ديسمبر 1842) والقاضي بمزيد مراقبة الدروس وتنظيمها ومراقبة الشيوخ.

وقد توصلت وحدة البحث بمتحف التربية بتونس إلى أنه “بعد ثلث قرن من العمل بالتراتيب الواردة بـ”معلقة باب الشفاء” أدخل الوزير المصلح خير الدين باشا بعض التعديلات على نظام التعليم بالجامع الأعظم تضمنها منشور 28 ذي القعدة 1292ھ/ 26 ديسمبر 1875 والمتمثلة بالخصوص في تحديد مراحل التعليم بالزيتونة والمواد المدرسة والهيئات المشرفة عليه[4].

ولكن هذا الإصلاح لم يضع حدا على ما يبدو لمتاعب التعليم الزيتوني خاصة في المستوى المنهاجي والبيداغوجي، وهو ما يفسر تأليف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لمؤلّفه ذائع الصيت ” أليس الصبح بقريب؟” الذي بدأ كتابته سنة 1321ھ/1903م واشتغل عليه لمدة ثلاثة أصياف كما صرح بذلك، ولكن لم يطلع عليه جمهور الدارسين إلا بعد ذلك بمدة طويلة.

واليوم تعود قضية التعليم الزيتوني إلى دائرة الاهتمام بكل قوة، ولكن في سياق ثقافي ومعرفي وسياسي جديد، يتسم بانتشار التعليم العصري والعلوم والجامعات الحديثة مع مناخ سياسي ظهر بعد الثورة التونسية يشجع على إعادة طرح كل القضايا التي لم تشارك النخب الثقافية والعلمية في مناقشتها سابقا بمثل الحرية والجرأة اللتين تمكنت منهما الآن.

فما الذي يدفع مرة من بعد مرة إلى طرح هذه القضية على بساط النقاش وما الذي يدفع بالبعض إلى المناداة باستئناف التعليم الزيتوني والبعض الآخر بالتروي في ذلك أو معالجته في إطار المؤسسة الجامعية العصرية؟

يمكن وضع التعليم الزيتوني ضمن صنف التعليم الأصيل. وهو ما يعني عراقته الممتدة إلى قرون طويلة وهو ما يعني أيضا استناده في سياقنا الثقافي المخصوص إلى المرجعية الدينية بالأساس. ولقد كان هذا النوع من التعليم يستجيب لحاجات عمرانية واجتماعية وروحية خاصة بالفترة ما قبل الحديثة. ولكن مع ظهور الدول الحديثة والعلوم العصرية والقوى الاقتصادية والعسكرية في أوروبا واطلاع بعض النخب العلمية والحاكمة التونسية عليها استشعرت هذه النخب ضرورة تطوير التعليم في تونس، واستحدثوا لذلك مؤسسات ومناهج تعليمية جديدة تجمع بين الأصيل والحديث. كما في الصادقية والخلدونية والمدرسة الحربية بباردو …..غير أن غيرة بعض شيوخ الزيتونة على الجامع الأعظم دفعتهم إلى العمل على تطوير مناهج التعليم به، واصطدمت محاولاتهم بعراقيل عديدة، بعضها متأت من معارضة الشيوخ المتزمتين وبعضها الآخر متأت من عرقلة السلط الاستعمارية الفرنسية. في هذا المناخ من التجاذب والتردد كتب الشيخ الطاهر بن عاشور مؤلفه ” أليس الصبح بقريب؟” ووضع فيه برنامجا إصلاحيا شاملا للتعليم الزيتوني، بدأه بنوع من التأصيل التاريخي للتعليم الإسلامي ثم توقف عند تشخيص معضلاته العامة، ليقدم بعد ذلك تشخيصات أدق لها مرفوقة بمقترحات إصلاحية على درجة كبيرة من الدقة الإجرائية. وآخر ما انتهى إليه هذا الجهد مؤسسيا هو إقرار الشعبة العصرية في مطلع الخمسينات. ثم جاء إصلاح نوفمبر ليتم ما ابتدئ من توحيد التعليم، وسار بالتعليم الزيتوني مراحل قصيرة متعاقبة من الدمج في التعليم العام إلى أن تم غلق جامع الزيتونة بالكامل سنة 1964. القسم الأول من الورقة الراهنة سيتناول إذن مشروع الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحي التربوي.

واليوم، مع حدوث الثورة التونسية وتحرر إرادة الشعب والنخب من سلطة النخبة الحاكمة التغريبية، تعالت الأصوات منادية باستئناف التعليم الزيتوني. فجاءت ردود الأفعال على هذه الدعوة على أنواع ثلاثة: الترحيب والرفض والدعوة إلى التريث والتفكير الرصين في هذه المسألة. والقسم الثاني من الورقة الراهنة يتبنى هذا الموقف الأخير ويشرح أسبابه ويضع شروط الاستئناف الجدي والعميق للتعليم الزيتوني ضمن رؤية معرفية وحضارية وعمرانية متكاملة.

أوّلا: مشروع الطاهر بن عاشور لإصلاح التعليم الزيتوني:

I- السياق التاريخي والثقافي لتأليف كتاب “أليس الصبح بقريب؟”

منذ حوالي قرن من الزمان، شرع الشاب البالغ من العمر خمسا وعشرين سنة فقط، الشيخ الزيتوني والأستاذ الصادقي محمّد الطاهر بن عاشور، في تأليف واحد من أهم كتب الإصلاح التربوي العربي في العصر الحديث، بشّر فيه بانبلاج صبح جديد في عالم التربية والتعليم، وقد اعتبره بعض الدارسين البارزين في مجال الحضارة الإسلامية من أفضل ما دوّن لدينا في مجال الإصلاح التربوي، ولا زال يتمتع إلى اليوم بصفة المعاصرة لتفطنه المبكر، وفق المنهج الخلدوني الذي وقع تناسيه، لصلة التربية الوثيقة بالعمران البشري، وباللغة المعاصرة، لصلتها بالتنمية المرتكزة على الذكاء البشري.

         ولقد حاول الشيخ ابن عاشور في هذا المؤلَّف أن يشخص أدواء التعليم الديني التقليدي وأن يصف له وصفة مركبة من العلاج التحديثي التمديني، شملت السياسات التربوية والبرامج التعليمية والمواد المدرسية وتكوين المعلمين وأنماط التقييم وأساليب المناظرات، فجاء نقده تاريخيا-حضاريا ومعرفيا-ابستمولوجيا وسوسيولوجيا-علائقيا وتعلميا-تعليميا وسياسيا-أخلاقيا في آن واحد.

جاء في مقدمة الكتاب ما ينصّ صراحة على بدء تفكير الشيخ ابن عاشور في تأليف كتابه في إصلاح التعليم “العربي-الإسلامي”( التعليم التونسي الزيتوني نموذجا):

» قد كان حدا بي حادي الآمال وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الّذي أشعرتني مدّة مزاولته متعلما ومعلما بوافر الحاجة إلى الإصلاح الواسع النطاق فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه […] في ثلاثة أصياف  وعنونته ”أليس الصبح بقريب؟“» (ص. 5). وقد وجدنا إضافة في طبعة 2006، هي بمثابة العنوان الفرعي: التعليم العربي الإسلامي: دراسة تاريخية وآراء إصلاحية”.

         ولعلّ القادح إلى الكتابة في هذا الموضوع هو الزيارة التي أدّاها الشيخ محمد عبده إلى تونس في سنة 1320هـ، أي قبل عام واحد من بدء تفكير الشيخ الطاهر بن عاشور في هذا الأمر، والخطاب الذي ألقاه الشيخ الأزهري بهذه المناسبة في قاعة الخلدونية « وحضره مئات من أهل العلم فانحنى فيه على الحالة المتبعة عندنا وعندهم بما كان سببا لفتح ما بقي مغمضا من عيون الغافلين» (ص. 248).

وفي الواقع، ولد الطاهر بن عاشور في عصر كبار المصلحين ولحق برواد النهضة العربية من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، الذين أطلقوا دعوات إصلاحية تجديدية تردّد صداها المدوي في تونس وفي جامعها العريق، حتى إن رجال الزيتونة بدؤوا بإصلاح نظامهم التعليمي قبل الجامع الأزهر، مما أثار إعجاب الإمام محمد عبده الذي قال: «إن مسلمي الزيتونة سبقونا إلى إصلاح التعليم، حتى كان ما يجرون عليه في جامع الزيتونة خيرًا مما عليه أهل الأزهر».

II- أسباب السعي إلى الإصلاح

قبل التعرّض بالتفصيل إلى مواطن الخلل في النظام التعليمي النافذ على عهده، بسط الشيخ الطاهر بن عاشور الأسباب العامة التي دفعته إلى تصور مشروع جديد لإصلاح التعليم في العالم الإسلامي عامة وفي تونس خاصة، فطرح صراحة السؤال:»لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم؟»، وبادر إلى الإجابة عليه من مداخل أربعة:

  1. مدخل فقهي مقاصدي اجتماعي-عمراني: الحاجة إلى تنويع وتجديد العلوم بحسب ما تدعو إليه الحياة الاجتماعية التي هي في تطور مستمر، لقوله:» هاته منافع العلوم الحاجية[5] التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يقدر أن يحدد عددها أحد لكن لا شك أنّ تقدم الحضارة يوفر كثرتها». (ص. 7).
  1. مدخل ثقافي- نفسي: وحيث أن العلوم الحاجية (أي التي يحتاج إليها المجتمع بدرجة أولى لتوفير مقومات العيش الأساسية، كالعلوم التقنية والرياضية والطبية والاقتصادية)، لا تكفي لتحقيق «الكمال النفساني» للفرد، فقد احتيج إلى العلوم الأدبية (الآداب والفنون) لبلوغ تلك الغاية، وهذه عبارة الشيخ:»أما العلوم الأدبية وهي مالا يجتني منه المرء غير الكمال النفساني أو بعبارة أخرى غير الانكشافات، فأمرها وإن كان في الاعتبار ثانيا، فإن نفعها من جهة الانبساط والمسرة لا يقصر عن نفع تلك». (ص. 8). والمقصود في سياق الإصلاح هو إيلاء هذه العلوم “التحسينية”[6] ما تستحق من العناية والتجويد.
  1. مدخل أخلاقي وسياسي: لكون الغاية من مزاولة التعليم» […] هي إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها»( نفسُه)، ونوعية هؤلاء القادة متوقف في جانب كبير منه على نوعية التعليم الذي يتلقونه. أي كأن الشيخ يشير هنا من طرف خفيّ إلى نوع من الفساد قد لحق بالزعامات الدينية والسياسية وبالمسؤولين الإداريين للبلاد في ذلك الحين[7]. فيترك المواجهة المباشرة (عاجل الأمور) ويختار الاشتغال على ما ينفع الأجيال القادمة(آجل الأمور)، شأنه في ذلك شأن المثقفين والمفكرين الاستراتيجيين عامة.
  1. مدخل تاريخي-ثقافي: والغرض منه على ما يبدو دفع تهمة البدعة عن نفسه، وذلك في محيط فقهي وديني متصلّب ومعاد للتجديد وأهله، بالتذكير بسنة بعض الأولين من الراسخين في العلم في الإصلاح: »وقد كان أساطين العلماء يهتمون بتحسين أساليب التعليم فهذا القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي قد تكلم في كتاب الرحلة وفي كتاب العواصم على أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا. وكذلك ابن خلدون. وذكر ابن خلدون شيخه الشيخ محمد ابن إبراهيم الآبلي السليماني فوصفه بشيخ العلوم العقلية وأنه قرأ كتب التعليم وصدق فيه.» (ص. 9).

             ولأنّ الشيخ الطاهر بن عاشور واع تمام الوعي بالمناخ الراهن المعادي للتجديد والإصلاح، فقد قرأ حسابا لخصومه وعرض حجتهم في هذا الباب ليمهد بذلك للردّ عليها:» يقول بعض أهل النقد[أي المنتقدين للإصلاح] أن التعليم لا يدخل تحت البحث والقواعد لأنه متوقف أكثره على المعلم لا على القواعد الفنية فلا يمكن سن القوانين له لئلا يوضع المعلم في غير موضعه، ويوكل إليه ما لم يجعل له، ويحرم الفرض من استخدام مواهبه الشخصية.» (نفسُه). فكان من ردّه عليهم أن قال: »إني على يقين إنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيرا من مواهبي ولاكتسبت جما من المعرفة ولسلمت من التطوح في طرائق تبين لي بعد حين الارتداد عنها.»( نفسُه).

             والمراد بهذا القول أن المواهب الشخصية لا تكفي لتجويد التعليم، إذ أنّ التعويل عليها وحدها يؤول إلى مجرّد اتباع لمنهج التجربة والخطإ، وليس الاستفادة مما ثبتت جدواه من المعرفة العلمية التربوية.

III– أسبابُ تأخر التعليم والنظرُ في الإصلاح

 

1-الأسباب العامة في تأخر التعليم بالبلاد الإسلامية

أسباب تأخر التعليم ذاتها فقد فرّعها الشيخ ابن عاشور» نوعين: نوعا يرجع إلى الأسباب العامة التي قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم، ولكن ذلك بحث يشغل بياض مجلدات ومرجعه إلى أسباب التأخر العام في العالم الإسلامي.

 ونوعا يرجع إلى تغير نظام الحياة الاجتماعية في أنحاء العالم تغيرا استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية، وهذا التغيير قد استدعى تغير أساليب التعليم، ومقادير العلوم  المطلوبة، وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم، كل ذلك نشأ نشئا سريعا وسار سيرا فسيحا، والمسلمون وخاصة أهل العلوم الإسلامية في سبات عميق حال دونهم ودون إصلاح برامج تعاليمهم» (نفسُه).

2- خمسة عشر سببا لتأخر التعليم و مقترحات أوّلية في الإصلاح[8]

  *»السبب الأول: وهو الذي فسح للداء مجال السريان أن العلوم والتعليم لم يسمح لهما الزمان منذ  القدم بوضع مراقبة تميز  الصالح من غيره مع أن التعليم هو مرتقى الأمة والذي به رسم مستقبلها» (ص. 116).

*السّبب الثاني يبدأ بسطه من القول التالي:

»     ذهب العلم متقدما عند الأمم التي أصبحت مالكة أمر أنفسها وصار علماؤهم خبراء بقيمة أنفسهم وبما تستفيده الأمة منهم فارتفعت أصواتهم بدعوتهم حكوماتهم إلى التفكير في الاستعداد العلمي بما يوازي التفكير في الاستعداد السياسي. قال رئيس مجمع ترقية العلوم البريطاني سنة 1904 «يجب نزع الحوايل السياسية التي تقف في سبيل العلم ذلك السبب الحقيقي الذي يضعف رجال العلم ولا يجعل لهم صوتا تسمعه الأمة أو تبالي به الحكومة» (119).

         وكما هو بيّن فإن المعنى المقصود هو عدم استقلالية العلماء عن الخلفاء أو الساسة بوجه عام في ديار الإسلام، أو تبعية السلطان الروحي (الرمزي المعنوي) للسلطان السياسي، وهو عائق من أكبر العوائق أمام الإصلاح الجدّي للتعليم، أي لآليات إنتاج المعنى في الدولة.

*»السبب الثالث: إهمال الضبط فإنا إذا تتبعنا حال التعليم وجدناه اختياريا في سائر أحواله فالمتعلم يتعلم باختياره، والمدرس يدرس ما يروق لديه من الكتب، ويقر ما يختار من المسائل، والمؤلف يصطلح على ما يشاء في العلم، وبذلك كان التعليم في سائر عصوره اختياريا وغير مضبوط ولا متحد بطريقة واحدة.» (نفسُه).

         ولتدارك هذا الأمر، يقترح الشيخ أربعة مبادئ: » ومن المبادئ لضبط التعليم بصفة طردية أربعة أمور: جعله إلزاميا، وضبط أوقات المدرسين، وضبط محل التعليم، وتقسيم التلامذة على العلوم والدروس.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

* »السبب الرابع: عرو [خلوّ] التعليم عن[من] مادة الآداب وتهذيب الأخلاق وشرح العوائد النافعة وغيرها وهو السبب الذي قضى على المسلمين بالانحطاط في الأخلاق والعوائد» (ص. 124).

         ولكن ابن عاشور لا يكتفي بالدعوة إلى تدريس تلك المواد، بل يشترط على الأساتذة أن يكونوا قدوة لمنظوريهم في ذلك، ويشنّع على الذين لا تتعدّى الفضائل الأخلاقية ألسنتهم أو الذين لا تصل حتى إليها:»ومن العار الكبير أن نرى كثيرا ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تحاكًّهم[تحتكّ بهم] وتعاشرهم أو تجادلهم فترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق، وإذا كانت تلك حالة خاصة الناس فما ظنك بعامتهم، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

*« السبب الخامس: سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها. وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو ايصال العقول إلى درجة الابتكار، ومعنى الابتكار أن يصير الفكر متهيئا لأن يبتكر المسائل ويوسع المعلومات كما ابتكرها الذين من قبله، فيتقدم العلم وأساليبه، ولا يكون ذلك  إلا بإحداث قوة  حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقى إليه.» (نفسُه).

 ويقدّر ابن عاشور أن قمع الفكر الحرّ وإضعاف الحس النقدي قد بلغ أشدّه عندما استحكمت العقلية المذهبية الإقصائية في عهد الدولة العبيدية: » وأشد ما اشتد هذا الأمر بتونس على عهد الدولة العبيدية حين حجرت الفتيا على الفقهاء المالكيين والتصريح بما يخالف مشاربهم.» (ص. 126).

*»السبب السادس: الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم  الفكر وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد في المرتبة الابتدائية ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه، وذلك أن يطالب باستحضار المهم وأن يلقي عليه ما له أثر عملي، وأن  يكرَّر سؤالُه فيه، وأن يكلَّف بتحريرات يظهر فيها أثر معرفته، وفي المرتبة المتوسطة يصير التعليم راميا إلى تقوية التفكير والجمع والتحليل.

وفي المرتبة العالية يصير التعليم يرمي إلى الاستنتاج والنقد، وفي كل تلك المراتب لا تكون العناية إلا باللب من العلم لا بالألفاظ والقشور» (نفسُه).

         هذا الشاهد ثريّ جدّا بالمعاني النفس-تربوية والتعليمية-التعلمية المطابقة لكشوفات علم النفس النشوئي على يد رائده جان بياجيه ولما يعرف ببيداغوجيا الأهداف والكفايات.

*» السبب السابع: إهمال التمرين والعمل بالمعلومات كما هو الغاية من كل علم» (ص. 129).

والنتيجة هي الوقوف عند حدّ التكرار الببغائي للمعلومات.

*السبب الثامن غير منصوص عليه، حيث تمادى الشيخ في شرح السبب السابع[9] إلى أن وصل إلى:

*»السبب التاسع [وهو]عروه [أي خلوّ التعليم] من ملاحظة المصالح الصحية ففي الحديث أن لبدنك عليك حقا وقد قيل “العقل السليم في الجسد السليم” وقال الفيلسوف بونالد ” الإنسان عقل تخدمه الأعضاء“» (ص. 130). ولا يخفى ما تبطن هذه الملاحظة من تصور شامل لتربية الإنسان: إنسان الصبح الجديد.

*»السبب العاشر: عدم تقارب التلامذة الوافدين إلى التعليم بجامع الزيتونة في الحالة التعليمية التي يفدون وهم عليها، لأنهم يردون من جهات شتى مختلفة في حالة التعليم» (نفسُه). وهو ما يؤدي إلى التفاوت في النتائج التحصيلية للتلاميذ. » (ص. 131).

»والواجب لإصلاح هذا الخلل العظيم تنظيم تعليم ابتدائي قبل تعليم الجامع الأعظم» (نفسُه).

*»السبب الحادي عشر: دروس التطوع أعني بذلك ما يلقيه المتطوعون أي أصحاب شهادة التطويع، وما يتطوع به المدرسون الرسميون زيادة على الدرسين المطلوبين منهم.

أما الأولون فالفساد يعترض دروسهم من جانبين: أحدهما عدم انضباطهم في ملازمة التدريس وذلك لأن الطرق الملزمة لا تتحقق فيهم إذ ليست لهم جراية تجعل عليهم حق الحضور مع أنهم القائمون بأكثر دروس التعليم بالجامع» (نفسُه).

 …»ثانيهما أن حب تقليل المصاريف مع صورة تكثير للدروس مع عدم كلفة الأجر عليها أوجب التساهل في قبول المطوعين للتدريس بأكثر مما يحتاج التعليم والغض عن قاصرهم فزج بنفسه في ذلك بعض القاصرين فنشأت عنهم طبقات قاصرة من التلامذة» (ص. 132).

*»السبب الثاني عشر، التزام عدد مخصوص من المذهبين المالكي والحنفي كما اقتضى ترتيب أحمد باشا حين تأسس ثلاثون مدرسا نصفهم مالكية ونصفهم حنفية ناظرا فيه نظرا قاصرا أو مغالطا ناشئا عن التسوية في تعظيم المذهبين، يحسبون أن أيمة المذاهب يهشون لإرضاء محسوبيهم حتى يظن أن الزيادة في عدد أحد الفريقين على الآخر يغضب إمامه.» (ص. 133).

ويدرأ الشيخ عن نفسه تهمة التعصب المذهبي قائلا:  »وليس  الباعث لي على الطعن  في هاته التسوية حمية في ترجيح أقرب الفريقين إلينا كما يتوهمه صغار العقول فالله يعلم أنني بريء من ذلك» (نفسُه).

*السبب الثالث عشر: تفكير التلامذة منذ الابتداء للاستعجال لتحصيل الشهادة من غير تفكير في الأهم من ذلك وهو الكمال العلمي، وهذا بسبب ما تحشى به عقولهم من أحاديث القاصرين من أوليائهم وقرنائهم المرغبة في الوظائف الدولية، وبسبب عرو تعليمهم عن التنويه بقيمة الكمال الذاتي، وتشوّف النفوس [تطلّعها] إلى نيل مرغوبها وبلوغ غاية قصدها يجعلها تتهافت لقطع ما يعترضها من  المسافات، وبذلك يصير تعليمهم سطحيا ويقل العلماء المشاهير وينقلب أذكياء نجباء بعد دخولهم إلى التعليم بهمة تبلغ الثريا، إلى متواكلين ومُقصرين حتى  تستحيل[تصبح] فطنتهم غباوة.

*»السبب الرابع عشر: ضعف الملكات اللسانية أي القصور في اللغة» (ص. 135).

   ومن المعلوم حتى اليوم أن القصور اللغوي (عربية وفرنسية) هو أحد أكبر أسباب الفشل المدرسي ببلادنا، لما له من علاقة بفهم وإنتاج مختلف المعلومات في الحقول العلمية والأدبية.

 *»السبب الخامس عشر: عرو التعليم عما يفيد التلامذة اطلاعا على أحوال الأمم الماضية والتاريخ الإسلامي، وتراجم رجاله، وتاريخ الأمم المعاصرة، وتاريخ الحضارة» (نفسُه).

وإذا ما أردنا تطبيق مفهوم المثلث التعليمي-التعلمي على هذا العمل، وذلك كأداة تحليل لمدى اشتماله على أهم عناصر الوضعية التربوية، فإنّنا سنجده مستغرقا لجميعها بشكل أو بآخر. ونُذكّر في هذا السياق بمكوّنات ذلك المثلّث. إنها تتمثل في ثلاثة أقطاب، هي على التوالي: المعرفة والمعلم والمتعلم.

  • قطب المعرفة: تعرّض المؤلّف لموضوع المعرفة في التعليم في مستويين:
    1. في مستوى المعرفة المدرسية المتضمنة في التآليف المعتمدة للتدريس وقد أبرز فيها أنواعا شتى من الخلل، أهمها اثنان، أولهما ذو طبيعة ابستمولوجية، وهو المتعلق بنوعية المعرفة المنتجة، فذكر أنها معرفة تفتقد في عديد الحالات إلى الضمانات الموضوعية لأي معرفة علمية، حيث تستند أحيانا إلى مجرّد تهيآت أو أحلام يقظة، أو هي مجرّد رؤى وأحلام في النوم، وهذا أمر خطير للغاية وينطوي على هشاشة ابستمولوجية وعرفانية[10] فاضحة. أما ثاني أنواع الخلل في التآليف (الوثائق والبرامج المدرسية) فيقع في مستوى المحتويات، التي ظلت مفتقرة إلى التنويع المجدد والمنفتح على علوم كاللغة والمنطق والرياضيات والتاريخ والأديان المقارنة وعلوم الطبيعة وعلم الأخلاق…الخ.
    2. في مستوى العلوم الأم التي تستقى منها التآليف وقد أحصى المؤلّف منها عشرة علوم، وقيّمها خاصة من النواحي المنهجية (العلوم النظرية كعلم الكلام) والوظيفية (كالفقه وأصوله). من الناحية الأولى تم الكشف عن مقدار المبالغات والتجاوزات الراجعة إلى التعصب للمذهب وغياب الموضوعية والعقلانية. أمّا من الناحية الثانية فكشف عن تقصير في الاهتمام بالجوانب النافعة في العلوم العملية (كالفقه) لحياة المسلم اليومية لحساب نظرة أخروية ساذجة.

 

  • قطب المعلّم: وقد اهتمّ به المؤلّف كثيرا وبطرق متنوعة ومن نواحي عديدة.

       فعيّن مراتب المدرسين في العلم بحسب تمكّنهم منه فهما وتطبيقا وتمييزا ونقدا وإبداعا، فجاؤوا على خمس مراتب أوّلُهم النّحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهم مصيب، وآخرهم كثير الأخطاء الباحث دائما لستر العيب عن غطاء. وقد أرجع الخلل الحاصل في المراتب الدنيا للمدرسين إلى سوء التقييم وسوء نظام المناظرات، لاعتمادهما خاصة على التكرار الفاقد لروح الفهم والتطويع.

      كما عالج قضية تكوين المدرسين ومسألة الموهبة والفن في التعليم، فأكّد أكثر من مرة على جدوى التكوين حتى للمدرس الموهوب، إذ هو يكسبه المزيد من الفعالية والكثير من الوقت الضائع. وهذا العنصر يندرج في الواقع ضمن تقليد علم التعليم وبالأساس في التقليد البحثي الخاص بتكوين المعلمين. وعلى صعيد آخر ربط المؤلف مستوى المدرسين بالمناهج المقررة وأن إصلاح المعلمين يتم في جزء منه عبر إصلاح التآليف (البرامج والوثائق المدرسية). وغير بعيد عن هذا الموضوع، حلّل كيفية تعامل المدرسين مع مصادر المعرفة العلمية والمدرسية، وهو ما يعرف الآن بعملية النقل التعليمي الداخلي transposition didactique interne، وكشف عن قلة درايتهم وكفايتهم في هذا المجال.

      وأخيرا تصدّى المؤلف لموضوع أخلاقيات التعليم و غياب المعلم القدوة وفَضَحَ الكثير من مظاهر سوء الأخلاق لدى غالبية المدرسين، كالبطر والعُجب والقسوة وسلاطة اللسان والحسد والبغض، ودعا إلى تصحيح هذه الأوضاع المسيئة لسمعة المربين. وهذا العنصر الأخير لا يتبع منهجيا مكونات المثلث الديداكتيكي[11]، لأن التحليلات التي يسمح بها هذا المثلث تكون دائما من زاوية المعرفة (العلمية أو المدرسية)، إذ أن الديداكتيك بصفة عامة علم تربوي ذو براديغم ابستمولوجي (ابستمولوجيا العلوم/ الابستمولوجيا المدرسية/ الابستمولوجيا النشوئية[12]).

 

  • قطب المتعلّم

        لقد حضي قطب المتعلم في كتاب “الصبح القريب” بعدّة أفكار هامة لا زالت تحتفظ بكامل أهميتها إلى اليوم. وهذه أبرزها:

  • الدافعية الخارجية والدافعية الداخلية، وضرورة العمل على تقوية النوع الثاني من الدافعية، لأنه الضامن للتحكم الجيد في المهمات التعلمية والتملك الراسخ للمعارف والمفاهيم العلمية والكفايات والمهارات التعلمية (ص. 134).
  • المكتسبات الأولية للتلاميذ: ضرورة تقاربها بتنظيم تعليم ابتدائي واحد قبل المرحلة المتوسطة، فالعالية (الدراسة بالجامع الأعظم).
  • التدرج في التعليم (النشوئية)، وذلك بمساعدة المتعلمين على اكتساب كفايات تعلمية متنامية.
  • كفايات المتعلمين بحسب نسق تصاعدي: الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والنقد[13] (ص. 127).
  • تدريب العقول على الابتكار:ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات، كما ابتكرها الذين من قبلهم (ص. 125). وهذا بالفعل ما نحتاجه في زمن المجتمعات المعرفية والثورة المعلوماتية، حيث تتحول الفكرة من رأسمال رمزي إلى رأسمال مادي بسرعة فائقة.

 

      هذه إذن أهم الأفكار التربوية الإصلاحية التي جاءت في كتاب “أليس الصبح بقريب؟”، وقد عكسناها هي الأخرى في مرايا الفكر التربوي المعاصر، فظهرت لنا على قدر عال من الحداثة سمحت بها ثقافة الشيخ ابن عاشور الواسعة والمنفتحة على تراث الإنسانية ومنجزاتها القديمة والجديدة على حد سواء، كما أنها جاءت تجسيدا لأرقى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في مجال العقل العملي: المنهج العمراني الخلدوني والمنهج الفقهي المقاصدي. أي الجمع بين قوانين الترقي الحضاري وغاياته البعيدة الموجّهة لخططه الراهنة معا.

مناقشة وامتدادات

      بطبيعة الحال، يصطبغ عمل الشيخ ابن عاشور الإصلاحي التربوي بمسحة بيداغوجية كلاسيكية من بعض النواحي، خاصة من حيث تركيزه في التحليل في عديد الأحيان على عنصر المعرفة، التي يجعلها المدخل الرئيسي لتقويم حال التعليم، كأن يعزو مثلا ضعف أداء المدرسين وسوء ممارساتهم التعليمية إلى عامل التآليف، ويرى في إصلاحها شرطا ضروريا لإصلاحهم. كما أنه يلحّ كثيرا على العامل الأخلاقي في التعليم، من دون صوغه بعبارات “العلاقة التربوية”[14]، التي تعبر عن مفهوم نفس-اجتماعي معاصر. والعامل المشترك في العنصرين المشار إليهما هو عدم الانطلاق من قطب المتعلم وعدم جعله مركز العملية التربوية.  فالتآليف إنما توضع بحسب محاور تتطابق مع مراكز اهتمام المتعلم وبحسب تدرج يراعي قدراته الذهنية في كل مرحلة من مراحله النشوئية- هو أمر لا ننكر حدس الشيخ ابن عاشور إياه- ومعاملة التلاميذ الحسنة لا تكون فقط بمجرد واعز أخلاقي وإنما انطلاقا من الوعي العلمي بضرورة مثل تلك المعاملة لكل الاعتبارات النفسية والذهنية والعلائقية التي تتدخل في كيفية ودرجة تملك المتعلمين للمعارف واستبطانهم للقيم المقترحة عليهم. هذه النقيصة الهامة لا نلوم الشيخ ابن عاشور عليها، لأنها وليدة المدرسة البنائية (بفرعيها الكلاسيكي والاجتماعي) التي جاءت لاحقا، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين إلى ذكرها حتى لا نقع في (ولا نتهم بـ) المبالغة في التنويه بمقاربة الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحية في مجال التربية.

      ولا ننسى في نفس الوقت وجود عناصر ذات علاقة بفعل التلميذ الذاتي في فكر ابن عاشور التربوي، كالتمرين و«ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات» والتحليل والتركيب والنقد. ومن المعلوم أن الشيخ كان معاصرا لانطلاقة أعمال البيداغوجيا النشيطة في أوروبا وفي أمريكا، لكننا لسنا متيقنين من اطلاعه عليها، خاصة وأنه لم يحِل عليها أبدا. فشيوع المعلومة خارج محيطها الأصلي يتطلب زمنا يمنح أصحابها تقدما على غيرهم ممن لا يمتلكونها.

         وهذا أمر مفهوم وشائع لدينا في العالم العربي عموما وفي المغرب الإسلامي خصوصا، حتى في هذا الزمن الذي يشهد انفجارا معلوماتيا واتصاليا لا مثيل له في تاريخ البشرية. فنحن لا زلنا في علوم التربية وفي العلوم العرفانية  Les sciences cognitives، خاصة تلك التي تنتج في العالم الأنغلو- سكسوني، نشكو من تخلف في مواكبة المعلومة في مستوييها العلمي- النظري والإجرائي- التطبيقي يقاس بالعقود. وبشكل أكثر دقة، لا ننفتح على تلك المعارف والتجارب إلا بالكيفية والمقدار الذي يسطر لبلدان العالم النامي في دوائر الرأسمال العالمي والهياكل التابعة له. فيما الأجدر بنا أن نبحث بكيفية حرة ومستقلة تماما عما يمكّن بلداننا من الرقي والتقدم. لماذا نصرّ مثلا على اتباع نماذج بيداغوجية منتجة من قبل منظومات تربوية ليست في طليعة الترتيب العالمي، خلافا لفنلندا والنرويج مثلا! حقا إن تجريب نماذج تربوية في النجاح والامتياز المدرسي كالتي تطبق في مجموعة البلدان الأخيرة أمر مكلف من الناحية المادية[15].  ولكن الهدر الذي تتعرض له منظوماتنا التربوية هو الآخر أمر مكلف جدا. ثم لا ننسى أن ما ننفقه بوجه حق في التربية والتعليم بيد نستردّ أضعافه باليد الأخرى، خاصة في هذا الزمن الذي تقلصت فيه الهوة بين الذكاء والخيرات المادية إلى أبعد الحدود، بتوسط الوقائع المصممة مجازيا في شبكات العالم الرقمي[16].

ثانيا: قضية استئناف التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر

 

تمهيد:

انطلاقا من متابعتنا لملف عودة التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر يمكننا القول بوجود ثلاث اتجاهات بخصوص مسألة هذه العودة:

  1. الترحيب الكامل: وقد عبر عنه وزاراء الشؤون الدينية والتعليم العالي والتربية وبعض الأحزاب مثل حركة النهضة وبعض المجموعات السلفية وعدد من المواطنين[17].
  2. الرفض التام، ويبدو أنه اتجاه أغلب أساتذة العلوم الإنسانية بالجامعة التونسية (لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية مثالا) والرئيس السابق لجامعة الزيتونة وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية ومن الأساتذة والمعلمين.
  3. القبول المشروط بعدة ضوابط هيكلية ومعرفية ووظيفية وعمرانية.

وهذه الورقة تنحاز إلى هذا الاتجاه الأخير، وسنحاول بلورته بشكل أوضح وعلى قدر من التفصيل من خلال تمش يمر بنا من استعراض الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني إلى بيان الصعوبات التي ينظر في إمكانية تذليلها والشروط التي يتوجب توفرها ليكون لمثل هذا الاستئناف معنى إيجابي حقيقي، لا مجرد احتفاء فولكلوري بقيمة رمزية ثقافية تستعاد بعد طول غياب. وهو ما أجملناه في عنصر خاص بالتحديات التي تواجه أي إجراء جدي في اتجاه “عودة” هذا النوع من التعليم الأصيل في تونس.

1- رهانات استئناف التعليم الزيتوني:

من أبرز الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني:

  • تأصيل التعليم: بجعله في ارتباط مباشر بأصول الحضارة الإسلامية التي هي الثقافة الإسلامية الدائرة حول الوحي بشقيه قرآنا كريما وسنة نبوية مطهرة ثابتة والمتضمنة لمختلف اجتهادات العلماء المسلمين وإبداعاتهم في الكلام والفقه واللغة وغيرها من المجالات المعرفية الأصيلة.
  • تصحيح خطإ تاريخي قام به بورقيبة والنخبة التي كانت مرافقة له في عملية تسطير الاختيارات التربوية الكبرى للبلاد فجر الاستقلال. ويتمثل هذا الخطأ في إيقاف العمل بمنظومة التعليم الزيتوني. تم ذلك تطبيقا لأمر 1 مارس 1961، الذي أصبحت بموجبه كلية الشريعة وأصول الدين الوريثة الرسمية لجامعة الزيتونة (أمر 31 مارس 1960) ولجامع الزيتونة كمؤسسة تعليمية طوال قرون مديدة[18]. وكون هذا الإجراء يُعدّ خطأ تاريخيا حسب وجهة نظرنا، فلأنه تم في وقت بلغت فيه جهود الإصلاح التربوي في الزيتونة أوجها، خاصة مع بعث الشعبة العصرية على يد الشيخ الطاهر بن عاشور. هذه الشعبة التي استحدثت فيها مواد جديدة لم تكن تدرس من قبل في الزيتونة مثل الرياضيات الحديثة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية (الفرنسية والانجليزية) وكل هذه المواد ذكرها الشيخ الطاهر بن عاشور وأوصى بتضمينها في التعليم الزيتوني قبل إلغائه بنصف قرن كامل. وقد أثمر هذا الإصلاح بعض النتائج الملموسة الطيبة، مثل قدرة عدد من خريجي الشعبة الزيتونية العصرية على النجاح في الباكالوريا فرنسية والاضطلاع ببعض الوظائف التي تحتاجها الدولة فجر الاستقلال.
  • القطع مع القطع التاريخي الذي مارسته النخبة الحداثية مع الإسلام و« تثبيت دعائم الهوية العربية الإسلامية في بلادنا ونشر قيم الخير والصلاح في العالم أجمع » (بيان وزارة الشؤون الدينية، المغرب، 3 جوان، 2012).
  • إثبات الغيرة على الإسلام في مواجهة التيارات الإسلامية المتشددة وسحب البساط من تحتها، ومحاصرة ظاهرة السلفية والوهابية والرد العلمي عليها استنادا إلى أقوال الفقه المالكي واستئناف التقليدي الزيتوني في كبح جماح الدعوة الوهابية.

2- التحديات

نستخدم هنا مصطلح التحديات بمعنى الصعوبات التي يجب تذليلها لبلوغ الهدف المنشود:

أ- محدودية النظرة للتأصيل لدى جانب من المتحمسين لهذا المشروع: فالتأصيل لا يعني العودة إلى الوراء، والأسلاف لم يكونوا سلفيين بل كانوا مجددين ومبدعين. قد يقال إن استئناف التعليم الزيتوني سيكون من اللحظة التي تركها فيه الشيخ الطاهر بن عاشور. ولكن أين وعي الشيوخ الحاليين من وعي الشيخ الطاهر بن عاشور وأين تكوينهم العلمي والبيداغوجي من تكوينه؟

ب- قلة عدد الشيوخ الزيتونيين الباقين على قيد الحياة من بين الشيوخ الأعلى درجة علمية (العالمية). وعدم قدرة الأساتذة بجامعة الزيتونة من المقتنعين باستئناف التعليم الزيتوني الأصيل على تغطية كل احتياجاته.

ج- عدم استعداد بعض الشركاء المنتظرين من قبل أصحاب المشروع للتعاون معه:

ففي الوقت الذي رحبت وزارة الشؤون الدينية بما اعتبرته في بيانها “إنجازا تاريخيا كبيرا وكسبا ثوريا عظيما”، أصدرت وزارة الصحة أصدرت بلاغا أكدت فيه رفضها التام إرساء نظام لتدريس الطب في جامع الزيتونة وذلك في معارضة واضحة وحاسمة لما أعلنه الشيخ حسين العبيدي إمام جامع الزيتونة. كما وضّحت ووزارة التعليم العالي نفسها أن موافقتها ليست مطلقة بل مقيدة بجملة من الشروط المنهاجية وغيرها. والموقف الأكثر حسما ربما هو الذي اتخذته لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية التي انتقدت أصحاب المشروع والحكومة بعدم القيام باستشارة وطنية واسعة حول هذه المسألة وعدم الحصول على إجماع وطني بخصوصها. ومما جاء في بيانها بهذا الخصوص أنها: “تعتبر أن هذا القرار أحادي الجانب ويمثل بادرة غير قانونية وغير ديمقراطية، وتستهدف خرق المبادئ التي تأسس عليها التعليم الجمهوري الوطني الذي سعى منذ نصف قرن  إلى توحيد صفوف التونسيين…”.

  • الأمثلة التي وقع الاستشهاد بها (جامع الأزهر وجامع القرويين) ليست أمثلة على تفوق وريادة حقيقية للتعليم الأصيل في عصرنا الحالي. فهل أن مستوى تدريس الطب في الأزهر مثلا يضاهي مستواه في النظام التونسي الحديث مثلا، هذا إذا لم نقارنه بمستويات تعليمه في الدول الأكثر تقدما في العالم. وحينئذ ما الفائدة من تدريسه في هذه المؤسسة التربوية العريقة؟ التكوين الديني الذي يوفره الأزهر لدارسي الطب فيه يمكن أن يوفره لكل راغب فيه من طلاب الكليات الحديثة.

ﻫ- ما موقع هذا الإجراء من عملية إصلاح النظام التربوي الجارية الآن؟ هل علينا مضاعفة الجهد والقيام بإصلاحين: تأصيل التعليم الحديث وتحديث التعليم الأصيل؟ أم إدراج مشروع عودة التعليم الزيتوني ضمن رؤية إصلاحية تربوية شاملة؟ ! فالمعلوم أننا نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، هي لحظة الاستحقاقات الثورية التي تجيز لنا إصلاح التعليم بما يتلاءم مع مقتضيات الإخلاص للهوية العربية الإسلامية ومقتضيات النمط الحديث في التربية والتنمية والسياسة والمجتمع في الآن نفسه. فلماذا نشتت الجهود ولا نشحذ ونجمّع الطاقات لإبداع نظام تربوي حداثي أصيل يكون التعليم الزيتوني ملمحا من ملامحه، وليس مظهرا شاذا عن اختيارات البلاد التربوية والتعليمية العامة.

و- البرامج: كيف ستكون ومن سيعدّها وإلى أي نظام معرفي ستستند؟

على سبيل المثال، في تونس العصر الحديث استأنف الشيخ الطاهر بن عاشور النظر في مبحث “المقاصد الشرعية”. أي قراءة الشريعة قراءة مقاصدية انطلاقا من اللحظة المعرفية التي وصل إليها أبو إسحاق الشاطبي المالكي في كتابه الموافقات (790ھ) الذي اكتشف في الوحي منطقا قصديا[19]. وقد عمل ابن عاشور على أن يفصل مبحث المقاصد عن علم أصول الفقه  ليصبح علما قائما بذاته في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” وأخرجه من المنطق المذهبي الضيق ليجعل منه علما كليا اجتهاديا مفتوحا، وأدخل عليها بعض التطويرات، من ذلك مثلا التوسعة في مجال المقاصد لتتجاوز حفظ  الدين والنفس والعقل والمال والنسل، إلى مقصد الحرية والديمقراطية، وقد فعل ذلك في كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” وبذلك يكون قد سبق كل الحركات الإسلامية إلى هذا المقصد. ومع ذلك فإن اللحظة المعرفية الفريدة التي لم تلتقط حسب رأينا إلى الآن، هي اللحظة التي بنى فيها ابن خلدون المقاصد الشرعية على قوانين وطبائع العمران البشري، فاتحا الباب بامتياز أمام رفع الحواجز المصطنعة بين الشرعيات والإنسانيات، وبين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة بشقيها المادي والإنساني. فأين الوعي العلمي والمعرفي (الابستمولوجي) لمشائخ الزيتونة  اليوم من اللحظة المعرفية العمرانية الخلدونية والمقاصدية العاشورية؟ !

ولذا قبل الإسراع السياسوي والإيديولوجي نحو فتح فروع الزيتونة في كامل البلاد، كما هو جار الآن، يجب القيام بمراجعات ابستمولوجية عميقة للعلوم الإسلامية، من علم كلام أو توحيد، وعلم أصول فقه، ومقاصد وتفسير وتأويل…الخ. وهو الأمر الذي انتبه إليه إخواننا في المغرب الأقصى عندما نظموا منذ سنتين ندوة أزمة العلوم الإسلامية بطنجة سنة 2010، وتساءلوا عندها “هل هي أزمة منهج أم أزمة تنزيل” واتجهت أغلب الآراء والتحاليل إلى كونها أزمة منهج بل وأزمة معرفية ابستمولوجية هيكلية عميقة، كما بينت شخصيا ذلك في ورقتي حول علم الكلام (علم أصول الدين) في تلك الندوة، وكما سبق للشيخ الطاهر بن عاشور أن بينه بخصوص علم أصول الفقه. وإذا ما تناولنا علم التفسير التقليدي، فأين هو من مناهج التفسير والتأويل وقراءة النصوص التي ظهرت في العصر الحديث من هرمونيطيقا وسيميوطيقا وبراغماتيكا وفيلولوجيا وألسنية عامة وألسنية نفسية وأنطروبولوجيا ثقافية وعلوم عرفانية…الخ؟ !

ولذا إذا ما أردنا تجاوز مجرد المظاهر الفولكلورية في مشروع استئناف التعليم الزيتوني علينا القيام بمراجعات معرفية ومنهجية عميقة للعلوم والمعارف الإسلامية النظرية منها والعملية، على غرار ما قام به رجال اللاهوت المسيحي واليهودي الذين تفوقوا كثيرا في المستوى العلمي على الأئمة والمشائخ المسلمين في وقتنا الحاضر للأسف، لا نستثني من ذلك إلا قلة قليلة منهم. بطبيعة الحال لسنا هنا في سياق الدعوة إلى تقليد اليهود والمسيحيين في نظرياتهم ومناهجهم فهذا ما لا يجوز معرفيا ومنهجيا للاختلافات الجوهرية بين عقيدة التوحيد الإسلامي والتثليث المسيحي أو التوحيد القومي اليهودي (يهوه إله واحد لكل اليهود وليس للعالمين) مع أن القرآن الكريم لم يستبعد وجود كلمة سواء بيننا وبينهم، ولكن أنى لهم الاستجابة لها، إلا من رحم ربك…

ز– لدينا الآن زيتونتان: جامع الزيتونة وفروعه الجديدة وجامعة الزيتونة: فأيهما يمثل الزيتونة والتعليم الزيتوني حقا؟ ! وكيف ستكون العلاقة بينهما وكيف سيستفيد مشروع عودة التعليم الزيتوني من الطاقات البشرية العلمية والتعليمية الموجودة في جامعة الزيتونة المقاطعة لهذا المشروع؟ ! كل هذا يجب التفكير فيه ومعالجته بالحكمة اللازمة.

خاتمة

في الأخير لا ننكر الفضائل المعروفة للتعليم الزيتوني رغم رزحه لقرون من الزمن تحت وطأة التقليد والتكرار، مثل حفظ القرآن ومثل التكوين اللغوي الممتاز والتكوين الفقهي التعبدي الأساسي، وهو ما لا تنقطع الحاجة إليه إلى اليوم، خاصة في ضوء التراجع المخيف لمستوى التحصيل اللغوي في العربية لخريجي النظام التربوي الحالي والجهل بكثير من ضرورات القواعد الفقهية التعبدية لدى جمهور المصلين، ولكن المسألة مع ذلك في نظرنا هي أكبر من هذا بكثير. إنها قضية حضارية عمرانية على درجة عالية من الأهمية والخطورة. إن مؤسسة الزيتونة لم تكن مؤسسة معزولة عن نمط عمراني ومعيشي وثقافي حاف بها ومخترق لها. لقد كانت الزيتونة ملبية لجملة من الحاجات والوظائف العمرانية التي كان المجتمع يطلبها منها، مثل الإمامة والتعليم والقضاء، ولكننا نتساءل اليوم عن نوعية الحاجات والوظائف العمرانية التي يمكن للزيتونة أن تلبيها في هذا العصر الفائق التعقيد، من النواحي القانونية والإدارية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والطبية والاقتصادية وغيرها… ولذا فإن الأمر إذا تعلق بإصلاح التعليم الديني، فهذا أمر مشروع بل ومطلوب وملح في ظل تنامي نزعات الجهل والتطرف والإقصاء والعنف، وهذا يتطلب إعداد العدة له. ولكن إذا ما تعدى الأمر ذلك إلى مشروع أكبر وأشمل وهو مشروع تأصيل التعليم، فهذا يقع في مستوى آخر أعلى يتطلب طاقات وأفكار وإعداد أكبر وأشمل. فهل تهتدي النخبة التونسية وسلطة الإشراف والمجتمع المدني إلى أنسب الطرق لحل هذا الإشكال؟ هذا ما علينا التجنّد له جميعا ضمن مشروع تربوي وطني حداثي أصيل.

 

المصادر والمراجع:

 

– ابن خلدون، المقدمة، مكتبة ودار المدينة المنورة للنشر والتوزيع- الدار التونسية للنشر، 1984.

– ……….، شفاء السائل لتهذيب المسائل، طبعة أبو يعرب المرزوقي، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.

– ابن عاشور، محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب؟، طبع ونشر المصرف التونسي للطباعة، تونس، 1967.

– …………، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع تونس، 1978

-……………………، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد، دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997.

 – حنفي، حسن ، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

– الكعاك، عثمان، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958.

– الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1990.

– العياشي، المختار ، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012.

– …………… ، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

 

المراجع بالفرنسية:

– Astolfi, J-P. et De Velay, M., La didactique des sciences, Paris, PUF, 1989.

– Chevallard, Y. La transposition didactique, du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble: LA Pensée Sauvage, 1982.

– Depover, Ch. & Noël, B. (Éds). L’évaluation des compétences et des processus cognitifs. Paris-Bruxelles: De Boeck Université, 1999.

-Giordan, A. et De Vicchi, A. Les origines du savoir. Delachaux et Niestlé, 1987.

– Jonnaert, Ph. Conflits de savoir et didactique. De Bœck Université, 1988.

– Piaget, J. La construction du réel chez l’enfant.  Suisse: Delachaux et Niestlé, Neuchatel, , 1950 .

– ………… Psychologie et pédagogie. Denoel, PUF, 1968.

– Postic, M. La relation éducative, Paris: PUF, 1979.

-Vygotsky, Pensée et langage, Trad. du Russe Editions sociales Payot, 1973.

[1] المختار العياشي، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012، ص. 193.

[2] عثمان الكعاك، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958، ص. 104.

[3] العياشي، مصدر سبق ذكره، ص. 199.

[4] ذكره العياشي في المصدر الذي سبق ذكره، ص. 210.

[5] يشتمل مبحث المقاصد على ثلاثة أنواع منها: – المقاصد الضرورية (حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال) والمقاصد الحاجية (وبها تتحقق الضروريات الخمس السالفة) والمقاصد التحسينية.

[6] نستعمل هنا عبارة من سجل علم المقاصد الشرعية، مسايرة لروح الفكر الإصلاحي لدى الشيخ ابن عاشور.

[7] توجد في الكتاب عديد الإشارات إلى وضعية الفساد هذه، كاعتراض بعض المشايخ على هجر التعليم التقليدي بمجرد إيماءات بالإصبع(«كان جواب الشيخ محمد بيرم عن كل مطلب يعرض وعن كل تفريع يعرض أن يرفع سبابته مشيرا بالنفي ولا يتكلم»: ص144).

 وقد ختمها بتقديم مشروع ومطالب الطلبة الزيتونيين للإصلاح (زهاء أربعمائة طالب بقيادة إبراهيم بن شعبان (ص. 257).

[8] غالبا ما يعقب عرض سبب التخلف أو نوعه جملة من الاقتراحات الإصلاحية يقدّمها الشيخ ابن عاشور.

[9] يجوز أن يكون شرحه للسبب السابع قد تضمن فكرة إضافية اعتبرها سببا ثامنا لتأخر التعليم، وهي إلقاء المدرسين لدروس لا يفهمون مرادها على وجه اليقين.

[10] نستعمل العرفان هنا لا بالمعنى الصوفي وإنما تعبيرا عن المفهوم الانجليزي Cognition

[11] في الواقع نحن الذين اخترنا التموقع في هذا الإطار وليس الشيخ الطاهر بن عاشور، الذي كان يشتغل في الحقل العام للبيداغوجيا، مع قيامه ببعض التحليلات في مستوى البيداغوجيات الخاصة (بيداغوجيات المواد)، ومن بين أسباب ذلك،أن تعلمية المواد لم تظهر إلاّ بعد ستين سنة ونيف من ظهور كتاب “الصبح القريب”.

[12] بالنسبة للجيل الأول من الديداكتيك، التي أصبحت في ما بعد، مع أصطلفي مثلا، تبحث عن مزيد من الاستقلالية عن بقية العلوم الإنسانية كعلم النفس المعرفي وعلم النفس النشوئي.

[13] يعتقد ابن عاشور أن المراقي العليا تترك للمرحلتين المتوسطة والنهائية، ولكن هذا الرأي تم تجاوزه الآن في توجيهات التعليم العصرية، لأنه بالإمكان تدريب التلاميذ على العمل في مختلف هذه المستويات العرفانية بما يلائم مراحلهم النشوئية ومراكز اهتماماتهم، بما في ذلك متعلمو رياض الأطفال، الذين يكون لديهم التحليل والتركيب عملا حسيا حركيا بالدرجة الأولى. والفكر يبنى بهذه الكيفية لأن الفكر في أساسه فعل في المادة وفي ذاته نفسها لاحقا(الميتاعرفان). فكما يقول جان بياجيه: “Penser c’est agir”

[14] انظر كتاب مارسيل بوستيك الذي يحمل هذا العنوان نفسه.

[15] تنفق فنلندا التي احتلت صدارة الترتيب العالمي للمرة الثالثة على التوالي (سنة 2008)، أموالا طائلة على التربية والتعليم(6% من الناتج القومي الخام، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن النسبة المخصصة في الميزانية التي هي أرفع من هذا بكثير)، وتطبق تعليما إفراديا في الحالات المستعصية وتؤمن وجبة الغداء لجميع التلاميذ مجانا مهما كان منحدرهم الاجتماعي والعرقي..الخ.

[16] وهو ما يعرف باقتصاديات المعرفة.

[17] تم مؤخرا (في أواخر شهر جانفي 2015، أي بعد حسم الانتخابات الرئاسية) سحب الوثيقة “البروتوكولية” لاستئناف التعليم الزيتوني وإيقاف العمل بها من قبل الوزارات الثلاث: الشؤون الدينية والتربية والتعليم العالي .

[18]  انظر مختار العياشي، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

[19] -حسن حنفي، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

تمهيد:

نذكّر بداية بأن جامع الزيتونة لم يصبح المؤسسة العلمية الأولى بإفريقية إلا بعد سقوط القيروان، وتحول مدينة تونس إلى عاصمة إفريقية زمن الحفصيين[1]. وقد كانت المناهج التعليمية التي تدرس في العهد الحفصي متفوقة بكثير على مناهج التعليم التي أدركها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور زمن الاستعمار الفرنسي لتونس. فقد كان الآبلي على سبيل المثال يدرس العلوم العقلية بالجامع الأعظم، من رياضيات وفلك وعلوم طبيعية وغيرها، إلى جانب القلصادي صاحب دروس الحساب أو الصقلي صاحب المعارف الطبية. وكل هذه العلوم انتفت بعد دخول الإسبان إلى تونس (1534- 1574م) وما مارسوه من نهب وحرق طال الجامع الأعظم، إلى جانب تأثر الحياة العلمية فيه بالسجال السياسي الذي أعقب ذلك الاحتلال الإسباني للبلاد[2].

وقد تتالت محاولات إصلاح التعليم الزيتوني بعد أكثر من قرنين من تلك الأوضاع ويعتبر الطور الحسيني الأول (مدة القرن 18 تقريبا وبداية القرن 19) العصر الذهبي لجامع الزيتونة[3].

ولذا يمكن القول بأن قضية إصلاح التعليم الزيتوني قضية تمتد الآن إلى أكثر من قرن ونصف من الزمان، أي منذ صدور مشروع “معلقة باب الشفاء” الذي أمر به أحمد باي (1806-1855) في 27 رمضان 1258ھ (الموافق لـ 1 ديسمبر 1842) والقاضي بمزيد مراقبة الدروس وتنظيمها ومراقبة الشيوخ.

وقد توصلت وحدة البحث بمتحف التربية بتونس إلى أنه “بعد ثلث قرن من العمل بالتراتيب الواردة بـ”معلقة باب الشفاء” أدخل الوزير المصلح خير الدين باشا بعض التعديلات على نظام التعليم بالجامع الأعظم تضمنها منشور 28 ذي القعدة 1292ھ/ 26 ديسمبر 1875 والمتمثلة بالخصوص في تحديد مراحل التعليم بالزيتونة والمواد المدرسة والهيئات المشرفة عليه[4].

ولكن هذا الإصلاح لم يضع حدا على ما يبدو لمتاعب التعليم الزيتوني خاصة في المستوى المنهاجي والبيداغوجي، وهو ما يفسر تأليف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لمؤلّفه ذائع الصيت ” أليس الصبح بقريب؟” الذي بدأ كتابته سنة 1321ھ/1903م واشتغل عليه لمدة ثلاثة أصياف كما صرح بذلك، ولكن لم يطلع عليه جمهور الدارسين إلا بعد ذلك بمدة طويلة.

واليوم تعود قضية التعليم الزيتوني إلى دائرة الاهتمام بكل قوة، ولكن في سياق ثقافي ومعرفي وسياسي جديد، يتسم بانتشار التعليم العصري والعلوم والجامعات الحديثة مع مناخ سياسي ظهر بعد الثورة التونسية يشجع على إعادة طرح كل القضايا التي لم تشارك النخب الثقافية والعلمية في مناقشتها سابقا بمثل الحرية والجرأة اللتين تمكنت منهما الآن.

فما الذي يدفع مرة من بعد مرة إلى طرح هذه القضية على بساط النقاش وما الذي يدفع بالبعض إلى المناداة باستئناف التعليم الزيتوني والبعض الآخر بالتروي في ذلك أو معالجته في إطار المؤسسة الجامعية العصرية؟

يمكن وضع التعليم الزيتوني ضمن صنف التعليم الأصيل. وهو ما يعني عراقته الممتدة إلى قرون طويلة وهو ما يعني أيضا استناده في سياقنا الثقافي المخصوص إلى المرجعية الدينية بالأساس. ولقد كان هذا النوع من التعليم يستجيب لحاجات عمرانية واجتماعية وروحية خاصة بالفترة ما قبل الحديثة. ولكن مع ظهور الدول الحديثة والعلوم العصرية والقوى الاقتصادية والعسكرية في أوروبا واطلاع بعض النخب العلمية والحاكمة التونسية عليها استشعرت هذه النخب ضرورة تطوير التعليم في تونس، واستحدثوا لذلك مؤسسات ومناهج تعليمية جديدة تجمع بين الأصيل والحديث. كما في الصادقية والخلدونية والمدرسة الحربية بباردو …..غير أن غيرة بعض شيوخ الزيتونة على الجامع الأعظم دفعتهم إلى العمل على تطوير مناهج التعليم به، واصطدمت محاولاتهم بعراقيل عديدة، بعضها متأت من معارضة الشيوخ المتزمتين وبعضها الآخر متأت من عرقلة السلط الاستعمارية الفرنسية. في هذا المناخ من التجاذب والتردد كتب الشيخ الطاهر بن عاشور مؤلفه ” أليس الصبح بقريب؟” ووضع فيه برنامجا إصلاحيا شاملا للتعليم الزيتوني، بدأه بنوع من التأصيل التاريخي للتعليم الإسلامي ثم توقف عند تشخيص معضلاته العامة، ليقدم بعد ذلك تشخيصات أدق لها مرفوقة بمقترحات إصلاحية على درجة كبيرة من الدقة الإجرائية. وآخر ما انتهى إليه هذا الجهد مؤسسيا هو إقرار الشعبة العصرية في مطلع الخمسينات. ثم جاء إصلاح نوفمبر ليتم ما ابتدئ من توحيد التعليم، وسار بالتعليم الزيتوني مراحل قصيرة متعاقبة من الدمج في التعليم العام إلى أن تم غلق جامع الزيتونة بالكامل سنة 1964. القسم الأول من الورقة الراهنة سيتناول إذن مشروع الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحي التربوي.

واليوم، مع حدوث الثورة التونسية وتحرر إرادة الشعب والنخب من سلطة النخبة الحاكمة التغريبية، تعالت الأصوات منادية باستئناف التعليم الزيتوني. فجاءت ردود الأفعال على هذه الدعوة على أنواع ثلاثة: الترحيب والرفض والدعوة إلى التريث والتفكير الرصين في هذه المسألة. والقسم الثاني من الورقة الراهنة يتبنى هذا الموقف الأخير ويشرح أسبابه ويضع شروط الاستئناف الجدي والعميق للتعليم الزيتوني ضمن رؤية معرفية وحضارية وعمرانية متكاملة.

أوّلا: مشروع الطاهر بن عاشور لإصلاح التعليم الزيتوني:

I- السياق التاريخي والثقافي لتأليف كتاب “أليس الصبح بقريب؟”

منذ حوالي قرن من الزمان، شرع الشاب البالغ من العمر خمسا وعشرين سنة فقط، الشيخ الزيتوني والأستاذ الصادقي محمّد الطاهر بن عاشور، في تأليف واحد من أهم كتب الإصلاح التربوي العربي في العصر الحديث، بشّر فيه بانبلاج صبح جديد في عالم التربية والتعليم، وقد اعتبره بعض الدارسين البارزين في مجال الحضارة الإسلامية من أفضل ما دوّن لدينا في مجال الإصلاح التربوي، ولا زال يتمتع إلى اليوم بصفة المعاصرة لتفطنه المبكر، وفق المنهج الخلدوني الذي وقع تناسيه، لصلة التربية الوثيقة بالعمران البشري، وباللغة المعاصرة، لصلتها بالتنمية المرتكزة على الذكاء البشري.

         ولقد حاول الشيخ ابن عاشور في هذا المؤلَّف أن يشخص أدواء التعليم الديني التقليدي وأن يصف له وصفة مركبة من العلاج التحديثي التمديني، شملت السياسات التربوية والبرامج التعليمية والمواد المدرسية وتكوين المعلمين وأنماط التقييم وأساليب المناظرات، فجاء نقده تاريخيا-حضاريا ومعرفيا-ابستمولوجيا وسوسيولوجيا-علائقيا وتعلميا-تعليميا وسياسيا-أخلاقيا في آن واحد.

جاء في مقدمة الكتاب ما ينصّ صراحة على بدء تفكير الشيخ ابن عاشور في تأليف كتابه في إصلاح التعليم “العربي-الإسلامي”( التعليم التونسي الزيتوني نموذجا):

» قد كان حدا بي حادي الآمال وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الّذي أشعرتني مدّة مزاولته متعلما ومعلما بوافر الحاجة إلى الإصلاح الواسع النطاق فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه […] في ثلاثة أصياف  وعنونته ”أليس الصبح بقريب؟“» (ص. 5). وقد وجدنا إضافة في طبعة 2006، هي بمثابة العنوان الفرعي: التعليم العربي الإسلامي: دراسة تاريخية وآراء إصلاحية”.

         ولعلّ القادح إلى الكتابة في هذا الموضوع هو الزيارة التي أدّاها الشيخ محمد عبده إلى تونس في سنة 1320هـ، أي قبل عام واحد من بدء تفكير الشيخ الطاهر بن عاشور في هذا الأمر، والخطاب الذي ألقاه الشيخ الأزهري بهذه المناسبة في قاعة الخلدونية « وحضره مئات من أهل العلم فانحنى فيه على الحالة المتبعة عندنا وعندهم بما كان سببا لفتح ما بقي مغمضا من عيون الغافلين» (ص. 248).

وفي الواقع، ولد الطاهر بن عاشور في عصر كبار المصلحين ولحق برواد النهضة العربية من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، الذين أطلقوا دعوات إصلاحية تجديدية تردّد صداها المدوي في تونس وفي جامعها العريق، حتى إن رجال الزيتونة بدؤوا بإصلاح نظامهم التعليمي قبل الجامع الأزهر، مما أثار إعجاب الإمام محمد عبده الذي قال: «إن مسلمي الزيتونة سبقونا إلى إصلاح التعليم، حتى كان ما يجرون عليه في جامع الزيتونة خيرًا مما عليه أهل الأزهر».

II- أسباب السعي إلى الإصلاح

قبل التعرّض بالتفصيل إلى مواطن الخلل في النظام التعليمي النافذ على عهده، بسط الشيخ الطاهر بن عاشور الأسباب العامة التي دفعته إلى تصور مشروع جديد لإصلاح التعليم في العالم الإسلامي عامة وفي تونس خاصة، فطرح صراحة السؤال:»لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم؟»، وبادر إلى الإجابة عليه من مداخل أربعة:

  1. مدخل فقهي مقاصدي اجتماعي-عمراني: الحاجة إلى تنويع وتجديد العلوم بحسب ما تدعو إليه الحياة الاجتماعية التي هي في تطور مستمر، لقوله:» هاته منافع العلوم الحاجية[5] التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يقدر أن يحدد عددها أحد لكن لا شك أنّ تقدم الحضارة يوفر كثرتها». (ص. 7).
  1. مدخل ثقافي- نفسي: وحيث أن العلوم الحاجية (أي التي يحتاج إليها المجتمع بدرجة أولى لتوفير مقومات العيش الأساسية، كالعلوم التقنية والرياضية والطبية والاقتصادية)، لا تكفي لتحقيق «الكمال النفساني» للفرد، فقد احتيج إلى العلوم الأدبية (الآداب والفنون) لبلوغ تلك الغاية، وهذه عبارة الشيخ:»أما العلوم الأدبية وهي مالا يجتني منه المرء غير الكمال النفساني أو بعبارة أخرى غير الانكشافات، فأمرها وإن كان في الاعتبار ثانيا، فإن نفعها من جهة الانبساط والمسرة لا يقصر عن نفع تلك». (ص. 8). والمقصود في سياق الإصلاح هو إيلاء هذه العلوم “التحسينية”[6] ما تستحق من العناية والتجويد.
  1. مدخل أخلاقي وسياسي: لكون الغاية من مزاولة التعليم» […] هي إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها»( نفسُه)، ونوعية هؤلاء القادة متوقف في جانب كبير منه على نوعية التعليم الذي يتلقونه. أي كأن الشيخ يشير هنا من طرف خفيّ إلى نوع من الفساد قد لحق بالزعامات الدينية والسياسية وبالمسؤولين الإداريين للبلاد في ذلك الحين[7]. فيترك المواجهة المباشرة (عاجل الأمور) ويختار الاشتغال على ما ينفع الأجيال القادمة(آجل الأمور)، شأنه في ذلك شأن المثقفين والمفكرين الاستراتيجيين عامة.
  1. مدخل تاريخي-ثقافي: والغرض منه على ما يبدو دفع تهمة البدعة عن نفسه، وذلك في محيط فقهي وديني متصلّب ومعاد للتجديد وأهله، بالتذكير بسنة بعض الأولين من الراسخين في العلم في الإصلاح: »وقد كان أساطين العلماء يهتمون بتحسين أساليب التعليم فهذا القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي قد تكلم في كتاب الرحلة وفي كتاب العواصم على أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا. وكذلك ابن خلدون. وذكر ابن خلدون شيخه الشيخ محمد ابن إبراهيم الآبلي السليماني فوصفه بشيخ العلوم العقلية وأنه قرأ كتب التعليم وصدق فيه.» (ص. 9).

             ولأنّ الشيخ الطاهر بن عاشور واع تمام الوعي بالمناخ الراهن المعادي للتجديد والإصلاح، فقد قرأ حسابا لخصومه وعرض حجتهم في هذا الباب ليمهد بذلك للردّ عليها:» يقول بعض أهل النقد[أي المنتقدين للإصلاح] أن التعليم لا يدخل تحت البحث والقواعد لأنه متوقف أكثره على المعلم لا على القواعد الفنية فلا يمكن سن القوانين له لئلا يوضع المعلم في غير موضعه، ويوكل إليه ما لم يجعل له، ويحرم الفرض من استخدام مواهبه الشخصية.» (نفسُه). فكان من ردّه عليهم أن قال: »إني على يقين إنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيرا من مواهبي ولاكتسبت جما من المعرفة ولسلمت من التطوح في طرائق تبين لي بعد حين الارتداد عنها.»( نفسُه).

             والمراد بهذا القول أن المواهب الشخصية لا تكفي لتجويد التعليم، إذ أنّ التعويل عليها وحدها يؤول إلى مجرّد اتباع لمنهج التجربة والخطإ، وليس الاستفادة مما ثبتت جدواه من المعرفة العلمية التربوية.

III– أسبابُ تأخر التعليم والنظرُ في الإصلاح

 

1-الأسباب العامة في تأخر التعليم بالبلاد الإسلامية

أسباب تأخر التعليم ذاتها فقد فرّعها الشيخ ابن عاشور» نوعين: نوعا يرجع إلى الأسباب العامة التي قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم، ولكن ذلك بحث يشغل بياض مجلدات ومرجعه إلى أسباب التأخر العام في العالم الإسلامي.

 ونوعا يرجع إلى تغير نظام الحياة الاجتماعية في أنحاء العالم تغيرا استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية، وهذا التغيير قد استدعى تغير أساليب التعليم، ومقادير العلوم  المطلوبة، وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم، كل ذلك نشأ نشئا سريعا وسار سيرا فسيحا، والمسلمون وخاصة أهل العلوم الإسلامية في سبات عميق حال دونهم ودون إصلاح برامج تعاليمهم» (نفسُه).

2- خمسة عشر سببا لتأخر التعليم و مقترحات أوّلية في الإصلاح[8]

  *»السبب الأول: وهو الذي فسح للداء مجال السريان أن العلوم والتعليم لم يسمح لهما الزمان منذ  القدم بوضع مراقبة تميز  الصالح من غيره مع أن التعليم هو مرتقى الأمة والذي به رسم مستقبلها» (ص. 116).

*السّبب الثاني يبدأ بسطه من القول التالي:

»     ذهب العلم متقدما عند الأمم التي أصبحت مالكة أمر أنفسها وصار علماؤهم خبراء بقيمة أنفسهم وبما تستفيده الأمة منهم فارتفعت أصواتهم بدعوتهم حكوماتهم إلى التفكير في الاستعداد العلمي بما يوازي التفكير في الاستعداد السياسي. قال رئيس مجمع ترقية العلوم البريطاني سنة 1904 «يجب نزع الحوايل السياسية التي تقف في سبيل العلم ذلك السبب الحقيقي الذي يضعف رجال العلم ولا يجعل لهم صوتا تسمعه الأمة أو تبالي به الحكومة» (119).

         وكما هو بيّن فإن المعنى المقصود هو عدم استقلالية العلماء عن الخلفاء أو الساسة بوجه عام في ديار الإسلام، أو تبعية السلطان الروحي (الرمزي المعنوي) للسلطان السياسي، وهو عائق من أكبر العوائق أمام الإصلاح الجدّي للتعليم، أي لآليات إنتاج المعنى في الدولة.

*»السبب الثالث: إهمال الضبط فإنا إذا تتبعنا حال التعليم وجدناه اختياريا في سائر أحواله فالمتعلم يتعلم باختياره، والمدرس يدرس ما يروق لديه من الكتب، ويقر ما يختار من المسائل، والمؤلف يصطلح على ما يشاء في العلم، وبذلك كان التعليم في سائر عصوره اختياريا وغير مضبوط ولا متحد بطريقة واحدة.» (نفسُه).

         ولتدارك هذا الأمر، يقترح الشيخ أربعة مبادئ: » ومن المبادئ لضبط التعليم بصفة طردية أربعة أمور: جعله إلزاميا، وضبط أوقات المدرسين، وضبط محل التعليم، وتقسيم التلامذة على العلوم والدروس.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

* »السبب الرابع: عرو [خلوّ] التعليم عن[من] مادة الآداب وتهذيب الأخلاق وشرح العوائد النافعة وغيرها وهو السبب الذي قضى على المسلمين بالانحطاط في الأخلاق والعوائد» (ص. 124).

         ولكن ابن عاشور لا يكتفي بالدعوة إلى تدريس تلك المواد، بل يشترط على الأساتذة أن يكونوا قدوة لمنظوريهم في ذلك، ويشنّع على الذين لا تتعدّى الفضائل الأخلاقية ألسنتهم أو الذين لا تصل حتى إليها:»ومن العار الكبير أن نرى كثيرا ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تحاكًّهم[تحتكّ بهم] وتعاشرهم أو تجادلهم فترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق، وإذا كانت تلك حالة خاصة الناس فما ظنك بعامتهم، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

*« السبب الخامس: سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها. وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو ايصال العقول إلى درجة الابتكار، ومعنى الابتكار أن يصير الفكر متهيئا لأن يبتكر المسائل ويوسع المعلومات كما ابتكرها الذين من قبله، فيتقدم العلم وأساليبه، ولا يكون ذلك  إلا بإحداث قوة  حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقى إليه.» (نفسُه).

 ويقدّر ابن عاشور أن قمع الفكر الحرّ وإضعاف الحس النقدي قد بلغ أشدّه عندما استحكمت العقلية المذهبية الإقصائية في عهد الدولة العبيدية: » وأشد ما اشتد هذا الأمر بتونس على عهد الدولة العبيدية حين حجرت الفتيا على الفقهاء المالكيين والتصريح بما يخالف مشاربهم.» (ص. 126).

*»السبب السادس: الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم  الفكر وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد في المرتبة الابتدائية ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه، وذلك أن يطالب باستحضار المهم وأن يلقي عليه ما له أثر عملي، وأن  يكرَّر سؤالُه فيه، وأن يكلَّف بتحريرات يظهر فيها أثر معرفته، وفي المرتبة المتوسطة يصير التعليم راميا إلى تقوية التفكير والجمع والتحليل.

وفي المرتبة العالية يصير التعليم يرمي إلى الاستنتاج والنقد، وفي كل تلك المراتب لا تكون العناية إلا باللب من العلم لا بالألفاظ والقشور» (نفسُه).

         هذا الشاهد ثريّ جدّا بالمعاني النفس-تربوية والتعليمية-التعلمية المطابقة لكشوفات علم النفس النشوئي على يد رائده جان بياجيه ولما يعرف ببيداغوجيا الأهداف والكفايات.

*» السبب السابع: إهمال التمرين والعمل بالمعلومات كما هو الغاية من كل علم» (ص. 129).

والنتيجة هي الوقوف عند حدّ التكرار الببغائي للمعلومات.

*السبب الثامن غير منصوص عليه، حيث تمادى الشيخ في شرح السبب السابع[9] إلى أن وصل إلى:

*»السبب التاسع [وهو]عروه [أي خلوّ التعليم] من ملاحظة المصالح الصحية ففي الحديث أن لبدنك عليك حقا وقد قيل “العقل السليم في الجسد السليم” وقال الفيلسوف بونالد ” الإنسان عقل تخدمه الأعضاء“» (ص. 130). ولا يخفى ما تبطن هذه الملاحظة من تصور شامل لتربية الإنسان: إنسان الصبح الجديد.

*»السبب العاشر: عدم تقارب التلامذة الوافدين إلى التعليم بجامع الزيتونة في الحالة التعليمية التي يفدون وهم عليها، لأنهم يردون من جهات شتى مختلفة في حالة التعليم» (نفسُه). وهو ما يؤدي إلى التفاوت في النتائج التحصيلية للتلاميذ. » (ص. 131).

»والواجب لإصلاح هذا الخلل العظيم تنظيم تعليم ابتدائي قبل تعليم الجامع الأعظم» (نفسُه).

*»السبب الحادي عشر: دروس التطوع أعني بذلك ما يلقيه المتطوعون أي أصحاب شهادة التطويع، وما يتطوع به المدرسون الرسميون زيادة على الدرسين المطلوبين منهم.

أما الأولون فالفساد يعترض دروسهم من جانبين: أحدهما عدم انضباطهم في ملازمة التدريس وذلك لأن الطرق الملزمة لا تتحقق فيهم إذ ليست لهم جراية تجعل عليهم حق الحضور مع أنهم القائمون بأكثر دروس التعليم بالجامع» (نفسُه).

 …»ثانيهما أن حب تقليل المصاريف مع صورة تكثير للدروس مع عدم كلفة الأجر عليها أوجب التساهل في قبول المطوعين للتدريس بأكثر مما يحتاج التعليم والغض عن قاصرهم فزج بنفسه في ذلك بعض القاصرين فنشأت عنهم طبقات قاصرة من التلامذة» (ص. 132).

*»السبب الثاني عشر، التزام عدد مخصوص من المذهبين المالكي والحنفي كما اقتضى ترتيب أحمد باشا حين تأسس ثلاثون مدرسا نصفهم مالكية ونصفهم حنفية ناظرا فيه نظرا قاصرا أو مغالطا ناشئا عن التسوية في تعظيم المذهبين، يحسبون أن أيمة المذاهب يهشون لإرضاء محسوبيهم حتى يظن أن الزيادة في عدد أحد الفريقين على الآخر يغضب إمامه.» (ص. 133).

ويدرأ الشيخ عن نفسه تهمة التعصب المذهبي قائلا:  »وليس  الباعث لي على الطعن  في هاته التسوية حمية في ترجيح أقرب الفريقين إلينا كما يتوهمه صغار العقول فالله يعلم أنني بريء من ذلك» (نفسُه).

*السبب الثالث عشر: تفكير التلامذة منذ الابتداء للاستعجال لتحصيل الشهادة من غير تفكير في الأهم من ذلك وهو الكمال العلمي، وهذا بسبب ما تحشى به عقولهم من أحاديث القاصرين من أوليائهم وقرنائهم المرغبة في الوظائف الدولية، وبسبب عرو تعليمهم عن التنويه بقيمة الكمال الذاتي، وتشوّف النفوس [تطلّعها] إلى نيل مرغوبها وبلوغ غاية قصدها يجعلها تتهافت لقطع ما يعترضها من  المسافات، وبذلك يصير تعليمهم سطحيا ويقل العلماء المشاهير وينقلب أذكياء نجباء بعد دخولهم إلى التعليم بهمة تبلغ الثريا، إلى متواكلين ومُقصرين حتى  تستحيل[تصبح] فطنتهم غباوة.

*»السبب الرابع عشر: ضعف الملكات اللسانية أي القصور في اللغة» (ص. 135).

   ومن المعلوم حتى اليوم أن القصور اللغوي (عربية وفرنسية) هو أحد أكبر أسباب الفشل المدرسي ببلادنا، لما له من علاقة بفهم وإنتاج مختلف المعلومات في الحقول العلمية والأدبية.

 *»السبب الخامس عشر: عرو التعليم عما يفيد التلامذة اطلاعا على أحوال الأمم الماضية والتاريخ الإسلامي، وتراجم رجاله، وتاريخ الأمم المعاصرة، وتاريخ الحضارة» (نفسُه).

وإذا ما أردنا تطبيق مفهوم المثلث التعليمي-التعلمي على هذا العمل، وذلك كأداة تحليل لمدى اشتماله على أهم عناصر الوضعية التربوية، فإنّنا سنجده مستغرقا لجميعها بشكل أو بآخر. ونُذكّر في هذا السياق بمكوّنات ذلك المثلّث. إنها تتمثل في ثلاثة أقطاب، هي على التوالي: المعرفة والمعلم والمتعلم.

  • قطب المعرفة: تعرّض المؤلّف لموضوع المعرفة في التعليم في مستويين:
    1. في مستوى المعرفة المدرسية المتضمنة في التآليف المعتمدة للتدريس وقد أبرز فيها أنواعا شتى من الخلل، أهمها اثنان، أولهما ذو طبيعة ابستمولوجية، وهو المتعلق بنوعية المعرفة المنتجة، فذكر أنها معرفة تفتقد في عديد الحالات إلى الضمانات الموضوعية لأي معرفة علمية، حيث تستند أحيانا إلى مجرّد تهيآت أو أحلام يقظة، أو هي مجرّد رؤى وأحلام في النوم، وهذا أمر خطير للغاية وينطوي على هشاشة ابستمولوجية وعرفانية[10] فاضحة. أما ثاني أنواع الخلل في التآليف (الوثائق والبرامج المدرسية) فيقع في مستوى المحتويات، التي ظلت مفتقرة إلى التنويع المجدد والمنفتح على علوم كاللغة والمنطق والرياضيات والتاريخ والأديان المقارنة وعلوم الطبيعة وعلم الأخلاق…الخ.
    2. في مستوى العلوم الأم التي تستقى منها التآليف وقد أحصى المؤلّف منها عشرة علوم، وقيّمها خاصة من النواحي المنهجية (العلوم النظرية كعلم الكلام) والوظيفية (كالفقه وأصوله). من الناحية الأولى تم الكشف عن مقدار المبالغات والتجاوزات الراجعة إلى التعصب للمذهب وغياب الموضوعية والعقلانية. أمّا من الناحية الثانية فكشف عن تقصير في الاهتمام بالجوانب النافعة في العلوم العملية (كالفقه) لحياة المسلم اليومية لحساب نظرة أخروية ساذجة.

 

  • قطب المعلّم: وقد اهتمّ به المؤلّف كثيرا وبطرق متنوعة ومن نواحي عديدة.

       فعيّن مراتب المدرسين في العلم بحسب تمكّنهم منه فهما وتطبيقا وتمييزا ونقدا وإبداعا، فجاؤوا على خمس مراتب أوّلُهم النّحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهم مصيب، وآخرهم كثير الأخطاء الباحث دائما لستر العيب عن غطاء. وقد أرجع الخلل الحاصل في المراتب الدنيا للمدرسين إلى سوء التقييم وسوء نظام المناظرات، لاعتمادهما خاصة على التكرار الفاقد لروح الفهم والتطويع.

      كما عالج قضية تكوين المدرسين ومسألة الموهبة والفن في التعليم، فأكّد أكثر من مرة على جدوى التكوين حتى للمدرس الموهوب، إذ هو يكسبه المزيد من الفعالية والكثير من الوقت الضائع. وهذا العنصر يندرج في الواقع ضمن تقليد علم التعليم وبالأساس في التقليد البحثي الخاص بتكوين المعلمين. وعلى صعيد آخر ربط المؤلف مستوى المدرسين بالمناهج المقررة وأن إصلاح المعلمين يتم في جزء منه عبر إصلاح التآليف (البرامج والوثائق المدرسية). وغير بعيد عن هذا الموضوع، حلّل كيفية تعامل المدرسين مع مصادر المعرفة العلمية والمدرسية، وهو ما يعرف الآن بعملية النقل التعليمي الداخلي transposition didactique interne، وكشف عن قلة درايتهم وكفايتهم في هذا المجال.

      وأخيرا تصدّى المؤلف لموضوع أخلاقيات التعليم و غياب المعلم القدوة وفَضَحَ الكثير من مظاهر سوء الأخلاق لدى غالبية المدرسين، كالبطر والعُجب والقسوة وسلاطة اللسان والحسد والبغض، ودعا إلى تصحيح هذه الأوضاع المسيئة لسمعة المربين. وهذا العنصر الأخير لا يتبع منهجيا مكونات المثلث الديداكتيكي[11]، لأن التحليلات التي يسمح بها هذا المثلث تكون دائما من زاوية المعرفة (العلمية أو المدرسية)، إذ أن الديداكتيك بصفة عامة علم تربوي ذو براديغم ابستمولوجي (ابستمولوجيا العلوم/ الابستمولوجيا المدرسية/ الابستمولوجيا النشوئية[12]).

 

  • قطب المتعلّم

        لقد حضي قطب المتعلم في كتاب “الصبح القريب” بعدّة أفكار هامة لا زالت تحتفظ بكامل أهميتها إلى اليوم. وهذه أبرزها:

  • الدافعية الخارجية والدافعية الداخلية، وضرورة العمل على تقوية النوع الثاني من الدافعية، لأنه الضامن للتحكم الجيد في المهمات التعلمية والتملك الراسخ للمعارف والمفاهيم العلمية والكفايات والمهارات التعلمية (ص. 134).
  • المكتسبات الأولية للتلاميذ: ضرورة تقاربها بتنظيم تعليم ابتدائي واحد قبل المرحلة المتوسطة، فالعالية (الدراسة بالجامع الأعظم).
  • التدرج في التعليم (النشوئية)، وذلك بمساعدة المتعلمين على اكتساب كفايات تعلمية متنامية.
  • كفايات المتعلمين بحسب نسق تصاعدي: الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والنقد[13] (ص. 127).
  • تدريب العقول على الابتكار:ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات، كما ابتكرها الذين من قبلهم (ص. 125). وهذا بالفعل ما نحتاجه في زمن المجتمعات المعرفية والثورة المعلوماتية، حيث تتحول الفكرة من رأسمال رمزي إلى رأسمال مادي بسرعة فائقة.

 

      هذه إذن أهم الأفكار التربوية الإصلاحية التي جاءت في كتاب “أليس الصبح بقريب؟”، وقد عكسناها هي الأخرى في مرايا الفكر التربوي المعاصر، فظهرت لنا على قدر عال من الحداثة سمحت بها ثقافة الشيخ ابن عاشور الواسعة والمنفتحة على تراث الإنسانية ومنجزاتها القديمة والجديدة على حد سواء، كما أنها جاءت تجسيدا لأرقى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في مجال العقل العملي: المنهج العمراني الخلدوني والمنهج الفقهي المقاصدي. أي الجمع بين قوانين الترقي الحضاري وغاياته البعيدة الموجّهة لخططه الراهنة معا.

مناقشة وامتدادات

      بطبيعة الحال، يصطبغ عمل الشيخ ابن عاشور الإصلاحي التربوي بمسحة بيداغوجية كلاسيكية من بعض النواحي، خاصة من حيث تركيزه في التحليل في عديد الأحيان على عنصر المعرفة، التي يجعلها المدخل الرئيسي لتقويم حال التعليم، كأن يعزو مثلا ضعف أداء المدرسين وسوء ممارساتهم التعليمية إلى عامل التآليف، ويرى في إصلاحها شرطا ضروريا لإصلاحهم. كما أنه يلحّ كثيرا على العامل الأخلاقي في التعليم، من دون صوغه بعبارات “العلاقة التربوية”[14]، التي تعبر عن مفهوم نفس-اجتماعي معاصر. والعامل المشترك في العنصرين المشار إليهما هو عدم الانطلاق من قطب المتعلم وعدم جعله مركز العملية التربوية.  فالتآليف إنما توضع بحسب محاور تتطابق مع مراكز اهتمام المتعلم وبحسب تدرج يراعي قدراته الذهنية في كل مرحلة من مراحله النشوئية- هو أمر لا ننكر حدس الشيخ ابن عاشور إياه- ومعاملة التلاميذ الحسنة لا تكون فقط بمجرد واعز أخلاقي وإنما انطلاقا من الوعي العلمي بضرورة مثل تلك المعاملة لكل الاعتبارات النفسية والذهنية والعلائقية التي تتدخل في كيفية ودرجة تملك المتعلمين للمعارف واستبطانهم للقيم المقترحة عليهم. هذه النقيصة الهامة لا نلوم الشيخ ابن عاشور عليها، لأنها وليدة المدرسة البنائية (بفرعيها الكلاسيكي والاجتماعي) التي جاءت لاحقا، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين إلى ذكرها حتى لا نقع في (ولا نتهم بـ) المبالغة في التنويه بمقاربة الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحية في مجال التربية.

      ولا ننسى في نفس الوقت وجود عناصر ذات علاقة بفعل التلميذ الذاتي في فكر ابن عاشور التربوي، كالتمرين و«ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات» والتحليل والتركيب والنقد. ومن المعلوم أن الشيخ كان معاصرا لانطلاقة أعمال البيداغوجيا النشيطة في أوروبا وفي أمريكا، لكننا لسنا متيقنين من اطلاعه عليها، خاصة وأنه لم يحِل عليها أبدا. فشيوع المعلومة خارج محيطها الأصلي يتطلب زمنا يمنح أصحابها تقدما على غيرهم ممن لا يمتلكونها.

         وهذا أمر مفهوم وشائع لدينا في العالم العربي عموما وفي المغرب الإسلامي خصوصا، حتى في هذا الزمن الذي يشهد انفجارا معلوماتيا واتصاليا لا مثيل له في تاريخ البشرية. فنحن لا زلنا في علوم التربية وفي العلوم العرفانية  Les sciences cognitives، خاصة تلك التي تنتج في العالم الأنغلو- سكسوني، نشكو من تخلف في مواكبة المعلومة في مستوييها العلمي- النظري والإجرائي- التطبيقي يقاس بالعقود. وبشكل أكثر دقة، لا ننفتح على تلك المعارف والتجارب إلا بالكيفية والمقدار الذي يسطر لبلدان العالم النامي في دوائر الرأسمال العالمي والهياكل التابعة له. فيما الأجدر بنا أن نبحث بكيفية حرة ومستقلة تماما عما يمكّن بلداننا من الرقي والتقدم. لماذا نصرّ مثلا على اتباع نماذج بيداغوجية منتجة من قبل منظومات تربوية ليست في طليعة الترتيب العالمي، خلافا لفنلندا والنرويج مثلا! حقا إن تجريب نماذج تربوية في النجاح والامتياز المدرسي كالتي تطبق في مجموعة البلدان الأخيرة أمر مكلف من الناحية المادية[15].  ولكن الهدر الذي تتعرض له منظوماتنا التربوية هو الآخر أمر مكلف جدا. ثم لا ننسى أن ما ننفقه بوجه حق في التربية والتعليم بيد نستردّ أضعافه باليد الأخرى، خاصة في هذا الزمن الذي تقلصت فيه الهوة بين الذكاء والخيرات المادية إلى أبعد الحدود، بتوسط الوقائع المصممة مجازيا في شبكات العالم الرقمي[16].

ثانيا: قضية استئناف التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر

 

تمهيد:

انطلاقا من متابعتنا لملف عودة التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر يمكننا القول بوجود ثلاث اتجاهات بخصوص مسألة هذه العودة:

  1. الترحيب الكامل: وقد عبر عنه وزاراء الشؤون الدينية والتعليم العالي والتربية وبعض الأحزاب مثل حركة النهضة وبعض المجموعات السلفية وعدد من المواطنين[17].
  2. الرفض التام، ويبدو أنه اتجاه أغلب أساتذة العلوم الإنسانية بالجامعة التونسية (لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية مثالا) والرئيس السابق لجامعة الزيتونة وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية ومن الأساتذة والمعلمين.
  3. القبول المشروط بعدة ضوابط هيكلية ومعرفية ووظيفية وعمرانية.

وهذه الورقة تنحاز إلى هذا الاتجاه الأخير، وسنحاول بلورته بشكل أوضح وعلى قدر من التفصيل من خلال تمش يمر بنا من استعراض الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني إلى بيان الصعوبات التي ينظر في إمكانية تذليلها والشروط التي يتوجب توفرها ليكون لمثل هذا الاستئناف معنى إيجابي حقيقي، لا مجرد احتفاء فولكلوري بقيمة رمزية ثقافية تستعاد بعد طول غياب. وهو ما أجملناه في عنصر خاص بالتحديات التي تواجه أي إجراء جدي في اتجاه “عودة” هذا النوع من التعليم الأصيل في تونس.

1- رهانات استئناف التعليم الزيتوني:

من أبرز الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني:

  • تأصيل التعليم: بجعله في ارتباط مباشر بأصول الحضارة الإسلامية التي هي الثقافة الإسلامية الدائرة حول الوحي بشقيه قرآنا كريما وسنة نبوية مطهرة ثابتة والمتضمنة لمختلف اجتهادات العلماء المسلمين وإبداعاتهم في الكلام والفقه واللغة وغيرها من المجالات المعرفية الأصيلة.
  • تصحيح خطإ تاريخي قام به بورقيبة والنخبة التي كانت مرافقة له في عملية تسطير الاختيارات التربوية الكبرى للبلاد فجر الاستقلال. ويتمثل هذا الخطأ في إيقاف العمل بمنظومة التعليم الزيتوني. تم ذلك تطبيقا لأمر 1 مارس 1961، الذي أصبحت بموجبه كلية الشريعة وأصول الدين الوريثة الرسمية لجامعة الزيتونة (أمر 31 مارس 1960) ولجامع الزيتونة كمؤسسة تعليمية طوال قرون مديدة[18]. وكون هذا الإجراء يُعدّ خطأ تاريخيا حسب وجهة نظرنا، فلأنه تم في وقت بلغت فيه جهود الإصلاح التربوي في الزيتونة أوجها، خاصة مع بعث الشعبة العصرية على يد الشيخ الطاهر بن عاشور. هذه الشعبة التي استحدثت فيها مواد جديدة لم تكن تدرس من قبل في الزيتونة مثل الرياضيات الحديثة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية (الفرنسية والانجليزية) وكل هذه المواد ذكرها الشيخ الطاهر بن عاشور وأوصى بتضمينها في التعليم الزيتوني قبل إلغائه بنصف قرن كامل. وقد أثمر هذا الإصلاح بعض النتائج الملموسة الطيبة، مثل قدرة عدد من خريجي الشعبة الزيتونية العصرية على النجاح في الباكالوريا فرنسية والاضطلاع ببعض الوظائف التي تحتاجها الدولة فجر الاستقلال.
  • القطع مع القطع التاريخي الذي مارسته النخبة الحداثية مع الإسلام و« تثبيت دعائم الهوية العربية الإسلامية في بلادنا ونشر قيم الخير والصلاح في العالم أجمع » (بيان وزارة الشؤون الدينية، المغرب، 3 جوان، 2012).
  • إثبات الغيرة على الإسلام في مواجهة التيارات الإسلامية المتشددة وسحب البساط من تحتها، ومحاصرة ظاهرة السلفية والوهابية والرد العلمي عليها استنادا إلى أقوال الفقه المالكي واستئناف التقليدي الزيتوني في كبح جماح الدعوة الوهابية.

2- التحديات

نستخدم هنا مصطلح التحديات بمعنى الصعوبات التي يجب تذليلها لبلوغ الهدف المنشود:

أ- محدودية النظرة للتأصيل لدى جانب من المتحمسين لهذا المشروع: فالتأصيل لا يعني العودة إلى الوراء، والأسلاف لم يكونوا سلفيين بل كانوا مجددين ومبدعين. قد يقال إن استئناف التعليم الزيتوني سيكون من اللحظة التي تركها فيه الشيخ الطاهر بن عاشور. ولكن أين وعي الشيوخ الحاليين من وعي الشيخ الطاهر بن عاشور وأين تكوينهم العلمي والبيداغوجي من تكوينه؟

ب- قلة عدد الشيوخ الزيتونيين الباقين على قيد الحياة من بين الشيوخ الأعلى درجة علمية (العالمية). وعدم قدرة الأساتذة بجامعة الزيتونة من المقتنعين باستئناف التعليم الزيتوني الأصيل على تغطية كل احتياجاته.

ج- عدم استعداد بعض الشركاء المنتظرين من قبل أصحاب المشروع للتعاون معه:

ففي الوقت الذي رحبت وزارة الشؤون الدينية بما اعتبرته في بيانها “إنجازا تاريخيا كبيرا وكسبا ثوريا عظيما”، أصدرت وزارة الصحة أصدرت بلاغا أكدت فيه رفضها التام إرساء نظام لتدريس الطب في جامع الزيتونة وذلك في معارضة واضحة وحاسمة لما أعلنه الشيخ حسين العبيدي إمام جامع الزيتونة. كما وضّحت ووزارة التعليم العالي نفسها أن موافقتها ليست مطلقة بل مقيدة بجملة من الشروط المنهاجية وغيرها. والموقف الأكثر حسما ربما هو الذي اتخذته لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية التي انتقدت أصحاب المشروع والحكومة بعدم القيام باستشارة وطنية واسعة حول هذه المسألة وعدم الحصول على إجماع وطني بخصوصها. ومما جاء في بيانها بهذا الخصوص أنها: “تعتبر أن هذا القرار أحادي الجانب ويمثل بادرة غير قانونية وغير ديمقراطية، وتستهدف خرق المبادئ التي تأسس عليها التعليم الجمهوري الوطني الذي سعى منذ نصف قرن  إلى توحيد صفوف التونسيين…”.

  • الأمثلة التي وقع الاستشهاد بها (جامع الأزهر وجامع القرويين) ليست أمثلة على تفوق وريادة حقيقية للتعليم الأصيل في عصرنا الحالي. فهل أن مستوى تدريس الطب في الأزهر مثلا يضاهي مستواه في النظام التونسي الحديث مثلا، هذا إذا لم نقارنه بمستويات تعليمه في الدول الأكثر تقدما في العالم. وحينئذ ما الفائدة من تدريسه في هذه المؤسسة التربوية العريقة؟ التكوين الديني الذي يوفره الأزهر لدارسي الطب فيه يمكن أن يوفره لكل راغب فيه من طلاب الكليات الحديثة.

ﻫ- ما موقع هذا الإجراء من عملية إصلاح النظام التربوي الجارية الآن؟ هل علينا مضاعفة الجهد والقيام بإصلاحين: تأصيل التعليم الحديث وتحديث التعليم الأصيل؟ أم إدراج مشروع عودة التعليم الزيتوني ضمن رؤية إصلاحية تربوية شاملة؟ ! فالمعلوم أننا نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، هي لحظة الاستحقاقات الثورية التي تجيز لنا إصلاح التعليم بما يتلاءم مع مقتضيات الإخلاص للهوية العربية الإسلامية ومقتضيات النمط الحديث في التربية والتنمية والسياسة والمجتمع في الآن نفسه. فلماذا نشتت الجهود ولا نشحذ ونجمّع الطاقات لإبداع نظام تربوي حداثي أصيل يكون التعليم الزيتوني ملمحا من ملامحه، وليس مظهرا شاذا عن اختيارات البلاد التربوية والتعليمية العامة.

و- البرامج: كيف ستكون ومن سيعدّها وإلى أي نظام معرفي ستستند؟

على سبيل المثال، في تونس العصر الحديث استأنف الشيخ الطاهر بن عاشور النظر في مبحث “المقاصد الشرعية”. أي قراءة الشريعة قراءة مقاصدية انطلاقا من اللحظة المعرفية التي وصل إليها أبو إسحاق الشاطبي المالكي في كتابه الموافقات (790ھ) الذي اكتشف في الوحي منطقا قصديا[19]. وقد عمل ابن عاشور على أن يفصل مبحث المقاصد عن علم أصول الفقه  ليصبح علما قائما بذاته في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” وأخرجه من المنطق المذهبي الضيق ليجعل منه علما كليا اجتهاديا مفتوحا، وأدخل عليها بعض التطويرات، من ذلك مثلا التوسعة في مجال المقاصد لتتجاوز حفظ  الدين والنفس والعقل والمال والنسل، إلى مقصد الحرية والديمقراطية، وقد فعل ذلك في كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” وبذلك يكون قد سبق كل الحركات الإسلامية إلى هذا المقصد. ومع ذلك فإن اللحظة المعرفية الفريدة التي لم تلتقط حسب رأينا إلى الآن، هي اللحظة التي بنى فيها ابن خلدون المقاصد الشرعية على قوانين وطبائع العمران البشري، فاتحا الباب بامتياز أمام رفع الحواجز المصطنعة بين الشرعيات والإنسانيات، وبين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة بشقيها المادي والإنساني. فأين الوعي العلمي والمعرفي (الابستمولوجي) لمشائخ الزيتونة  اليوم من اللحظة المعرفية العمرانية الخلدونية والمقاصدية العاشورية؟ !

ولذا قبل الإسراع السياسوي والإيديولوجي نحو فتح فروع الزيتونة في كامل البلاد، كما هو جار الآن، يجب القيام بمراجعات ابستمولوجية عميقة للعلوم الإسلامية، من علم كلام أو توحيد، وعلم أصول فقه، ومقاصد وتفسير وتأويل…الخ. وهو الأمر الذي انتبه إليه إخواننا في المغرب الأقصى عندما نظموا منذ سنتين ندوة أزمة العلوم الإسلامية بطنجة سنة 2010، وتساءلوا عندها “هل هي أزمة منهج أم أزمة تنزيل” واتجهت أغلب الآراء والتحاليل إلى كونها أزمة منهج بل وأزمة معرفية ابستمولوجية هيكلية عميقة، كما بينت شخصيا ذلك في ورقتي حول علم الكلام (علم أصول الدين) في تلك الندوة، وكما سبق للشيخ الطاهر بن عاشور أن بينه بخصوص علم أصول الفقه. وإذا ما تناولنا علم التفسير التقليدي، فأين هو من مناهج التفسير والتأويل وقراءة النصوص التي ظهرت في العصر الحديث من هرمونيطيقا وسيميوطيقا وبراغماتيكا وفيلولوجيا وألسنية عامة وألسنية نفسية وأنطروبولوجيا ثقافية وعلوم عرفانية…الخ؟ !

ولذا إذا ما أردنا تجاوز مجرد المظاهر الفولكلورية في مشروع استئناف التعليم الزيتوني علينا القيام بمراجعات معرفية ومنهجية عميقة للعلوم والمعارف الإسلامية النظرية منها والعملية، على غرار ما قام به رجال اللاهوت المسيحي واليهودي الذين تفوقوا كثيرا في المستوى العلمي على الأئمة والمشائخ المسلمين في وقتنا الحاضر للأسف، لا نستثني من ذلك إلا قلة قليلة منهم. بطبيعة الحال لسنا هنا في سياق الدعوة إلى تقليد اليهود والمسيحيين في نظرياتهم ومناهجهم فهذا ما لا يجوز معرفيا ومنهجيا للاختلافات الجوهرية بين عقيدة التوحيد الإسلامي والتثليث المسيحي أو التوحيد القومي اليهودي (يهوه إله واحد لكل اليهود وليس للعالمين) مع أن القرآن الكريم لم يستبعد وجود كلمة سواء بيننا وبينهم، ولكن أنى لهم الاستجابة لها، إلا من رحم ربك…

ز– لدينا الآن زيتونتان: جامع الزيتونة وفروعه الجديدة وجامعة الزيتونة: فأيهما يمثل الزيتونة والتعليم الزيتوني حقا؟ ! وكيف ستكون العلاقة بينهما وكيف سيستفيد مشروع عودة التعليم الزيتوني من الطاقات البشرية العلمية والتعليمية الموجودة في جامعة الزيتونة المقاطعة لهذا المشروع؟ ! كل هذا يجب التفكير فيه ومعالجته بالحكمة اللازمة.

خاتمة

في الأخير لا ننكر الفضائل المعروفة للتعليم الزيتوني رغم رزحه لقرون من الزمن تحت وطأة التقليد والتكرار، مثل حفظ القرآن ومثل التكوين اللغوي الممتاز والتكوين الفقهي التعبدي الأساسي، وهو ما لا تنقطع الحاجة إليه إلى اليوم، خاصة في ضوء التراجع المخيف لمستوى التحصيل اللغوي في العربية لخريجي النظام التربوي الحالي والجهل بكثير من ضرورات القواعد الفقهية التعبدية لدى جمهور المصلين، ولكن المسألة مع ذلك في نظرنا هي أكبر من هذا بكثير. إنها قضية حضارية عمرانية على درجة عالية من الأهمية والخطورة. إن مؤسسة الزيتونة لم تكن مؤسسة معزولة عن نمط عمراني ومعيشي وثقافي حاف بها ومخترق لها. لقد كانت الزيتونة ملبية لجملة من الحاجات والوظائف العمرانية التي كان المجتمع يطلبها منها، مثل الإمامة والتعليم والقضاء، ولكننا نتساءل اليوم عن نوعية الحاجات والوظائف العمرانية التي يمكن للزيتونة أن تلبيها في هذا العصر الفائق التعقيد، من النواحي القانونية والإدارية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والطبية والاقتصادية وغيرها… ولذا فإن الأمر إذا تعلق بإصلاح التعليم الديني، فهذا أمر مشروع بل ومطلوب وملح في ظل تنامي نزعات الجهل والتطرف والإقصاء والعنف، وهذا يتطلب إعداد العدة له. ولكن إذا ما تعدى الأمر ذلك إلى مشروع أكبر وأشمل وهو مشروع تأصيل التعليم، فهذا يقع في مستوى آخر أعلى يتطلب طاقات وأفكار وإعداد أكبر وأشمل. فهل تهتدي النخبة التونسية وسلطة الإشراف والمجتمع المدني إلى أنسب الطرق لحل هذا الإشكال؟ هذا ما علينا التجنّد له جميعا ضمن مشروع تربوي وطني حداثي أصيل.

 

المصادر والمراجع:

 

– ابن خلدون، المقدمة، مكتبة ودار المدينة المنورة للنشر والتوزيع- الدار التونسية للنشر، 1984.

– ……….، شفاء السائل لتهذيب المسائل، طبعة أبو يعرب المرزوقي، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.

– ابن عاشور، محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب؟، طبع ونشر المصرف التونسي للطباعة، تونس، 1967.

– …………، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع تونس، 1978

-……………………، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد، دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997.

 – حنفي، حسن ، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

– الكعاك، عثمان، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958.

– الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1990.

– العياشي، المختار ، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012.

– …………… ، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

 

المراجع بالفرنسية:

– Astolfi, J-P. et De Velay, M., La didactique des sciences, Paris, PUF, 1989.

– Chevallard, Y. La transposition didactique, du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble: LA Pensée Sauvage, 1982.

– Depover, Ch. & Noël, B. (Éds). L’évaluation des compétences et des processus cognitifs. Paris-Bruxelles: De Boeck Université, 1999.

-Giordan, A. et De Vicchi, A. Les origines du savoir. Delachaux et Niestlé, 1987.

– Jonnaert, Ph. Conflits de savoir et didactique. De Bœck Université, 1988.

– Piaget, J. La construction du réel chez l’enfant.  Suisse: Delachaux et Niestlé, Neuchatel, , 1950 .

– ………… Psychologie et pédagogie. Denoel, PUF, 1968.

– Postic, M. La relation éducative, Paris: PUF, 1979.

-Vygotsky, Pensée et langage, Trad. du Russe Editions sociales Payot, 1973.

[1] المختار العياشي، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012، ص. 193.

[2] عثمان الكعاك، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958، ص. 104.

[3] العياشي، مصدر سبق ذكره، ص. 199.

[4] ذكره العياشي في المصدر الذي سبق ذكره، ص. 210.

[5] يشتمل مبحث المقاصد على ثلاثة أنواع منها: – المقاصد الضرورية (حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال) والمقاصد الحاجية (وبها تتحقق الضروريات الخمس السالفة) والمقاصد التحسينية.

[6] نستعمل هنا عبارة من سجل علم المقاصد الشرعية، مسايرة لروح الفكر الإصلاحي لدى الشيخ ابن عاشور.

[7] توجد في الكتاب عديد الإشارات إلى وضعية الفساد هذه، كاعتراض بعض المشايخ على هجر التعليم التقليدي بمجرد إيماءات بالإصبع(«كان جواب الشيخ محمد بيرم عن كل مطلب يعرض وعن كل تفريع يعرض أن يرفع سبابته مشيرا بالنفي ولا يتكلم»: ص144).

 وقد ختمها بتقديم مشروع ومطالب الطلبة الزيتونيين للإصلاح (زهاء أربعمائة طالب بقيادة إبراهيم بن شعبان (ص. 257).

[8] غالبا ما يعقب عرض سبب التخلف أو نوعه جملة من الاقتراحات الإصلاحية يقدّمها الشيخ ابن عاشور.

[9] يجوز أن يكون شرحه للسبب السابع قد تضمن فكرة إضافية اعتبرها سببا ثامنا لتأخر التعليم، وهي إلقاء المدرسين لدروس لا يفهمون مرادها على وجه اليقين.

[10] نستعمل العرفان هنا لا بالمعنى الصوفي وإنما تعبيرا عن المفهوم الانجليزي Cognition

[11] في الواقع نحن الذين اخترنا التموقع في هذا الإطار وليس الشيخ الطاهر بن عاشور، الذي كان يشتغل في الحقل العام للبيداغوجيا، مع قيامه ببعض التحليلات في مستوى البيداغوجيات الخاصة (بيداغوجيات المواد)، ومن بين أسباب ذلك،أن تعلمية المواد لم تظهر إلاّ بعد ستين سنة ونيف من ظهور كتاب “الصبح القريب”.

[12] بالنسبة للجيل الأول من الديداكتيك، التي أصبحت في ما بعد، مع أصطلفي مثلا، تبحث عن مزيد من الاستقلالية عن بقية العلوم الإنسانية كعلم النفس المعرفي وعلم النفس النشوئي.

[13] يعتقد ابن عاشور أن المراقي العليا تترك للمرحلتين المتوسطة والنهائية، ولكن هذا الرأي تم تجاوزه الآن في توجيهات التعليم العصرية، لأنه بالإمكان تدريب التلاميذ على العمل في مختلف هذه المستويات العرفانية بما يلائم مراحلهم النشوئية ومراكز اهتماماتهم، بما في ذلك متعلمو رياض الأطفال، الذين يكون لديهم التحليل والتركيب عملا حسيا حركيا بالدرجة الأولى. والفكر يبنى بهذه الكيفية لأن الفكر في أساسه فعل في المادة وفي ذاته نفسها لاحقا(الميتاعرفان). فكما يقول جان بياجيه: “Penser c’est agir”

[14] انظر كتاب مارسيل بوستيك الذي يحمل هذا العنوان نفسه.

[15] تنفق فنلندا التي احتلت صدارة الترتيب العالمي للمرة الثالثة على التوالي (سنة 2008)، أموالا طائلة على التربية والتعليم(6% من الناتج القومي الخام، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن النسبة المخصصة في الميزانية التي هي أرفع من هذا بكثير)، وتطبق تعليما إفراديا في الحالات المستعصية وتؤمن وجبة الغداء لجميع التلاميذ مجانا مهما كان منحدرهم الاجتماعي والعرقي..الخ.

[16] وهو ما يعرف باقتصاديات المعرفة.

[17] تم مؤخرا (في أواخر شهر جانفي 2015، أي بعد حسم الانتخابات الرئاسية) سحب الوثيقة “البروتوكولية” لاستئناف التعليم الزيتوني وإيقاف العمل بها من قبل الوزارات الثلاث: الشؤون الدينية والتربية والتعليم العالي .

[18]  انظر مختار العياشي، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

[19] -حسن حنفي، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

قد كانت المناهج التعليمية التي تدرس في العهد الحفصي متفوقة بكثير على مناهج التعليم التي أدركها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور زمن الاستعمار الفرنسي لتونس. فقد كان الآبلي على سبيل المثال يدرس العلوم العقلية بالجامع الأعظم، من رياضيات وفلك وعلوم طبيعية وغيرها، إلى جانب القلصادي صاحب دروس الحساب أو الصقلي صاحب المعارف الطبية. وكل هذه العلوم انتفت بعد دخول الإسبان إلى تونس (1534- 1574م) وما مارسوه من نهب وحرق طال الجامع الأعظم، إلى جانب تأثر الحياة العلمية فيه بالسجال السياسي الذي أعقب ذلك الاحتلال الإسباني للبلاد[2].

وقد تتالت محاولات إصلاح التعليم الزيتوني بعد أكثر من قرنين من تلك الأوضاع ويعتبر الطور الحسيني الأول (مدة القرن 18 تقريبا وبداية القرن 19) العصر الذهبي لجامع الزيتونة[3].

ولذا يمكن القول بأن قضية إصلاح التعليم الزيتوني قضية تمتد الآن إلى أكثر من قرن ونصف من الزمان، أي منذ صدور مشروع “معلقة باب الشفاء” الذي أمر به أحمد باي (1806-1855) في 27 رمضان 1258ھ (الموافق لـ 1 ديسمبر 1842) والقاضي بمزيد مراقبة الدروس وتنظيمها ومراقبة الشيوخ.

وقد توصلت وحدة البحث بمتحف التربية بتونس إلى أنه “بعد ثلث قرن من العمل بالتراتيب الواردة بـ”معلقة باب الشفاء” أدخل الوزير المصلح خير الدين باشا بعض التعديلات على نظام التعليم بالجامع الأعظم تضمنها منشور 28 ذي القعدة 1292ھ/ 26 ديسمبر 1875 والمتمثلة بالخصوص في تحديد مراحل التعليم بالزيتونة والمواد المدرسة والهيئات المشرفة عليه[4].

ولكن هذا الإصلاح لم يضع حدا على ما يبدو لمتاعب التعليم الزيتوني خاصة في المستوى المنهاجي والبيداغوجي، وهو ما يفسر تأليف الشيخ محمد الطاهر بن عاشور لمؤلّفه ذائع الصيت ” أليس الصبح بقريب؟” الذي بدأ كتابته سنة 1321ھ/1903م واشتغل عليه لمدة ثلاثة أصياف كما صرح بذلك، ولكن لم يطلع عليه جمهور الدارسين إلا بعد ذلك بمدة طويلة.

واليوم تعود قضية التعليم الزيتوني إلى دائرة الاهتمام بكل قوة، ولكن في سياق ثقافي ومعرفي وسياسي جديد، يتسم بانتشار التعليم العصري والعلوم والجامعات الحديثة مع مناخ سياسي ظهر بعد الثورة التونسية يشجع على إعادة طرح كل القضايا التي لم تشارك النخب الثقافية والعلمية في مناقشتها سابقا بمثل الحرية والجرأة اللتين تمكنت منهما الآن.

فما الذي يدفع مرة من بعد مرة إلى طرح هذه القضية على بساط النقاش وما الذي يدفع بالبعض إلى المناداة باستئناف التعليم الزيتوني والبعض الآخر بالتروي في ذلك أو معالجته في إطار المؤسسة الجامعية العصرية؟

يمكن وضع التعليم الزيتوني ضمن صنف التعليم الأصيل. وهو ما يعني عراقته الممتدة إلى قرون طويلة وهو ما يعني أيضا استناده في سياقنا الثقافي المخصوص إلى المرجعية الدينية بالأساس. ولقد كان هذا النوع من التعليم يستجيب لحاجات عمرانية واجتماعية وروحية خاصة بالفترة ما قبل الحديثة. ولكن مع ظهور الدول الحديثة والعلوم العصرية والقوى الاقتصادية والعسكرية في أوروبا واطلاع بعض النخب العلمية والحاكمة التونسية عليها استشعرت هذه النخب ضرورة تطوير التعليم في تونس، واستحدثوا لذلك مؤسسات ومناهج تعليمية جديدة تجمع بين الأصيل والحديث. كما في الصادقية والخلدونية والمدرسة الحربية بباردو …..غير أن غيرة بعض شيوخ الزيتونة على الجامع الأعظم دفعتهم إلى العمل على تطوير مناهج التعليم به، واصطدمت محاولاتهم بعراقيل عديدة، بعضها متأت من معارضة الشيوخ المتزمتين وبعضها الآخر متأت من عرقلة السلط الاستعمارية الفرنسية. في هذا المناخ من التجاذب والتردد كتب الشيخ الطاهر بن عاشور مؤلفه ” أليس الصبح بقريب؟” ووضع فيه برنامجا إصلاحيا شاملا للتعليم الزيتوني، بدأه بنوع من التأصيل التاريخي للتعليم الإسلامي ثم توقف عند تشخيص معضلاته العامة، ليقدم بعد ذلك تشخيصات أدق لها مرفوقة بمقترحات إصلاحية على درجة كبيرة من الدقة الإجرائية. وآخر ما انتهى إليه هذا الجهد مؤسسيا هو إقرار الشعبة العصرية في مطلع الخمسينات. ثم جاء إصلاح نوفمبر ليتم ما ابتدئ من توحيد التعليم، وسار بالتعليم الزيتوني مراحل قصيرة متعاقبة من الدمج في التعليم العام إلى أن تم غلق جامع الزيتونة بالكامل سنة 1964. القسم الأول من الورقة الراهنة سيتناول إذن مشروع الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحي التربوي.

واليوم، مع حدوث الثورة التونسية وتحرر إرادة الشعب والنخب من سلطة النخبة الحاكمة التغريبية، تعالت الأصوات منادية باستئناف التعليم الزيتوني. فجاءت ردود الأفعال على هذه الدعوة على أنواع ثلاثة: الترحيب والرفض والدعوة إلى التريث والتفكير الرصين في هذه المسألة. والقسم الثاني من الورقة الراهنة يتبنى هذا الموقف الأخير ويشرح أسبابه ويضع شروط الاستئناف الجدي والعميق للتعليم الزيتوني ضمن رؤية معرفية وحضارية وعمرانية متكاملة.

أوّلا: مشروع الطاهر بن عاشور لإصلاح التعليم الزيتوني:

I- السياق التاريخي والثقافي لتأليف كتاب “أليس الصبح بقريب؟”

منذ حوالي قرن من الزمان، شرع الشاب البالغ من العمر خمسا وعشرين سنة فقط، الشيخ الزيتوني والأستاذ الصادقي محمّد الطاهر بن عاشور، في تأليف واحد من أهم كتب الإصلاح التربوي العربي في العصر الحديث، بشّر فيه بانبلاج صبح جديد في عالم التربية والتعليم، وقد اعتبره بعض الدارسين البارزين في مجال الحضارة الإسلامية من أفضل ما دوّن لدينا في مجال الإصلاح التربوي، ولا زال يتمتع إلى اليوم بصفة المعاصرة لتفطنه المبكر، وفق المنهج الخلدوني الذي وقع تناسيه، لصلة التربية الوثيقة بالعمران البشري، وباللغة المعاصرة، لصلتها بالتنمية المرتكزة على الذكاء البشري.

         ولقد حاول الشيخ ابن عاشور في هذا المؤلَّف أن يشخص أدواء التعليم الديني التقليدي وأن يصف له وصفة مركبة من العلاج التحديثي التمديني، شملت السياسات التربوية والبرامج التعليمية والمواد المدرسية وتكوين المعلمين وأنماط التقييم وأساليب المناظرات، فجاء نقده تاريخيا-حضاريا ومعرفيا-ابستمولوجيا وسوسيولوجيا-علائقيا وتعلميا-تعليميا وسياسيا-أخلاقيا في آن واحد.

جاء في مقدمة الكتاب ما ينصّ صراحة على بدء تفكير الشيخ ابن عاشور في تأليف كتابه في إصلاح التعليم “العربي-الإسلامي”( التعليم التونسي الزيتوني نموذجا):

» قد كان حدا بي حادي الآمال وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي الإسلامي الّذي أشعرتني مدّة مزاولته متعلما ومعلما بوافر الحاجة إلى الإصلاح الواسع النطاق فعقدت عزمي على تحرير كتاب في الدعوة إلى ذلك وبيان أسبابه […] في ثلاثة أصياف  وعنونته ”أليس الصبح بقريب؟“» (ص. 5). وقد وجدنا إضافة في طبعة 2006، هي بمثابة العنوان الفرعي: التعليم العربي الإسلامي: دراسة تاريخية وآراء إصلاحية”.

         ولعلّ القادح إلى الكتابة في هذا الموضوع هو الزيارة التي أدّاها الشيخ محمد عبده إلى تونس في سنة 1320هـ، أي قبل عام واحد من بدء تفكير الشيخ الطاهر بن عاشور في هذا الأمر، والخطاب الذي ألقاه الشيخ الأزهري بهذه المناسبة في قاعة الخلدونية « وحضره مئات من أهل العلم فانحنى فيه على الحالة المتبعة عندنا وعندهم بما كان سببا لفتح ما بقي مغمضا من عيون الغافلين» (ص. 248).

وفي الواقع، ولد الطاهر بن عاشور في عصر كبار المصلحين ولحق برواد النهضة العربية من أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، الذين أطلقوا دعوات إصلاحية تجديدية تردّد صداها المدوي في تونس وفي جامعها العريق، حتى إن رجال الزيتونة بدؤوا بإصلاح نظامهم التعليمي قبل الجامع الأزهر، مما أثار إعجاب الإمام محمد عبده الذي قال: «إن مسلمي الزيتونة سبقونا إلى إصلاح التعليم، حتى كان ما يجرون عليه في جامع الزيتونة خيرًا مما عليه أهل الأزهر».

II- أسباب السعي إلى الإصلاح

قبل التعرّض بالتفصيل إلى مواطن الخلل في النظام التعليمي النافذ على عهده، بسط الشيخ الطاهر بن عاشور الأسباب العامة التي دفعته إلى تصور مشروع جديد لإصلاح التعليم في العالم الإسلامي عامة وفي تونس خاصة، فطرح صراحة السؤال:»لماذا نسعى إلى إصلاح التعليم؟»، وبادر إلى الإجابة عليه من مداخل أربعة:

  1. مدخل فقهي مقاصدي اجتماعي-عمراني: الحاجة إلى تنويع وتجديد العلوم بحسب ما تدعو إليه الحياة الاجتماعية التي هي في تطور مستمر، لقوله:» هاته منافع العلوم الحاجية[5] التي تدعو إلى معرفتها حاجة الحياة الاجتماعية وهي تختلف أعدادها باختلاف الحاجات الداعية ولا يقدر أن يحدد عددها أحد لكن لا شك أنّ تقدم الحضارة يوفر كثرتها». (ص. 7).
  1. مدخل ثقافي- نفسي: وحيث أن العلوم الحاجية (أي التي يحتاج إليها المجتمع بدرجة أولى لتوفير مقومات العيش الأساسية، كالعلوم التقنية والرياضية والطبية والاقتصادية)، لا تكفي لتحقيق «الكمال النفساني» للفرد، فقد احتيج إلى العلوم الأدبية (الآداب والفنون) لبلوغ تلك الغاية، وهذه عبارة الشيخ:»أما العلوم الأدبية وهي مالا يجتني منه المرء غير الكمال النفساني أو بعبارة أخرى غير الانكشافات، فأمرها وإن كان في الاعتبار ثانيا، فإن نفعها من جهة الانبساط والمسرة لا يقصر عن نفع تلك». (ص. 8). والمقصود في سياق الإصلاح هو إيلاء هذه العلوم “التحسينية”[6] ما تستحق من العناية والتجويد.
  1. مدخل أخلاقي وسياسي: لكون الغاية من مزاولة التعليم» […] هي إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها»( نفسُه)، ونوعية هؤلاء القادة متوقف في جانب كبير منه على نوعية التعليم الذي يتلقونه. أي كأن الشيخ يشير هنا من طرف خفيّ إلى نوع من الفساد قد لحق بالزعامات الدينية والسياسية وبالمسؤولين الإداريين للبلاد في ذلك الحين[7]. فيترك المواجهة المباشرة (عاجل الأمور) ويختار الاشتغال على ما ينفع الأجيال القادمة(آجل الأمور)، شأنه في ذلك شأن المثقفين والمفكرين الاستراتيجيين عامة.
  1. مدخل تاريخي-ثقافي: والغرض منه على ما يبدو دفع تهمة البدعة عن نفسه، وذلك في محيط فقهي وديني متصلّب ومعاد للتجديد وأهله، بالتذكير بسنة بعض الأولين من الراسخين في العلم في الإصلاح: »وقد كان أساطين العلماء يهتمون بتحسين أساليب التعليم فهذا القاضي أبو بكر ابن العربي الأندلسي قد تكلم في كتاب الرحلة وفي كتاب العواصم على أسلوب التعليم عندهم وانتقد واستحسن وبين طريقا صالحا. وكذلك ابن خلدون. وذكر ابن خلدون شيخه الشيخ محمد ابن إبراهيم الآبلي السليماني فوصفه بشيخ العلوم العقلية وأنه قرأ كتب التعليم وصدق فيه.» (ص. 9).

             ولأنّ الشيخ الطاهر بن عاشور واع تمام الوعي بالمناخ الراهن المعادي للتجديد والإصلاح، فقد قرأ حسابا لخصومه وعرض حجتهم في هذا الباب ليمهد بذلك للردّ عليها:» يقول بعض أهل النقد[أي المنتقدين للإصلاح] أن التعليم لا يدخل تحت البحث والقواعد لأنه متوقف أكثره على المعلم لا على القواعد الفنية فلا يمكن سن القوانين له لئلا يوضع المعلم في غير موضعه، ويوكل إليه ما لم يجعل له، ويحرم الفرض من استخدام مواهبه الشخصية.» (نفسُه). فكان من ردّه عليهم أن قال: »إني على يقين إنني لو أتيح لي في فجر الشباب التشبع من قواعد نظام التعليم والتوجيه لاقتصدت كثيرا من مواهبي ولاكتسبت جما من المعرفة ولسلمت من التطوح في طرائق تبين لي بعد حين الارتداد عنها.»( نفسُه).

             والمراد بهذا القول أن المواهب الشخصية لا تكفي لتجويد التعليم، إذ أنّ التعويل عليها وحدها يؤول إلى مجرّد اتباع لمنهج التجربة والخطإ، وليس الاستفادة مما ثبتت جدواه من المعرفة العلمية التربوية.

III– أسبابُ تأخر التعليم والنظرُ في الإصلاح

 

1-الأسباب العامة في تأخر التعليم بالبلاد الإسلامية

أسباب تأخر التعليم ذاتها فقد فرّعها الشيخ ابن عاشور» نوعين: نوعا يرجع إلى الأسباب العامة التي قضت بتأخر المسلمين على اختلاف أقاليمهم وعوائدهم ولغاتهم، ولكن ذلك بحث يشغل بياض مجلدات ومرجعه إلى أسباب التأخر العام في العالم الإسلامي.

 ونوعا يرجع إلى تغير نظام الحياة الاجتماعية في أنحاء العالم تغيرا استدعى تبدل الأفكار والأغراض والقيم العقلية، وهذا التغيير قد استدعى تغير أساليب التعليم، ومقادير العلوم  المطلوبة، وقيمة كفاءة المتعلمين لحاجات زمانهم، كل ذلك نشأ نشئا سريعا وسار سيرا فسيحا، والمسلمون وخاصة أهل العلوم الإسلامية في سبات عميق حال دونهم ودون إصلاح برامج تعاليمهم» (نفسُه).

2- خمسة عشر سببا لتأخر التعليم و مقترحات أوّلية في الإصلاح[8]

  *»السبب الأول: وهو الذي فسح للداء مجال السريان أن العلوم والتعليم لم يسمح لهما الزمان منذ  القدم بوضع مراقبة تميز  الصالح من غيره مع أن التعليم هو مرتقى الأمة والذي به رسم مستقبلها» (ص. 116).

*السّبب الثاني يبدأ بسطه من القول التالي:

»     ذهب العلم متقدما عند الأمم التي أصبحت مالكة أمر أنفسها وصار علماؤهم خبراء بقيمة أنفسهم وبما تستفيده الأمة منهم فارتفعت أصواتهم بدعوتهم حكوماتهم إلى التفكير في الاستعداد العلمي بما يوازي التفكير في الاستعداد السياسي. قال رئيس مجمع ترقية العلوم البريطاني سنة 1904 «يجب نزع الحوايل السياسية التي تقف في سبيل العلم ذلك السبب الحقيقي الذي يضعف رجال العلم ولا يجعل لهم صوتا تسمعه الأمة أو تبالي به الحكومة» (119).

         وكما هو بيّن فإن المعنى المقصود هو عدم استقلالية العلماء عن الخلفاء أو الساسة بوجه عام في ديار الإسلام، أو تبعية السلطان الروحي (الرمزي المعنوي) للسلطان السياسي، وهو عائق من أكبر العوائق أمام الإصلاح الجدّي للتعليم، أي لآليات إنتاج المعنى في الدولة.

*»السبب الثالث: إهمال الضبط فإنا إذا تتبعنا حال التعليم وجدناه اختياريا في سائر أحواله فالمتعلم يتعلم باختياره، والمدرس يدرس ما يروق لديه من الكتب، ويقر ما يختار من المسائل، والمؤلف يصطلح على ما يشاء في العلم، وبذلك كان التعليم في سائر عصوره اختياريا وغير مضبوط ولا متحد بطريقة واحدة.» (نفسُه).

         ولتدارك هذا الأمر، يقترح الشيخ أربعة مبادئ: » ومن المبادئ لضبط التعليم بصفة طردية أربعة أمور: جعله إلزاميا، وضبط أوقات المدرسين، وضبط محل التعليم، وتقسيم التلامذة على العلوم والدروس.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

* »السبب الرابع: عرو [خلوّ] التعليم عن[من] مادة الآداب وتهذيب الأخلاق وشرح العوائد النافعة وغيرها وهو السبب الذي قضى على المسلمين بالانحطاط في الأخلاق والعوائد» (ص. 124).

         ولكن ابن عاشور لا يكتفي بالدعوة إلى تدريس تلك المواد، بل يشترط على الأساتذة أن يكونوا قدوة لمنظوريهم في ذلك، ويشنّع على الذين لا تتعدّى الفضائل الأخلاقية ألسنتهم أو الذين لا تصل حتى إليها:»ومن العار الكبير أن نرى كثيرا ممن ينتصب لتعليم النشأة تعجبك أجسامهم، وتبهجك بزتهم، وتعظم صورهم، ولكن ما بينك وبين أن ترمقهم بضد ذلك إلا أن تحاكًّهم[تحتكّ بهم] وتعاشرهم أو تجادلهم فترى تلك الهياكل العظيمة فارغة من الفضيلة ومكارم الأخلاق والمروءة، وبذلك رزئت الأمة أنفع عنصر في حياة الأمم وكمالها وهو الأخلاق، وإذا كانت تلك حالة خاصة الناس فما ظنك بعامتهم، وإذا ذهب وقت التعليم عن الطلبة ولم يتلقوا فيه فضائل الأخلاق فمن العسير أو المتعذر تلقينها لهم من بعد.» (نفسُه).

         ومن طريف الأفكار في هذا السياق هو السبق إلى طرح مشروع تعليم الكبار الذي لم نصل إليه إلاّ منذ سنوات فقط في تونس الاستقلال، فيقول عن هؤلاء:» أما الذين فاتهم سن التعليم فمن الواجب أن يجعل لهم المدرسون درسين أحدهما عشية الجمعة في الدين والأدب والتربية، وثانيهما بين عشاءي كل ليلة لتعليم الخط والقراءة وما يحتاجونه من القرآن والمحفوظات القولية، وهذه لا يجبر الناس عليها ولكن يرغّبون فيها وتجعل لمن نال شهادتها مزية على غيره في ذلك البلد.» (ص.121).

*« السبب الخامس: سلب العلوم والتعليم حرية النقد الصحيح في المرتبة العالية وما يقرب منها. وهذا خلل بالمقصد من التعليم وهو ايصال العقول إلى درجة الابتكار، ومعنى الابتكار أن يصير الفكر متهيئا لأن يبتكر المسائل ويوسع المعلومات كما ابتكرها الذين من قبله، فيتقدم العلم وأساليبه، ولا يكون ذلك  إلا بإحداث قوة  حاكمة في الفكر تميز الصحيح من العليل مما يلقى إليه.» (نفسُه).

 ويقدّر ابن عاشور أن قمع الفكر الحرّ وإضعاف الحس النقدي قد بلغ أشدّه عندما استحكمت العقلية المذهبية الإقصائية في عهد الدولة العبيدية: » وأشد ما اشتد هذا الأمر بتونس على عهد الدولة العبيدية حين حجرت الفتيا على الفقهاء المالكيين والتصريح بما يخالف مشاربهم.» (ص. 126).

*»السبب السادس: الغفلة عن إعطاء كل مرتبة من مراتب التعليم ما تحتاجه من الأسلوب اللائق بها والنافع فيها مما له أثر في تقويم  الفكر وذلك بالاعتناء بما يجعل ذهن التلميذ مراعيا لما تجب مراعاته من القواعد في المرتبة الابتدائية ليتمكن وهو ناشئ في التعليم من العمل بما علمه، وذلك أن يطالب باستحضار المهم وأن يلقي عليه ما له أثر عملي، وأن  يكرَّر سؤالُه فيه، وأن يكلَّف بتحريرات يظهر فيها أثر معرفته، وفي المرتبة المتوسطة يصير التعليم راميا إلى تقوية التفكير والجمع والتحليل.

وفي المرتبة العالية يصير التعليم يرمي إلى الاستنتاج والنقد، وفي كل تلك المراتب لا تكون العناية إلا باللب من العلم لا بالألفاظ والقشور» (نفسُه).

         هذا الشاهد ثريّ جدّا بالمعاني النفس-تربوية والتعليمية-التعلمية المطابقة لكشوفات علم النفس النشوئي على يد رائده جان بياجيه ولما يعرف ببيداغوجيا الأهداف والكفايات.

*» السبب السابع: إهمال التمرين والعمل بالمعلومات كما هو الغاية من كل علم» (ص. 129).

والنتيجة هي الوقوف عند حدّ التكرار الببغائي للمعلومات.

*السبب الثامن غير منصوص عليه، حيث تمادى الشيخ في شرح السبب السابع[9] إلى أن وصل إلى:

*»السبب التاسع [وهو]عروه [أي خلوّ التعليم] من ملاحظة المصالح الصحية ففي الحديث أن لبدنك عليك حقا وقد قيل “العقل السليم في الجسد السليم” وقال الفيلسوف بونالد ” الإنسان عقل تخدمه الأعضاء“» (ص. 130). ولا يخفى ما تبطن هذه الملاحظة من تصور شامل لتربية الإنسان: إنسان الصبح الجديد.

*»السبب العاشر: عدم تقارب التلامذة الوافدين إلى التعليم بجامع الزيتونة في الحالة التعليمية التي يفدون وهم عليها، لأنهم يردون من جهات شتى مختلفة في حالة التعليم» (نفسُه). وهو ما يؤدي إلى التفاوت في النتائج التحصيلية للتلاميذ. » (ص. 131).

»والواجب لإصلاح هذا الخلل العظيم تنظيم تعليم ابتدائي قبل تعليم الجامع الأعظم» (نفسُه).

*»السبب الحادي عشر: دروس التطوع أعني بذلك ما يلقيه المتطوعون أي أصحاب شهادة التطويع، وما يتطوع به المدرسون الرسميون زيادة على الدرسين المطلوبين منهم.

أما الأولون فالفساد يعترض دروسهم من جانبين: أحدهما عدم انضباطهم في ملازمة التدريس وذلك لأن الطرق الملزمة لا تتحقق فيهم إذ ليست لهم جراية تجعل عليهم حق الحضور مع أنهم القائمون بأكثر دروس التعليم بالجامع» (نفسُه).

 …»ثانيهما أن حب تقليل المصاريف مع صورة تكثير للدروس مع عدم كلفة الأجر عليها أوجب التساهل في قبول المطوعين للتدريس بأكثر مما يحتاج التعليم والغض عن قاصرهم فزج بنفسه في ذلك بعض القاصرين فنشأت عنهم طبقات قاصرة من التلامذة» (ص. 132).

*»السبب الثاني عشر، التزام عدد مخصوص من المذهبين المالكي والحنفي كما اقتضى ترتيب أحمد باشا حين تأسس ثلاثون مدرسا نصفهم مالكية ونصفهم حنفية ناظرا فيه نظرا قاصرا أو مغالطا ناشئا عن التسوية في تعظيم المذهبين، يحسبون أن أيمة المذاهب يهشون لإرضاء محسوبيهم حتى يظن أن الزيادة في عدد أحد الفريقين على الآخر يغضب إمامه.» (ص. 133).

ويدرأ الشيخ عن نفسه تهمة التعصب المذهبي قائلا:  »وليس  الباعث لي على الطعن  في هاته التسوية حمية في ترجيح أقرب الفريقين إلينا كما يتوهمه صغار العقول فالله يعلم أنني بريء من ذلك» (نفسُه).

*السبب الثالث عشر: تفكير التلامذة منذ الابتداء للاستعجال لتحصيل الشهادة من غير تفكير في الأهم من ذلك وهو الكمال العلمي، وهذا بسبب ما تحشى به عقولهم من أحاديث القاصرين من أوليائهم وقرنائهم المرغبة في الوظائف الدولية، وبسبب عرو تعليمهم عن التنويه بقيمة الكمال الذاتي، وتشوّف النفوس [تطلّعها] إلى نيل مرغوبها وبلوغ غاية قصدها يجعلها تتهافت لقطع ما يعترضها من  المسافات، وبذلك يصير تعليمهم سطحيا ويقل العلماء المشاهير وينقلب أذكياء نجباء بعد دخولهم إلى التعليم بهمة تبلغ الثريا، إلى متواكلين ومُقصرين حتى  تستحيل[تصبح] فطنتهم غباوة.

*»السبب الرابع عشر: ضعف الملكات اللسانية أي القصور في اللغة» (ص. 135).

   ومن المعلوم حتى اليوم أن القصور اللغوي (عربية وفرنسية) هو أحد أكبر أسباب الفشل المدرسي ببلادنا، لما له من علاقة بفهم وإنتاج مختلف المعلومات في الحقول العلمية والأدبية.

 *»السبب الخامس عشر: عرو التعليم عما يفيد التلامذة اطلاعا على أحوال الأمم الماضية والتاريخ الإسلامي، وتراجم رجاله، وتاريخ الأمم المعاصرة، وتاريخ الحضارة» (نفسُه).

وإذا ما أردنا تطبيق مفهوم المثلث التعليمي-التعلمي على هذا العمل، وذلك كأداة تحليل لمدى اشتماله على أهم عناصر الوضعية التربوية، فإنّنا سنجده مستغرقا لجميعها بشكل أو بآخر. ونُذكّر في هذا السياق بمكوّنات ذلك المثلّث. إنها تتمثل في ثلاثة أقطاب، هي على التوالي: المعرفة والمعلم والمتعلم.

  • قطب المعرفة: تعرّض المؤلّف لموضوع المعرفة في التعليم في مستويين:
    1. في مستوى المعرفة المدرسية المتضمنة في التآليف المعتمدة للتدريس وقد أبرز فيها أنواعا شتى من الخلل، أهمها اثنان، أولهما ذو طبيعة ابستمولوجية، وهو المتعلق بنوعية المعرفة المنتجة، فذكر أنها معرفة تفتقد في عديد الحالات إلى الضمانات الموضوعية لأي معرفة علمية، حيث تستند أحيانا إلى مجرّد تهيآت أو أحلام يقظة، أو هي مجرّد رؤى وأحلام في النوم، وهذا أمر خطير للغاية وينطوي على هشاشة ابستمولوجية وعرفانية[10] فاضحة. أما ثاني أنواع الخلل في التآليف (الوثائق والبرامج المدرسية) فيقع في مستوى المحتويات، التي ظلت مفتقرة إلى التنويع المجدد والمنفتح على علوم كاللغة والمنطق والرياضيات والتاريخ والأديان المقارنة وعلوم الطبيعة وعلم الأخلاق…الخ.
    2. في مستوى العلوم الأم التي تستقى منها التآليف وقد أحصى المؤلّف منها عشرة علوم، وقيّمها خاصة من النواحي المنهجية (العلوم النظرية كعلم الكلام) والوظيفية (كالفقه وأصوله). من الناحية الأولى تم الكشف عن مقدار المبالغات والتجاوزات الراجعة إلى التعصب للمذهب وغياب الموضوعية والعقلانية. أمّا من الناحية الثانية فكشف عن تقصير في الاهتمام بالجوانب النافعة في العلوم العملية (كالفقه) لحياة المسلم اليومية لحساب نظرة أخروية ساذجة.

 

  • قطب المعلّم: وقد اهتمّ به المؤلّف كثيرا وبطرق متنوعة ومن نواحي عديدة.

       فعيّن مراتب المدرسين في العلم بحسب تمكّنهم منه فهما وتطبيقا وتمييزا ونقدا وإبداعا، فجاؤوا على خمس مراتب أوّلُهم النّحرير الذي يميز الصحيح من الفاسد بنقد وفهم مصيب، وآخرهم كثير الأخطاء الباحث دائما لستر العيب عن غطاء. وقد أرجع الخلل الحاصل في المراتب الدنيا للمدرسين إلى سوء التقييم وسوء نظام المناظرات، لاعتمادهما خاصة على التكرار الفاقد لروح الفهم والتطويع.

      كما عالج قضية تكوين المدرسين ومسألة الموهبة والفن في التعليم، فأكّد أكثر من مرة على جدوى التكوين حتى للمدرس الموهوب، إذ هو يكسبه المزيد من الفعالية والكثير من الوقت الضائع. وهذا العنصر يندرج في الواقع ضمن تقليد علم التعليم وبالأساس في التقليد البحثي الخاص بتكوين المعلمين. وعلى صعيد آخر ربط المؤلف مستوى المدرسين بالمناهج المقررة وأن إصلاح المعلمين يتم في جزء منه عبر إصلاح التآليف (البرامج والوثائق المدرسية). وغير بعيد عن هذا الموضوع، حلّل كيفية تعامل المدرسين مع مصادر المعرفة العلمية والمدرسية، وهو ما يعرف الآن بعملية النقل التعليمي الداخلي transposition didactique interne، وكشف عن قلة درايتهم وكفايتهم في هذا المجال.

      وأخيرا تصدّى المؤلف لموضوع أخلاقيات التعليم و غياب المعلم القدوة وفَضَحَ الكثير من مظاهر سوء الأخلاق لدى غالبية المدرسين، كالبطر والعُجب والقسوة وسلاطة اللسان والحسد والبغض، ودعا إلى تصحيح هذه الأوضاع المسيئة لسمعة المربين. وهذا العنصر الأخير لا يتبع منهجيا مكونات المثلث الديداكتيكي[11]، لأن التحليلات التي يسمح بها هذا المثلث تكون دائما من زاوية المعرفة (العلمية أو المدرسية)، إذ أن الديداكتيك بصفة عامة علم تربوي ذو براديغم ابستمولوجي (ابستمولوجيا العلوم/ الابستمولوجيا المدرسية/ الابستمولوجيا النشوئية[12]).

 

  • قطب المتعلّم

        لقد حضي قطب المتعلم في كتاب “الصبح القريب” بعدّة أفكار هامة لا زالت تحتفظ بكامل أهميتها إلى اليوم. وهذه أبرزها:

  • الدافعية الخارجية والدافعية الداخلية، وضرورة العمل على تقوية النوع الثاني من الدافعية، لأنه الضامن للتحكم الجيد في المهمات التعلمية والتملك الراسخ للمعارف والمفاهيم العلمية والكفايات والمهارات التعلمية (ص. 134).
  • المكتسبات الأولية للتلاميذ: ضرورة تقاربها بتنظيم تعليم ابتدائي واحد قبل المرحلة المتوسطة، فالعالية (الدراسة بالجامع الأعظم).
  • التدرج في التعليم (النشوئية)، وذلك بمساعدة المتعلمين على اكتساب كفايات تعلمية متنامية.
  • كفايات المتعلمين بحسب نسق تصاعدي: الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والنقد[13] (ص. 127).
  • تدريب العقول على الابتكار:ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات، كما ابتكرها الذين من قبلهم (ص. 125). وهذا بالفعل ما نحتاجه في زمن المجتمعات المعرفية والثورة المعلوماتية، حيث تتحول الفكرة من رأسمال رمزي إلى رأسمال مادي بسرعة فائقة.

 

      هذه إذن أهم الأفكار التربوية الإصلاحية التي جاءت في كتاب “أليس الصبح بقريب؟”، وقد عكسناها هي الأخرى في مرايا الفكر التربوي المعاصر، فظهرت لنا على قدر عال من الحداثة سمحت بها ثقافة الشيخ ابن عاشور الواسعة والمنفتحة على تراث الإنسانية ومنجزاتها القديمة والجديدة على حد سواء، كما أنها جاءت تجسيدا لأرقى ما أنتجته الحضارة العربية الإسلامية في مجال العقل العملي: المنهج العمراني الخلدوني والمنهج الفقهي المقاصدي. أي الجمع بين قوانين الترقي الحضاري وغاياته البعيدة الموجّهة لخططه الراهنة معا.

مناقشة وامتدادات

      بطبيعة الحال، يصطبغ عمل الشيخ ابن عاشور الإصلاحي التربوي بمسحة بيداغوجية كلاسيكية من بعض النواحي، خاصة من حيث تركيزه في التحليل في عديد الأحيان على عنصر المعرفة، التي يجعلها المدخل الرئيسي لتقويم حال التعليم، كأن يعزو مثلا ضعف أداء المدرسين وسوء ممارساتهم التعليمية إلى عامل التآليف، ويرى في إصلاحها شرطا ضروريا لإصلاحهم. كما أنه يلحّ كثيرا على العامل الأخلاقي في التعليم، من دون صوغه بعبارات “العلاقة التربوية”[14]، التي تعبر عن مفهوم نفس-اجتماعي معاصر. والعامل المشترك في العنصرين المشار إليهما هو عدم الانطلاق من قطب المتعلم وعدم جعله مركز العملية التربوية.  فالتآليف إنما توضع بحسب محاور تتطابق مع مراكز اهتمام المتعلم وبحسب تدرج يراعي قدراته الذهنية في كل مرحلة من مراحله النشوئية- هو أمر لا ننكر حدس الشيخ ابن عاشور إياه- ومعاملة التلاميذ الحسنة لا تكون فقط بمجرد واعز أخلاقي وإنما انطلاقا من الوعي العلمي بضرورة مثل تلك المعاملة لكل الاعتبارات النفسية والذهنية والعلائقية التي تتدخل في كيفية ودرجة تملك المتعلمين للمعارف واستبطانهم للقيم المقترحة عليهم. هذه النقيصة الهامة لا نلوم الشيخ ابن عاشور عليها، لأنها وليدة المدرسة البنائية (بفرعيها الكلاسيكي والاجتماعي) التي جاءت لاحقا، ولكننا نجد أنفسنا مضطرين إلى ذكرها حتى لا نقع في (ولا نتهم بـ) المبالغة في التنويه بمقاربة الشيخ الطاهر بن عاشور الإصلاحية في مجال التربية.

      ولا ننسى في نفس الوقت وجود عناصر ذات علاقة بفعل التلميذ الذاتي في فكر ابن عاشور التربوي، كالتمرين و«ابتكار المسائل وتوسعة المعلومات» والتحليل والتركيب والنقد. ومن المعلوم أن الشيخ كان معاصرا لانطلاقة أعمال البيداغوجيا النشيطة في أوروبا وفي أمريكا، لكننا لسنا متيقنين من اطلاعه عليها، خاصة وأنه لم يحِل عليها أبدا. فشيوع المعلومة خارج محيطها الأصلي يتطلب زمنا يمنح أصحابها تقدما على غيرهم ممن لا يمتلكونها.

         وهذا أمر مفهوم وشائع لدينا في العالم العربي عموما وفي المغرب الإسلامي خصوصا، حتى في هذا الزمن الذي يشهد انفجارا معلوماتيا واتصاليا لا مثيل له في تاريخ البشرية. فنحن لا زلنا في علوم التربية وفي العلوم العرفانية  Les sciences cognitives، خاصة تلك التي تنتج في العالم الأنغلو- سكسوني، نشكو من تخلف في مواكبة المعلومة في مستوييها العلمي- النظري والإجرائي- التطبيقي يقاس بالعقود. وبشكل أكثر دقة، لا ننفتح على تلك المعارف والتجارب إلا بالكيفية والمقدار الذي يسطر لبلدان العالم النامي في دوائر الرأسمال العالمي والهياكل التابعة له. فيما الأجدر بنا أن نبحث بكيفية حرة ومستقلة تماما عما يمكّن بلداننا من الرقي والتقدم. لماذا نصرّ مثلا على اتباع نماذج بيداغوجية منتجة من قبل منظومات تربوية ليست في طليعة الترتيب العالمي، خلافا لفنلندا والنرويج مثلا! حقا إن تجريب نماذج تربوية في النجاح والامتياز المدرسي كالتي تطبق في مجموعة البلدان الأخيرة أمر مكلف من الناحية المادية[15].  ولكن الهدر الذي تتعرض له منظوماتنا التربوية هو الآخر أمر مكلف جدا. ثم لا ننسى أن ما ننفقه بوجه حق في التربية والتعليم بيد نستردّ أضعافه باليد الأخرى، خاصة في هذا الزمن الذي تقلصت فيه الهوة بين الذكاء والخيرات المادية إلى أبعد الحدود، بتوسط الوقائع المصممة مجازيا في شبكات العالم الرقمي[16].

ثانيا: قضية استئناف التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر

 

تمهيد:

انطلاقا من متابعتنا لملف عودة التعليم الزيتوني في الوقت الحاضر يمكننا القول بوجود ثلاث اتجاهات بخصوص مسألة هذه العودة:

  1. الترحيب الكامل: وقد عبر عنه وزاراء الشؤون الدينية والتعليم العالي والتربية وبعض الأحزاب مثل حركة النهضة وبعض المجموعات السلفية وعدد من المواطنين[17].
  2. الرفض التام، ويبدو أنه اتجاه أغلب أساتذة العلوم الإنسانية بالجامعة التونسية (لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية مثالا) والرئيس السابق لجامعة الزيتونة وعدد من الشخصيات السياسية والمدنية ومن الأساتذة والمعلمين.
  3. القبول المشروط بعدة ضوابط هيكلية ومعرفية ووظيفية وعمرانية.

وهذه الورقة تنحاز إلى هذا الاتجاه الأخير، وسنحاول بلورته بشكل أوضح وعلى قدر من التفصيل من خلال تمش يمر بنا من استعراض الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني إلى بيان الصعوبات التي ينظر في إمكانية تذليلها والشروط التي يتوجب توفرها ليكون لمثل هذا الاستئناف معنى إيجابي حقيقي، لا مجرد احتفاء فولكلوري بقيمة رمزية ثقافية تستعاد بعد طول غياب. وهو ما أجملناه في عنصر خاص بالتحديات التي تواجه أي إجراء جدي في اتجاه “عودة” هذا النوع من التعليم الأصيل في تونس.

1- رهانات استئناف التعليم الزيتوني:

من أبرز الرهانات والآمال المعلقة على استئناف التعليم الزيتوني:

  • تأصيل التعليم: بجعله في ارتباط مباشر بأصول الحضارة الإسلامية التي هي الثقافة الإسلامية الدائرة حول الوحي بشقيه قرآنا كريما وسنة نبوية مطهرة ثابتة والمتضمنة لمختلف اجتهادات العلماء المسلمين وإبداعاتهم في الكلام والفقه واللغة وغيرها من المجالات المعرفية الأصيلة.
  • تصحيح خطإ تاريخي قام به بورقيبة والنخبة التي كانت مرافقة له في عملية تسطير الاختيارات التربوية الكبرى للبلاد فجر الاستقلال. ويتمثل هذا الخطأ في إيقاف العمل بمنظومة التعليم الزيتوني. تم ذلك تطبيقا لأمر 1 مارس 1961، الذي أصبحت بموجبه كلية الشريعة وأصول الدين الوريثة الرسمية لجامعة الزيتونة (أمر 31 مارس 1960) ولجامع الزيتونة كمؤسسة تعليمية طوال قرون مديدة[18]. وكون هذا الإجراء يُعدّ خطأ تاريخيا حسب وجهة نظرنا، فلأنه تم في وقت بلغت فيه جهود الإصلاح التربوي في الزيتونة أوجها، خاصة مع بعث الشعبة العصرية على يد الشيخ الطاهر بن عاشور. هذه الشعبة التي استحدثت فيها مواد جديدة لم تكن تدرس من قبل في الزيتونة مثل الرياضيات الحديثة والعلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية (الفرنسية والانجليزية) وكل هذه المواد ذكرها الشيخ الطاهر بن عاشور وأوصى بتضمينها في التعليم الزيتوني قبل إلغائه بنصف قرن كامل. وقد أثمر هذا الإصلاح بعض النتائج الملموسة الطيبة، مثل قدرة عدد من خريجي الشعبة الزيتونية العصرية على النجاح في الباكالوريا فرنسية والاضطلاع ببعض الوظائف التي تحتاجها الدولة فجر الاستقلال.
  • القطع مع القطع التاريخي الذي مارسته النخبة الحداثية مع الإسلام و« تثبيت دعائم الهوية العربية الإسلامية في بلادنا ونشر قيم الخير والصلاح في العالم أجمع » (بيان وزارة الشؤون الدينية، المغرب، 3 جوان، 2012).
  • إثبات الغيرة على الإسلام في مواجهة التيارات الإسلامية المتشددة وسحب البساط من تحتها، ومحاصرة ظاهرة السلفية والوهابية والرد العلمي عليها استنادا إلى أقوال الفقه المالكي واستئناف التقليدي الزيتوني في كبح جماح الدعوة الوهابية.

2- التحديات

نستخدم هنا مصطلح التحديات بمعنى الصعوبات التي يجب تذليلها لبلوغ الهدف المنشود:

أ- محدودية النظرة للتأصيل لدى جانب من المتحمسين لهذا المشروع: فالتأصيل لا يعني العودة إلى الوراء، والأسلاف لم يكونوا سلفيين بل كانوا مجددين ومبدعين. قد يقال إن استئناف التعليم الزيتوني سيكون من اللحظة التي تركها فيه الشيخ الطاهر بن عاشور. ولكن أين وعي الشيوخ الحاليين من وعي الشيخ الطاهر بن عاشور وأين تكوينهم العلمي والبيداغوجي من تكوينه؟

ب- قلة عدد الشيوخ الزيتونيين الباقين على قيد الحياة من بين الشيوخ الأعلى درجة علمية (العالمية). وعدم قدرة الأساتذة بجامعة الزيتونة من المقتنعين باستئناف التعليم الزيتوني الأصيل على تغطية كل احتياجاته.

ج- عدم استعداد بعض الشركاء المنتظرين من قبل أصحاب المشروع للتعاون معه:

ففي الوقت الذي رحبت وزارة الشؤون الدينية بما اعتبرته في بيانها “إنجازا تاريخيا كبيرا وكسبا ثوريا عظيما”، أصدرت وزارة الصحة أصدرت بلاغا أكدت فيه رفضها التام إرساء نظام لتدريس الطب في جامع الزيتونة وذلك في معارضة واضحة وحاسمة لما أعلنه الشيخ حسين العبيدي إمام جامع الزيتونة. كما وضّحت ووزارة التعليم العالي نفسها أن موافقتها ليست مطلقة بل مقيدة بجملة من الشروط المنهاجية وغيرها. والموقف الأكثر حسما ربما هو الذي اتخذته لجنة الدفاع عن القيم الجامعية واستقلالية المؤسسات والحريات الأكاديمية التي انتقدت أصحاب المشروع والحكومة بعدم القيام باستشارة وطنية واسعة حول هذه المسألة وعدم الحصول على إجماع وطني بخصوصها. ومما جاء في بيانها بهذا الخصوص أنها: “تعتبر أن هذا القرار أحادي الجانب ويمثل بادرة غير قانونية وغير ديمقراطية، وتستهدف خرق المبادئ التي تأسس عليها التعليم الجمهوري الوطني الذي سعى منذ نصف قرن  إلى توحيد صفوف التونسيين…”.

  • الأمثلة التي وقع الاستشهاد بها (جامع الأزهر وجامع القرويين) ليست أمثلة على تفوق وريادة حقيقية للتعليم الأصيل في عصرنا الحالي. فهل أن مستوى تدريس الطب في الأزهر مثلا يضاهي مستواه في النظام التونسي الحديث مثلا، هذا إذا لم نقارنه بمستويات تعليمه في الدول الأكثر تقدما في العالم. وحينئذ ما الفائدة من تدريسه في هذه المؤسسة التربوية العريقة؟ التكوين الديني الذي يوفره الأزهر لدارسي الطب فيه يمكن أن يوفره لكل راغب فيه من طلاب الكليات الحديثة.

ﻫ- ما موقع هذا الإجراء من عملية إصلاح النظام التربوي الجارية الآن؟ هل علينا مضاعفة الجهد والقيام بإصلاحين: تأصيل التعليم الحديث وتحديث التعليم الأصيل؟ أم إدراج مشروع عودة التعليم الزيتوني ضمن رؤية إصلاحية تربوية شاملة؟ ! فالمعلوم أننا نعيش اليوم لحظة تاريخية فارقة، هي لحظة الاستحقاقات الثورية التي تجيز لنا إصلاح التعليم بما يتلاءم مع مقتضيات الإخلاص للهوية العربية الإسلامية ومقتضيات النمط الحديث في التربية والتنمية والسياسة والمجتمع في الآن نفسه. فلماذا نشتت الجهود ولا نشحذ ونجمّع الطاقات لإبداع نظام تربوي حداثي أصيل يكون التعليم الزيتوني ملمحا من ملامحه، وليس مظهرا شاذا عن اختيارات البلاد التربوية والتعليمية العامة.

و- البرامج: كيف ستكون ومن سيعدّها وإلى أي نظام معرفي ستستند؟

على سبيل المثال، في تونس العصر الحديث استأنف الشيخ الطاهر بن عاشور النظر في مبحث “المقاصد الشرعية”. أي قراءة الشريعة قراءة مقاصدية انطلاقا من اللحظة المعرفية التي وصل إليها أبو إسحاق الشاطبي المالكي في كتابه الموافقات (790ھ) الذي اكتشف في الوحي منطقا قصديا[19]. وقد عمل ابن عاشور على أن يفصل مبحث المقاصد عن علم أصول الفقه  ليصبح علما قائما بذاته في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية” وأخرجه من المنطق المذهبي الضيق ليجعل منه علما كليا اجتهاديا مفتوحا، وأدخل عليها بعض التطويرات، من ذلك مثلا التوسعة في مجال المقاصد لتتجاوز حفظ  الدين والنفس والعقل والمال والنسل، إلى مقصد الحرية والديمقراطية، وقد فعل ذلك في كتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام” وبذلك يكون قد سبق كل الحركات الإسلامية إلى هذا المقصد. ومع ذلك فإن اللحظة المعرفية الفريدة التي لم تلتقط حسب رأينا إلى الآن، هي اللحظة التي بنى فيها ابن خلدون المقاصد الشرعية على قوانين وطبائع العمران البشري، فاتحا الباب بامتياز أمام رفع الحواجز المصطنعة بين الشرعيات والإنسانيات، وبين علوم الشريعة وعلوم الطبيعة بشقيها المادي والإنساني. فأين الوعي العلمي والمعرفي (الابستمولوجي) لمشائخ الزيتونة  اليوم من اللحظة المعرفية العمرانية الخلدونية والمقاصدية العاشورية؟ !

ولذا قبل الإسراع السياسوي والإيديولوجي نحو فتح فروع الزيتونة في كامل البلاد، كما هو جار الآن، يجب القيام بمراجعات ابستمولوجية عميقة للعلوم الإسلامية، من علم كلام أو توحيد، وعلم أصول فقه، ومقاصد وتفسير وتأويل…الخ. وهو الأمر الذي انتبه إليه إخواننا في المغرب الأقصى عندما نظموا منذ سنتين ندوة أزمة العلوم الإسلامية بطنجة سنة 2010، وتساءلوا عندها “هل هي أزمة منهج أم أزمة تنزيل” واتجهت أغلب الآراء والتحاليل إلى كونها أزمة منهج بل وأزمة معرفية ابستمولوجية هيكلية عميقة، كما بينت شخصيا ذلك في ورقتي حول علم الكلام (علم أصول الدين) في تلك الندوة، وكما سبق للشيخ الطاهر بن عاشور أن بينه بخصوص علم أصول الفقه. وإذا ما تناولنا علم التفسير التقليدي، فأين هو من مناهج التفسير والتأويل وقراءة النصوص التي ظهرت في العصر الحديث من هرمونيطيقا وسيميوطيقا وبراغماتيكا وفيلولوجيا وألسنية عامة وألسنية نفسية وأنطروبولوجيا ثقافية وعلوم عرفانية…الخ؟ !

ولذا إذا ما أردنا تجاوز مجرد المظاهر الفولكلورية في مشروع استئناف التعليم الزيتوني علينا القيام بمراجعات معرفية ومنهجية عميقة للعلوم والمعارف الإسلامية النظرية منها والعملية، على غرار ما قام به رجال اللاهوت المسيحي واليهودي الذين تفوقوا كثيرا في المستوى العلمي على الأئمة والمشائخ المسلمين في وقتنا الحاضر للأسف، لا نستثني من ذلك إلا قلة قليلة منهم. بطبيعة الحال لسنا هنا في سياق الدعوة إلى تقليد اليهود والمسيحيين في نظرياتهم ومناهجهم فهذا ما لا يجوز معرفيا ومنهجيا للاختلافات الجوهرية بين عقيدة التوحيد الإسلامي والتثليث المسيحي أو التوحيد القومي اليهودي (يهوه إله واحد لكل اليهود وليس للعالمين) مع أن القرآن الكريم لم يستبعد وجود كلمة سواء بيننا وبينهم، ولكن أنى لهم الاستجابة لها، إلا من رحم ربك…

ز– لدينا الآن زيتونتان: جامع الزيتونة وفروعه الجديدة وجامعة الزيتونة: فأيهما يمثل الزيتونة والتعليم الزيتوني حقا؟ ! وكيف ستكون العلاقة بينهما وكيف سيستفيد مشروع عودة التعليم الزيتوني من الطاقات البشرية العلمية والتعليمية الموجودة في جامعة الزيتونة المقاطعة لهذا المشروع؟ ! كل هذا يجب التفكير فيه ومعالجته بالحكمة اللازمة.

خاتمة

في الأخير لا ننكر الفضائل المعروفة للتعليم الزيتوني رغم رزحه لقرون من الزمن تحت وطأة التقليد والتكرار، مثل حفظ القرآن ومثل التكوين اللغوي الممتاز والتكوين الفقهي التعبدي الأساسي، وهو ما لا تنقطع الحاجة إليه إلى اليوم، خاصة في ضوء التراجع المخيف لمستوى التحصيل اللغوي في العربية لخريجي النظام التربوي الحالي والجهل بكثير من ضرورات القواعد الفقهية التعبدية لدى جمهور المصلين، ولكن المسألة مع ذلك في نظرنا هي أكبر من هذا بكثير. إنها قضية حضارية عمرانية على درجة عالية من الأهمية والخطورة. إن مؤسسة الزيتونة لم تكن مؤسسة معزولة عن نمط عمراني ومعيشي وثقافي حاف بها ومخترق لها. لقد كانت الزيتونة ملبية لجملة من الحاجات والوظائف العمرانية التي كان المجتمع يطلبها منها، مثل الإمامة والتعليم والقضاء، ولكننا نتساءل اليوم عن نوعية الحاجات والوظائف العمرانية التي يمكن للزيتونة أن تلبيها في هذا العصر الفائق التعقيد، من النواحي القانونية والإدارية والعلمية والتكنولوجية والتواصلية والطبية والاقتصادية وغيرها… ولذا فإن الأمر إذا تعلق بإصلاح التعليم الديني، فهذا أمر مشروع بل ومطلوب وملح في ظل تنامي نزعات الجهل والتطرف والإقصاء والعنف، وهذا يتطلب إعداد العدة له. ولكن إذا ما تعدى الأمر ذلك إلى مشروع أكبر وأشمل وهو مشروع تأصيل التعليم، فهذا يقع في مستوى آخر أعلى يتطلب طاقات وأفكار وإعداد أكبر وأشمل. فهل تهتدي النخبة التونسية وسلطة الإشراف والمجتمع المدني إلى أنسب الطرق لحل هذا الإشكال؟ هذا ما علينا التجنّد له جميعا ضمن مشروع تربوي وطني حداثي أصيل.

 

المصادر والمراجع:

 

– ابن خلدون، المقدمة، مكتبة ودار المدينة المنورة للنشر والتوزيع- الدار التونسية للنشر، 1984.

– ……….، شفاء السائل لتهذيب المسائل، طبعة أبو يعرب المرزوقي، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.

– ابن عاشور، محمد الطاهر، أليس الصبح بقريب؟، طبع ونشر المصرف التونسي للطباعة، تونس، 1967.

– …………، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع تونس، 1978

-……………………، تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد، دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997.

 – حنفي، حسن ، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

– الكعاك، عثمان، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958.

– الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات، تحقيق محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، 1990.

– العياشي، المختار ، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012.

– …………… ، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

 

المراجع بالفرنسية:

– Astolfi, J-P. et De Velay, M., La didactique des sciences, Paris, PUF, 1989.

– Chevallard, Y. La transposition didactique, du savoir savant au savoir enseigné. Grenoble: LA Pensée Sauvage, 1982.

– Depover, Ch. & Noël, B. (Éds). L’évaluation des compétences et des processus cognitifs. Paris-Bruxelles: De Boeck Université, 1999.

-Giordan, A. et De Vicchi, A. Les origines du savoir. Delachaux et Niestlé, 1987.

– Jonnaert, Ph. Conflits de savoir et didactique. De Bœck Université, 1988.

– Piaget, J. La construction du réel chez l’enfant.  Suisse: Delachaux et Niestlé, Neuchatel, , 1950 .

– ………… Psychologie et pédagogie. Denoel, PUF, 1968.

– Postic, M. La relation éducative, Paris: PUF, 1979.

-Vygotsky, Pensée et langage, Trad. du Russe Editions sociales Payot, 1973.

[1] المختار العياشي، في تاريخ المدرسة التونسية: خلاصة 32 قرنا من الكتابة والمعرفة والتعليم (1101ق م/ 2007م)، مركز النشر الجامعي بالتعاون مع المركز الوطني للتجديد البيداغوجي والبحوث التربوية، تونس، 2012، ص. 193.

[2] عثمان الكعاك، مراكز الثقافة في المغرب من القرن 16 إلى القرن 19، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958، ص. 104.

[3] العياشي، مصدر سبق ذكره، ص. 199.

[4] ذكره العياشي في المصدر الذي سبق ذكره، ص. 210.

[5] يشتمل مبحث المقاصد على ثلاثة أنواع منها: – المقاصد الضرورية (حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال) والمقاصد الحاجية (وبها تتحقق الضروريات الخمس السالفة) والمقاصد التحسينية.

[6] نستعمل هنا عبارة من سجل علم المقاصد الشرعية، مسايرة لروح الفكر الإصلاحي لدى الشيخ ابن عاشور.

[7] توجد في الكتاب عديد الإشارات إلى وضعية الفساد هذه، كاعتراض بعض المشايخ على هجر التعليم التقليدي بمجرد إيماءات بالإصبع(«كان جواب الشيخ محمد بيرم عن كل مطلب يعرض وعن كل تفريع يعرض أن يرفع سبابته مشيرا بالنفي ولا يتكلم»: ص144).

 وقد ختمها بتقديم مشروع ومطالب الطلبة الزيتونيين للإصلاح (زهاء أربعمائة طالب بقيادة إبراهيم بن شعبان (ص. 257).

[8] غالبا ما يعقب عرض سبب التخلف أو نوعه جملة من الاقتراحات الإصلاحية يقدّمها الشيخ ابن عاشور.

[9] يجوز أن يكون شرحه للسبب السابع قد تضمن فكرة إضافية اعتبرها سببا ثامنا لتأخر التعليم، وهي إلقاء المدرسين لدروس لا يفهمون مرادها على وجه اليقين.

[10] نستعمل العرفان هنا لا بالمعنى الصوفي وإنما تعبيرا عن المفهوم الانجليزي Cognition

[11] في الواقع نحن الذين اخترنا التموقع في هذا الإطار وليس الشيخ الطاهر بن عاشور، الذي كان يشتغل في الحقل العام للبيداغوجيا، مع قيامه ببعض التحليلات في مستوى البيداغوجيات الخاصة (بيداغوجيات المواد)، ومن بين أسباب ذلك،أن تعلمية المواد لم تظهر إلاّ بعد ستين سنة ونيف من ظهور كتاب “الصبح القريب”.

[12] بالنسبة للجيل الأول من الديداكتيك، التي أصبحت في ما بعد، مع أصطلفي مثلا، تبحث عن مزيد من الاستقلالية عن بقية العلوم الإنسانية كعلم النفس المعرفي وعلم النفس النشوئي.

[13] يعتقد ابن عاشور أن المراقي العليا تترك للمرحلتين المتوسطة والنهائية، ولكن هذا الرأي تم تجاوزه الآن في توجيهات التعليم العصرية، لأنه بالإمكان تدريب التلاميذ على العمل في مختلف هذه المستويات العرفانية بما يلائم مراحلهم النشوئية ومراكز اهتماماتهم، بما في ذلك متعلمو رياض الأطفال، الذين يكون لديهم التحليل والتركيب عملا حسيا حركيا بالدرجة الأولى. والفكر يبنى بهذه الكيفية لأن الفكر في أساسه فعل في المادة وفي ذاته نفسها لاحقا(الميتاعرفان). فكما يقول جان بياجيه: “Penser c’est agir”

[14] انظر كتاب مارسيل بوستيك الذي يحمل هذا العنوان نفسه.

[15] تنفق فنلندا التي احتلت صدارة الترتيب العالمي للمرة الثالثة على التوالي (سنة 2008)، أموالا طائلة على التربية والتعليم(6% من الناتج القومي الخام، وهذا يختلف بطبيعة الحال عن النسبة المخصصة في الميزانية التي هي أرفع من هذا بكثير)، وتطبق تعليما إفراديا في الحالات المستعصية وتؤمن وجبة الغداء لجميع التلاميذ مجانا مهما كان منحدرهم الاجتماعي والعرقي..الخ.

[16] وهو ما يعرف باقتصاديات المعرفة.

[17] تم مؤخرا (في أواخر شهر جانفي 2015، أي بعد حسم الانتخابات الرئاسية) سحب الوثيقة “البروتوكولية” لاستئناف التعليم الزيتوني وإيقاف العمل بها من قبل الوزارات الثلاث: الشؤون الدينية والتربية والتعليم العالي .

[18]  انظر مختار العياشي، الدولة المدنية والمسألة الزيتونية، أكاديميا، السنة الأولى، العدد السادس، جوان، 2012، ص.15.

[19] -حسن حنفي، دراسات إسلامية، دار التنوير للطباعة والنشر، ط1، 1982، ص 57.

 [1] أستاذ وباحث أكاديمي بالجامعة التونسية.

Share This:

Leave a Reply