الأستاذ الطاهر الصانع

الأستاذ الطاهر الصانع: مسيرة مربّي ومسؤول ثقافي وحزبي بجهة الساحل

د. عادل بن يوسف

– صورة 1: الطاهر الصانع بمدرسة ترشيح المعلمين بتونس خلال شهر جانفي 1951.

مقدمة:

من خلال أبحاثنا حول تاريخ النخب الوطنية (بِشِقَّيْهَا التقليدي العصري) والتاريخ الجهوي والمحلّي تبيّن لنا بما لا يدعو إلى الشكّ الأهميّة البالغة التي تحتلتها جهة الساحل التونسي في عديد المجالات. فبحكم ثقل وزنها التاريخي والديمغرافي وانفتاحها على الفضاء الداخلي والعالم الخارجي، كان حتميّا أن تلعب هذه الجهة دورا، إن لم نقل أدوارا هامة على الصعيد الوطني في أكثر من ميدان.

وتعدّ الشخصيّات المحليّة التي طبعت الحياة العامة وكان لها إشعاعا وتأثيرا جهويا ووطنيا منذ أواخر الفترة الاستعمارية ومطلع الاستقلال عديدة ولا حصر لها. ومن بين هذه الشخصيات يمكن ذكر المربّي والوجه الثقافي والمسؤول البلدي والحزبي، الأستاذ والمناضل الطاهر الصانع الذي طبع الحياة المدرسية والبلدية والثقافية والحزبية بجهة الساحل طيلة قرابة نصف قرن منذ أواخر الفترة الاستعمارية إلى منتصف التسعينات.

وقد كان لي شرف التعرّف على المترجم له لأوّل مرّة ولم أتخطّ بعدُ سنّ الخامسة عندما حلّ بقرية سيدي عامر في صائفة 1968 بوصفه رئيسا للجنة الثقافية الجهوية لولاية سوسة رفقة وزير الثقافة الأستاذ الشاذلي القليبي ووالي سوسة، السيّد عمر شاشيّة وطاقم المسؤولين على الصعيد الوطني والجهوي والمحلّي وفي مقدمتهم الكاتب العام للجنة ورفيق دربه، الحاج عبد الحفيظ بوراوي لافتتاح أشغال الدورة الأولى للأيّام الثقافية لولاية سوسة 

وإعطاء إشارة الانطلاق للدورة الأولى لمهرجان الوليّ الصالح سيدي عامر المزوغي (920-1040هـ/1514- 1634م) الذي ترأسه لدورات متتالية عمّي المربّي ورئيس اللجنة الثقافية المحليّة بالمكان، المرحوم يونس بن يوسف. وقد نالني شرف تقديم باقة زهور إلى الأستاذ الشاذلي القليبي ومصافحته إلى جانب أعضاء الوفد الرسمي المرافق له…

وشاءت الصدف أن أجدّد اللقاء بالمترجم له بعد قرابة 20 سنة من اللقاء الأوّل في بداية مسيرتي المهنية كأستاذ تعليم ثانوي بمدينة سوسة في خريف 1988، و في نهاية المسيرة المهنيّة للرجل كمدير لمعهد ثانوي خاص بجوهرة الساحل بين 1987 و 1997 بعد قرابة نصف قرن من العمل والنضال في الحقلين التربوي والثقافي والسياسي.

وعلى إثر صدور كتابي الأخير حول مسيرة المرحوم الحاج عبد الحفيظ بوراوي (1926-2008) ببادرة من أحد أفراد الثالوث المسؤول عن القطاع الثقافي بسوسة، الأستاذ عبد العزيز بلعيد تحمّس هذا الأخير لزيارة المترجم له ببيت ابنته سنية الصانع – حرم فتحي الريغي بضاحية خزامة وأهداه نسخة من الكتاب كما دعاه لحضور تقديم الكتاب بمقرّ جمعية الاتحاد الثقافي عشيّة يوم السبت 22 جويلية 2017. غير أنّ الأستاذ الطاهر الصانع اعتذر بكل لطف نظرا لظروفه الصحيّة وعدم قدرته على المشي.

وأمام هذا المعطى، اقترحت على الأستاذ عبد العزيز بلعيد القيام بحوار للأستاذ الطاهر الصانع ببرنامجي الاذاعي “شهادات حيّة” بإذاعة المنستير[1]. وقد لبّى الأستاذ الطاهر الصانع الدعوة وقمنا بتسجيل حوار مطوّل معه دام قرابة الساعتين تمّ بثه على أمواج إذاعة المنستير على امتداد حلقتين كاملتين خلال شهر أوت 2017. وقد نال هذا البرنامج إعجاب الكثير من تلاميذ وزملاء وأصدقاء وأفراد عائلة المترجم له الذين اتصلوا بي عبر الهاتف أو مباشرة للحصول على نسخة منه.

ونزولا عن رغبة الأستاذ عبد العزيز بلعيد قمت بتحويل هذا الحوار إلى نصّ ليكون مادة هذه الدراسة التي نتولى نشرها على أعمدة مجلّة القلعة الكبرى، لسان حال “جمعيّة علوم وتراث بالقلعة الكبرى” التي يرأسها الأستاذ عبد العزيز بلعيد. وقد قمنا بإثراء هذه الدراسة بمجموعة من الصور النادرة التي أمدّنا بها مشكورا ابن المترجم له، السيّد رياض الصانع.

الولادة والنشأة:

ولد الأستاذ الطاهر الصانع يوم 21 جويلية 1927 بمدينة قصر هلال وسط أسرة وطنية متعلّمة وكثيرة العدد. فهو الابن الوحيد إلى جانب خمس بنات: عائشة – آسيا – فَطِيمَة (على اسم جدته من الأب) – نزيهة وخديجة. كان والده تاجر تبغ و صحف و مجلات تونسية و شرقية… رغم كونه من حاملي الشهادة الابتدائية. وكان على اتصال وثيق بالسلك التربوي بعاصمة النسيج و يكلف من حين الى آخر بإمامة مسجد المرحوم عمر بوستّة. كما انخرط في الحزب الدستوري فور بعث الشعبة الدستورية بقصر هلال سنة 1921 برئاسة رجل الأعمال المطوّر والمجدّد، السيّد محمّد بوزويتة. أمّا والدته فهي من عائلة الزرّاد وكان أخوها المرحوم الطاهر الزرّاد موظفا ساميا في الوزارة الكبرى بتونس العاصمة.

[1] برنامج يُعنى بمحاورة رموز الحركة والوطنية ورجال السياسة والفكر والثقافة… بتونس، منذ الفترة الاستعمارية إلى غاية اليوم. وقد انطلعت الحلقة منه يوم الأحد 06 أكتوبر 2013 ولا يزال متواصلا إلى حد كتابة هذا المقال.

وبحكم تردّده يوميا على دكّان والده لا سيّما خلال العطل المدرسية فقد ولع منذ نعومة أظفاره بالمطالعة وتتبّع الأخبار الوطنية والعربية عبر الصّحف التي كانت تَرِدُ على دكان والده نذكر من بينها مجلّة “تونس المصوّرة” التي كان يديرها المرحوم الشاعر سعيد أبو بكر ( 20نوفمبر 1913-16 أكتوبر 1971) ابن مدينة المكنين المجاورة لقصر هلال وسكرتير المناضل الدستوري الشيخ راجع ابراهيم بمكتبه بجوهرة الساحل مدينة سوسة.

و تخليدا لذكرى هذا الشاعر والصحفيّ الوطني المتألّق، دأبت اللجنة الثقافية الجهوية بسوسة (التي ترأسّها منذ إحداثها سنة 1962 المترجم له والتي كانت إلى غاية سنة 1974 تشمل ولايات الساحل الثلاث: سوسة والمنستير والمهدية إضافة إلى ولايتي القيروان ونابل) منذ مطلع السبعينات على تنظيم مهرجان جهوي سنوي بمسقط رأس المغفور له في أواخر شهر جويلية من كل سنة.

الدراسة الابتدائية بقصر هلال:

زاول الطاهر الصانع دراسته الابتدائية بالمدرسة الابتدائية القرآنية الحاج علي صوّة من سنة 1933 ال سنة 1939 و من بين المعلمين الذين تتلمذ عليهم المرحوم عبد الرحيم بن صالح (معلم العربية الذي كان يصرب بي المثل) و المرحوم عبد الحميد سليم (معلم الفرنسية الذي كان من نجباء تلاميذه) … وفي جوان 1939 أحرزت التلميذ الطاهر الصانع على شهادة الابتدائية.

وفي نفس الشهر شارك في مناظرة الدخول الى المدرسة الصادقية. وبعد اجتيازه للاختبارات بمركز الامتحان بمدينة سوسة  وتحديدا بالمدرسة الابتدائية الباب الشمالي اليوم، كان على رأس قائمة الناجحين في المناظرة بكامل أنحاء المملكة التونسية.

الدراسة الثانوية بالمدرسة الصادقية بتونس العاصمة:

دخل التلميذ الطاهر الصانع المدرسة الصادقية في أكتوبر 1939 بصفة مقيم متمتع بمنحة كاملة. وفي هذه المدرسة الوطنية التي كان يديرها حينئذ الفرنسي “قاستون” (Gaston) بمساعدة الأستاذ محمّد عطيّة قبل أن يعيّن هذا الأخير مديرا لها بعد الحرب العالمية الثانية، تتلمذ التلميذ الطاهر الصانع على أبرز الأساتذة المدرسيّين وفي مقدمتهم الأستاذ المرحوم محمود المسعدي (في السنة الأولى و الخامسة) و الأستاذ عبد الوهاب بكير. أمّا القيّم العام فكان الوجه الدستوري، المناضل الأستاذ جلّولي فارس.

أمّا من الزيتونيّين فقد تتلمذ على أشهر مشايخ جامع الزيتونة وفي مقدمتهم: محمّد الفاضل بن عاشور و عمر العدّاسي و محمّد الزغواني و ابراهيم النيفر والشاذلي النيفر      و المختار بن محمود و أحمد الجريدي … الخ.

ومن بين تلاميذ دفعته نذكر كل من: الحبيب بورقيبة الابن والباجي قايد السبسي والحبيب نقرة (ابن الباحث في التراث والدين الاسلامي، الأستاذ التوهامي نقرة) والشاذلي عطاء الله (طبيب الأنف والحنجرة والأذنين) وكلاهما من القيروان. وقد سبقه بسنتين التلميذ محمّد مزالي ومحسن البوّاب ومحمّد شقشوق (من مدينة المنستير) … الخ.

وبحكم تحوّل تونس إلى مسرح للحرب العالمية الثانية في نوفمبر 1943 وتوقّف الدروس خلال كامل الفترة المتبقية من السنة الدراسية (1942-1943)، اضطرّ التلميذ الطاهر الصانع كسائر تلاميذ المملكة إلى العودة إلى مسقط رأسه.

وبعد عودة الدروس إلى نسقها العادي استأنف الطاهر الصانع دراسته بنفس المدرسة. و في جوان 1947 اجتاز بمعهد “كارنو” “Lycée Carnot” ديبلوم المدرسة الصادقية. ثمّ اجتاز بنجاح الجزء الأول من شهادة الباكالوريا الفرنسية.

– صورة 2: الطاهر الصانع تلميذا بالمدرسة الصادقية خلال السنة الدراسية

1946/1947.

الطاهر الصانع قيّما بالمعهد الفني بتونس:

  • في سنة 1947 ولأسباب اجتماعية، اضطرّ الطاهر الصانع إلى البحث عن عمل لمساعدته على تحمّل مصاريف كلفة الحياة وإعداد الجزء الثاني من البكالوريا. وقد استجابت إدارة التعليم العمومي لطلبه وقامت بتعيينه قيّما بمبيت بالمعهد الفني “إميل لوبي” (Emile Loubet) بتونس العاصمة و أعجب بهذا المعهد أيّ إعجاب و كان يتسع الى 120 مقيم و كان على غاية من النظام و كانت له فيه غرفة شخصية. كما ارتقى فيه الى رتبة قيّم مبيت أوّل.
    • صورة 3: الطاهر الصانع قيّما بالمعهد الفني “إميل لوبي” (Emile Loubet)

    بتونس العاصمة سنة 1948.

  • متابعة دروس في القانون والإدارة بمدرسة الحقوق:

    بالتوازي مع عمله كقيّم ليليّ، التحق الطاهر الصانع بمدرسة الحقوق التونسية حيث تابع دروسا في القانون التونسي، كانت تُلقى في بهو وزارة العدل. لكنه لم يتمكّن من إتمامها نظرا لعدم ملائمة المناخ العام بهذه المدرسة. كما تابع في نفس الوقت دروسا بالمدرسة الادارية التي توجد بنهج تربة الباي والتي كانت تُلقى بالعربية و الفرنسية من طرف موظفين سامين، فرنسيّين وبعض التونسيّين في مختلف أقسام ومصالح الإدارة التونسية.

    ورغم متانة التكوين المقدّم لطلبة هذه المدرسة وشهرة المحاضرين بها وتجربتهم الإدارية الطويلة فإنه لم يتمكّن من مواصلة الدراسة بها لأنّ الطلبة كانوا مطالبين بتقديم عروض أسبوعية ومذكّرات تقييمية معمّقة وكثيفة الحجم في نهاية كل ثلاثي يستوجب إعدادها كثيرا من الوقت والتركيز… لذلك غادر هذه المدرسة بعد سنة واحدة من التحاقه بها.

    و بعد قضاء ثلاث سنوات من العمل بمبيت المعهد الفني بتونس ونظرا لتأثره الشديد بالعديد من المعلمين والأساتذة الذين تتلمذ على أيديهم، طاقت نفس الطاهر الصانع إلى مهنة التدريس. وفي أكتوبر 1951 التحق بمدرسة ترشيح المعلمين حيث رسّم في السنة الرابعة منها وهي سنة التربّص و نجح الأوّل في امتحان آخر السنة.

  • – صورة 4: الطاهر الصانع أثناء دراسته بمدرسة ترشيح المعلمين بتونس العاصمة رفقة الناصر مالوش والبشير سعيدان في جولة بشارع جول فيري (الحبيب بورقيبة اليوم) سنة 1950.
  • كان مدير المدرسة المدعو “ماندار” (Mandard) أو “مَنْدَار السوري” (Mandard le Syrien) كما كان ينعته الأستاذ الهادي نويرة في صحيفته “ميسيون” (Mission) والقادم من سوريا اثر استقلالها، عنصريّا يعامل التلاميذ وفق ميولاتهم ومواقفهم من القضايا السياسية.و كان حزب الاستقلال قد أقرّ إضرابا عاما في منتصف شهر ديسمبر 1951 بكامل تراب المملكة المغربية احتجاجا على تصويت الجمعيّة العامة للأم المتحدة تأجيل النظر في القضيّة المغربية في جلستها المنعقدة يوم 13 ديسمبر 1951 (بـ 28 صوتا ضد مقابل 24 صوتا وامتناع 07 عن التصويت). وقد “تجاوب” مع هذه الدعوة البعض من تلاميذ مدرسة ترشيح المعلمين بالإضراب عن الدروس بيوم كامل، كان الطاهر الصانع من بينهم. لذلك تمّ رفضه رفقة زملائه المضربين معه من المدرسة لمدة شهر مع حذف المرّتب فاصطدموا مع المدير “ماندار” الذي لم يعجبه تحرّكهم “المسيّس”. وأمام تعطّل سبل الحوار بينهما رفع التلاميذ أمرهم إلى الأستاذ محمود المسعدي الذي كان في نفس الوقت مسؤولا نقابيا فرافقهم إلى مكتب الوزير الأول السيّد محمّد شنيق الذي قال لهم بصريح العبارة: ” لا أستطيع حلّ مشكلتكم وأشير عليكم بمقابلة الكاتب العام للحكومة التونسية “ !

    وكان هذا الأخير فرنسيا وعند مقابلتهم له أفادهم بأنه عاجز عن حلّ مشكلهم لأنّ الأمر من مشمولات الوزير الأول. و بعد نصف شهر من الأخذ والردّ، صدر عفو لفائدتهم من طرف مدير المدرسة.

    وبانتهاء السنة الدراسية ونجاحه بامتياز في جميع الاختبارات الكتابية والشفوية والتطبيقية كمعلّم في اللغتين العربية والفرنسية، طلب المدير المساعد للمدرسة، السيّد عبد الجليل بن علي من كافة المتخرّجين توديع المدير. و لما جاء دور الطاهر الصانع هنّئه بنجاحه ثمّ قال له:

    ” ستبقى محلّ مراقبة ” (Vous restez à surveiller) !

    أستاذا بالمدرسة التكميلية بباجة:

    في صائفة 1952 توصّل المربّي المتخرّج ببرقيّة من إدارة التعليم العمومي مفادها أنّه تمّ تعيينه مدرّسا بالمدرسة التكميلية بباجة وعليه الالتحاق بمركز عمله بداية من غرّة أكتوبر 1952. وقد أسعده وفاجئه هذا التعيين في نفس الوقت لكونه لم يكن يعرف عن مدينة باجة إلا الشيء القليل، سوى كونها تقع بجهة فلاحية وهي قدم راسخة للاستعمار الفرنسي بتونس بامتياز.

    وبعد استعانته بدليل الهاتف بغاية البحث عن نزل للإقامة به مؤقتا في مفتتح السنة الدراسية، عثر على عنوان وصورة “نزل فرنسا” (Hôtel De France) بباجة فراسل مديرته لحجز غرفة به فاستجابت لطلبه.

    وبوصوله إلى مكان عمله بمدينة باجة، قابل مدير المدرسة (المعهد كما يقل له آنذاك) الذي كلّفه بتدريس أقسام جلّ تلاميذها من الفرنسيّين بما في ذلك أقسام السنة ما قبل النهائية (Seconde) رغم أنّ المؤسّسة من الناحية القانونية لم تكن لها صفة معهد ثانوي.

    باشر الأستاذ الطاهر الصانع التدريس باللغة الفرنسية دون صعوبة. لكن بالنسبة للغة العربية كان عليه تعليم التلاميذ الفرنسيّين لغة الضاد بطريقة مشابهة لتلك التي تعلموا بها لغتهم الأصليّة. ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن، لذلك استنبط طريقة استوحاها من أستاذته الفرنسيّين في اللغة الإنجليزية أي بتدريبهم على النطق أولا ثمّ كتابتها باستخدام كتب متخصّصة معدة لتعليم العربية لغير العرب تتضمّن رسوما، اقتناها للغرض من المنتج محمد صالح الخمّاسي بتونس العاصمة. وقد تجاوب مع هذه الطريقة جميع تلاميذه دون استثناء واستحسنها مدير المؤسّسة وإطار التفقّد بالجهة.

  • – صورة 5: الطاهر الصانع بالمدرسة التكميلية بباجة سنة 1952.

  • – صورة 6: الطاهر الصانع إلى جانب تلاميذه بأقسام المدرسة التكميلية بباجة خلال السنة الدراسية 1952/1953.

    وبعد ثلاث سنوات من العمل بهذه المدرسة طلب في سبتمبر 1955 من إدارة التعليم نقلته إلى مدينة سوسة. لكنّ طلبه رُفض للمرّة الأولى بسبب: ” تعذّر من سيخلفه “.

    وبمدينة باجة سكن بمحلّ وظيفي وربطته علاقات وطيدة بأهاليها من مختلف الأوساط الاجتماعية والمهنية نظرا لاستقامته خارج العمل وخاصّة لتفانيه في أداء رسالته التربوية مع أبنائهم في المدرسة… ونذكر في مقدمة هؤلاء المناضل الدستوري الدكتور محمود العرابي والمربي الفاضل الطاهر العرابي (مدير المدرسة الفرنسية – العربية بباجة)…

    وفي صائفة 1953 تزوّج من الفتاة سعيدة الشملي (ابنة المناضل عثمان الشملي، التاجر في قطاع النسيج بدكانه بنهج فرنسا بمدينة سوسة مع شريكه المناضل سالم بشير) التي انتقلت للسكنى معه من سوسة إلى مدينة باجة.

    وفي سبتمبر 1956 لجأ إلى أحد تلاميذه بالمدرسة التكميلية أصيل باجة كان يزاول تعليمه بالجامعة بتونس ويرغب في التدريس بباجة. تسلّم منه مطلبا في التعيين لخلافته بباجة و قصد إدارة التعليم العمومي بالعاصمة. و لم يكن رئيس مصلحة التعليم الثانوي بهذه الإدارة التي تمّت تونستها في جوان 1955 غير أستاذه السابق بالمدرسة الصادقية، الأستاذ محمود المسعدي الذي رحّب به واستجاب لطلبه دون تردّد ولم يتركه يبرح مبنى الإدارة إلاّ بعد أن سلّمه قرار تعيينه بمعهد الذكور بسوسة وقرار تعيين تلميذه محلّه بالمدرسة التكميلية بمدينة باجة، متمنيا له النجاح في مركز عمله الجديد.

    لم يصدّق الأستاذ الطاهر الصانع ذلك وعاد على عجل لإعلام إدارته وتسليم تعيين تلميذه بها ثمّ إعداد حقيبة السفر وشدّ الرحال من الغد إلى جوهرة الساحل مدينة سوسة بعد توديع زملائه وأصدقائه وجيرانه …

    أستاذا فناظرا بمعهد الذكور بسوسة (1956-1987):

    بحلوله من الغد بمعهد الذكور بسوسة وجد مديره التونسي الجديد، الأستاذ أحمد نور الدين (1956-1958) الذي استقبله بمكتبه بحرارة وحدثه قليلا عن خصوصية المعهد وأجواء العمل به وبمدينة سوسة في مطلع الاستقلال… وفي نهاية اللقاء وجّهه إلى القيّم العام الفرنسي “جيراردي” (Girardet) لتسلّم جدول أوقاته.

    وعند خروجه من المعهد وجد المدير الفرنسي السابق للمعهد، الأستاذ “ماتيّي” (Mattei) يقوم بجولة “توديعية” بوسط مدينة سوسة رفقة عدد من تلاميذه قبل أن يشدّ الرحال نحو تونس ومنها إلى فرنسا.

    وبهذا المعهد قضّى الأستاذ الطاهر الصانع بقيّة مشواره المهني ثلاثة عقود كاملة من العمل كأستاذ ثمّ كناظر دراسات. وبهذا المعهد كذلك نسج شبكة من العلاقات الاجتماعية استطاع توظيفها في مسيرته الموازية كمسؤول بلديّ بمسقط رأسه ومسؤول جهوي في الحقلين الثقافي والحزبي منذ مطلع الستينات، لا بمدينة سوسة فحسب، بل بجهتي الوسط والساحل عامة.

    وعلى إثر تعيين الأستاذ أحمد نورالدين وزيرا للتجهيز في نهاية سنة 1958 عمل الأستاذ الطاهر الصانع مع المديرين الأربعة المتعاقبين على إدارة المعهد وتعاون معهم كأحسن ما يكون بدءا بالأستاذ الهادي المزابي (1958-1968)، مرورا بكل من الأستاذ محمّد فيّالة (1968-1975) – الذي استبقاه معه كناظر دراسات وثبته في منصبه هذا حتى بعد تعيينه على رأس الإدراة الجهوية للتعليم بالوسط التي كان مرجع نظرها ولايات سوسة والمنستير والمهدية والقيروان والقصرين وذلك إلى غاية إحداث إدارة جهوية للتعليم بمركز كل ولاية – و ابن مسقط رأسه، الأستاذ البشير الديماسي (1975-1985) ثمّ بالمندوبية الجهوية للتعليم مع الأستاذ محمّد فيّالة (من سنة 1985 إلى حين خروجه إلى التقاعد في جوان 1987).

    وكان معهد الذكور بسوسة منذ مطلع الاستقلال وعلى امتداد عقود طويلة بمثابة “خليّة نحل” ومنارة متألقة للنشاط المدرسي والثقافي والعلمي والرياضي بجهتي الوسط والساحل ومحطة هامة للمسؤولين السامين في الحزب والدولة بمناسبة زيارتهم لمدينة سوسة أو لمدن وقرى جهة الساحل، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة والوزير الأوّل الهادي نويرة والوزير الأوّل أحمد بن صالح وغيرهما من الوزراء ومديري الحزب المتعاقبين خلال فترة الحكم البورقيبي، سواء للإشراف على يوم العلم أو مهرجان أوسّو الدولي أو لافتتاح أو اختتام عديد التظاهرات الحزبية والثقافية التي كانت تعقد بالمدينة… أو لتدشين بناية أو توسعة بالمعهد… ومن بين تلك المناسبات نذكر انعقاد مؤتمر النصر للحزب بمدينة سوسة (2-5 مارس 1959) و تدشين الرئيس الحبيب بورقيبة بنفسه للمبيت الجديد للمعهد يوم 24 أكتوبر 1959 في طريقه إلى مدينة المنستير بحضور وزير التربية، الأستاذ محمود المسعدي وسائر الوزراء والمسؤولين والإطارات الوطنية والجهوية في الحزب والدولة… وبهذه المناسبة ألقى الرئيس كلمة أمام الإطار التربوي وخطّ كلمة بالسجلّ الذهبي للمعهد جاء فيها ما يلي:

    ” مشروع جبّار تمّ وُأنْجِزَ في وقت قصير. أرجو منه تثقيف النشء التونسي حتى يكونصالحا مفيدا قادرا على الاضطلاع بمسؤولياته في هذه الحياة. السبت 24 أكتوبر 1959. الحبيب بورقيبة “ [1].

    [1] انظر تفاصيل ذلك في: خمسينية المعهد الثانوي للذكور بسوسة 1925-1975، سوسة، 1977 بدون ذكر لدار النشر، ص ص 89-91 وجريدة الصّباح ليوم الأحد 25 أكتوبر 1959.

  • – صورة 7: الرئيس الحبيب بورقيبة والأستاذ محمود المسعدي وزير التربية يدشّنان مبيت معهد سوسة للذكور يوم السبت 24 أكتوبر 1959 بحضور مديره السابق
  • ووزير التجهيز آنذاك، الأستاذ أحمد نور الدين ثلّة من المسؤولين والإطارات الوطنية
  • والجهوية في الحزب والدولة يتقدمهم والي سوسة السيّد عبد الحميد القاضي.

  • – صورة 8: صورة خارجية لمبيت معهد الذكور بسوسة.

– صورة 9: الأستاذ الهادي البكّوش نائب رئيس الجامعة الدستورية بالساحل الشمالي أثناء حفل توزيع المكارم على التلاميذ المتفوّقين بمعهد الذكور بسوسة في نهاية السنة الدراسية

1958/1959.

مسؤولا بلديا بمدينة قصر هلال:

في 05 ماي 1957 وفي أول انتخابات بلدية تُجرى في تاريخ تونس المستقلّة، انتخب الأستاذ الطاهر الصانع في قائمة المجلس البلدي بقصر هلال (الذي أحدث رسميا يوم 23 سبتمبر 1948( والتي ترأسها المناضل حسن ساسي بعد تدخّل شخصيّ من رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة لدى والي سوسة عبد الحميد القاضي لترجيح هذه القائمة على حساب قائمة أولى أعدّها المناضل محمّد القنوني لكنّ جل أعضائها كانوا أمّيّين مقابل غياب العناصر المثقفة الذين يمكنهم تقديم الإضافة بالمدينة. وقد لعب الأستاذ الطاهر الصانع دورا هاما في تركيب أعضاء هذه القائمة بعد تنسيق مع معتمد المكنين، الذي كان أصيل مدينة باجة. وفي أوّل اجتماع يعقده المجلس المنتخب، انتخبه زملائه ليكون نائبا ثالثا لرئيس البلدية عوضا عن الصناعي عبد الرحمان الشايب مكلفا بالتعليم و الثقافة…

وقد حافظ الأستاذ الطاهر الصانع على مسؤوليته تلك طيلة ثلاث دورات متتالية من تاريخ بلدية قصر هلال: (1957-1960) و (1960-1963) و (1963-1966).

وخلال الدورات الثلاث التي قضّاها ببلدية مسقط رأسه كنائب رئيس ورغم صعوبة الظرفيّة الاقتصادية والاجتماعية (أوج تجربة التعاضد) وتداعياتها السلبية على السكّان فقد تمكّن الأستاذ الطاهر الصانع رفقة زملائه أعضاء المجلس البلدي بقصر هلال من إنجاز وبرمجة عديد المشاريع والمنشآت العمومية الكبرى التي لا تزال إلى حد الآن شاهدا على النظرة الاستشرافية والمستقبلية لمسؤولي المدينة كعاصمة للنسيج العصري و مدينة صناعية وتجارية حيّة ومنفتحة على محيطها الجهوي والوطني وفي مقدمتها: السوق المركزية – دار الحزب – المكتبة العمومية – ربط المدينة بشبكة التنوير العمومي والماء الصالح للشراب والهاتف… وربطها بالمدن والقرى المجاورة عبر شبكة عصرية من الطرقات والمفترقات… كما تمكّن المجلس البلدي من تطوير السوق الأسبوعية إلى سوق شبه جهوية بتخصيص حافلات لنقل سكان المدن القرى المجاورة (لمطة – صيّادة – بوحجر – جمّال…) صباح كل ثلاثاء مجانا.

كما نجح مسؤولو البلدية وشعبة المكان في الحصول على موافقة السلطات المركزية بارتقائها إلى رتبة معتمدية بداية من 21 مارس 1966، يليه المعد الثانوي بقصر هلال منذ سنة 1972…

– صورة 10: الطاهر الصانع والمنجي الكعلي خلال حفل توزيع الجوائز على المتفوقين في الدراسة ببلدية قصر هلال .

رئيسا للجنة الثقافية الجهوية بسوسة:

بالتوازي مع التدريس كان للأستاذ الطاهر الصانع نشاطا ثقافيا داخل معهد سوسة حيث كان يلقي محاضرات بنوادي المعهد في إطار الشبيبة المدرسية وخارجها في إطار الندوات والتظاهرات الثقافية الوطنية والجهوية التي كان ينظمها الحزب بجهتي الوسط والساحل. و في ربيع 1961 دعي للمشاركة في ندوة بمدينة القيروان أشرف عليها الوالي عمر شاشية. وفي أشغال هذه الندوة تناول الأستاذ الطاهر الصانع الكلمة وتحدث مطولا عن طرق دفع العمل الثقافي بالجهة وأهمية الثقافة في حياة السكان، لا سيّما الشبّان منهم. وقد أعجب الوالي بتحاليل الرجل وقدرته على تشخيص الواقع الثقافي بالجهة وبالبلاد عامة وتقديم مقترحات عمليّة لمستقبل ثقافيّ أفضل…

وبإحداث كتابة دولة للشؤون الثقافية سنة 1961، فوجئ الأستاذ الطاهر الصانع باستدعائه للحضور على الفور بمقرّ الولاية في نوفمبر من نفس السنة. وبوصوله إلى مكتب الوالي عمر شاشيّة وجد بجانبه الأستاذ الشاذلي القليبي كاتب الدولة للشؤون الثقافية آنذاك وتمّ إعلامه باعتزام الوزارة بعث لجان ثقافية جهوية ومحليّة بكل ولايات الجمهورية بعد بعث اللجنة الثقافية القومية وترشيحه ليترأس هذا الهيكل الجديد بولاية سوسة وتكليف المعتمد بمركز الولاية، الأستاذ عبد الحقّ الأسود بمتابعة الموضوع. ومن الغد اجتمع المعتمد بكافة الأفراد الموجودة أسمائهم في ورقة سلمها له الوالي وكانت تركيبة اللجنة على النحو التالي: الطاهر الصانع (رئيسا) – حسن بن سعيد (نائب رئيس) – عبد الحفيظ بوراوي (كاتبا عاما) – عبد السلام بوسنّة (أمين مال )… الخ.

– صورة 11: الطاهر الصانع في صورة تذكارية مع السيّد عمر شاشية والي سوسة في إحدى زياراته لمقرّ اللجنة الثقافية بسوسة سنة 1962 .

وقد تولى ترأس هذا الهيكل الحيوي الممتدّ على ولايات الساحل الثلاث إلى غاية سنة 1974 تاريخ إحداث ولايتي المنستير والمهدية. ومن أهمّ الانجازات التي قام بها رفقة أعضاده باللجنة الثقافية: مواصلة الاحتفال بمهرجان أوسّو ومعرض سوسة الوطنيَيْنِ وتحويلهما إلى مهرجان ومعرض دوليَيْنِ… – بعث مهرجانات جهوية ومحلية بكامل مدن وقرى الساحل – إحداث مكتبات عمومية بكبرى قرى الساحل ودعم الموجود منها على غرار المكتبة العمومية بكل من سوسة والمنستير والمهدية – إيفاد المكتبة المتنقلة المقتناة كهبة من ألمانيا إلى قرى وأرياف الجهة أيام الأسواق الأسبوعية – تشجيع بعث الفرق والجمعيات الثقافية وتقديم العروض الموسيقية والمسرحية – تكثيف عروض القافلة السينمائية بالجهة بتكليف العون التقني عمّار بالتحوّل خصيصا صباح كل يوم اثنين إلى مقرّ الوزارة وشركة التنمية السينمائية “الساتباك” (SATPEC) بالعاصمة لانتقاء أحدث الأشرطة السينمائية الأجنبية الوافدة على البلاد أو الوطنية التي كانت تنتج بتونس وفي مقدمتها الأشرطة المصرية لمحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وأمّ كلثوم… والأشرطة الوطنية على غرار: “المتمرّد” (1965) و “الفجر” (1966) و“الفلاّقة” (1970) و “صراخ” (1972)، لعُمَار الخليفي بمشاركة المطرب أحمد حمزة والطاهر حواص، والحبيب الشعري والحطّاب الذيب، وجميلة العرابي وعبد الرزاق عبيريقة والمنجي يعيش وتوفيق العبدلي… وشريط “أمّ عبّاس” (1969) للمخرج علي عبد الوهاب خليل بمشاركة الزهرة الممثلة فائزة والمطربة عليّة… وبعض الأشرطة الغربية الفرنسية والأمريكية من نوع “الواستارن” والقائمة تطول…

– صورة 12: الطاهر الصانع إلى جانب… والأستاذ حافظ طرميز خلال حفل تدشين مقرّ الشباب الدستوري بسوسة في فيفري 1963.

غير أنّ أكبر تظاهرة ثقافية طبعت مسيرة الرجل وساهمت في التعريف به على الصعيد الوطني هي الاحتفالات بعيد ميلاد الرئيس الحبيب بورقيبة في الثالث من شهر أوت من كل سنة بقر صقانس وعلى امتداد شهر كامل تقدّم فيه كافة ولايات الجمهورية عروضا فنية ومسرحية ومسابقات شعرية “عكاضيات” تحت إشراف الدكتور صالح المهدي والأديب امحمِّد المرزوقي والصحفيّ الحبيب شيبوب (1931-2007) … الخ.

كما كان يستقبل أعضاء اللجنة الثقافية بكل من قصر قرطاج وصقانس كلما كانت هناك تظاهرة ثقافية بالجهة يتم وضعها تحت سامي إشرافه (لافتتاح أو اختتام أشغالها) عليها أو لتقديم برنامج الاحتفالات بذكرى 03 أوت من كل سنة وقائمة في العروض والأعمال الفنية والمسرحية والشعرية …. التي ستعرض أمامه.

– صورة 13: الطاهر الصانع رفقة وفد رسمي من ولاية سوسة بقصر قرطاج في أفريل 1966 لإهداء الرئيس الحبيب بورقيبة العدد الأول من مجلّة “مرآة الساحل” من إصدارات اللجنة. وقد وجدوه يطالع نشريّة من نشريات لجنة التنسيق الحزبي بسوسة.

وحسب شهادة الأستاذ الطاهر ومساعده الحاج عبد الحفيظ بوراوي الصانع، كان الرئيس بورقيبة يتابع باهتمام فائق عروض ولاية سوسة ويسألهما عن جديدها قبل انطلاق العروض والمسابقات في مطلع كل صائفة.

– صورة 14: الطاهر الصانع بالقصر الرئاسي بصقانس أثناء تقديم عرض فنّي لولاية سوسة سنة 1973. (جلوسا في الصفّ الثالث) وراء الرئيس بورقيبة ووالي سوسة أحمد بنّور.

وفي مطلع سنة 1963 وبعد عمل أكثر من سنتين في مكتب صغير فوق مقهى “جيرالدي” (Giraldi) – مقهى تونس تونس لاحقا – قبالة المسرح البلدي، تمكنت اللجنة الثقافية بسوسة من الحصول على مقرّ جديد لها في مدخل المدينة العتيقة (قبالة مقهى العياشي سابقا وصولة سنتر اليوم) تمّ تدشينه رسميا يوم 19 جانفي 1963 من طرف الوالي ومعتمد المدينة ورئيس البلدية، الأستاذ أحمد نور الدين – الذي كان حسب شهادة الأستاذ الطاهر الصانع رافضا الدخول إلى هذا المبنى قبل وبعد هذه المناسبة لعدم استشارته في تعيين أعضاء اللجنة الثقافية في نوفمير 1961 – وعديد الاطارات الجهوية والمحلية في الحزب والدولة… وهو لا يزال إلى غاية اليوم تابعا للمندوبية الجهوية للثقافة بسوسة التي انتقلت في أواخر الثمانينات إلى مبنى عصرّيّ خلف المركّب الثقافي امحمِّد معروف بسوسة.

– صورة 15: الطاهر الصانع يلقي كلمة بمناسبة تدشين مقرّ اللجنة الثقافية الجهوية بسوسة يوم 19 جانفي 1963. ويظهر على الصورة الأستاذ أحمد نور الدين رئيس بلدية سوسة وعلى يساره السيّد عمر شاية (والي سوسة) والسيّدة بهيجة بوستة (النائبة الجهوية للاتحاد القومي النسائي).

و كانت اللجنة الثقافية بسوسة في مقدمة المستقبلين لأعضاء الوفود الرسمية القادمة من الخارج والمدعوّة للمشاركة في مختلف المهرجانات والتظاهرات الثقافية بمدن الساحل التونسي.

– صورة 16: الطاهر الصانع ( الثالث وقوفا من اليمين إلى اليسار) أثناء الحفل الذي أقيم على شرف الوفود الأجنبية المشاركة في معرض سوسة الدولي خلال دورته الأولى سنة 1958.

كما أتيحت للأستاذ الطاهر الصانع فرص السفر إلى الخارج مشرقا ومغربا وربط أواصر التبادل الثقافي بين ولاية سوسة وعديد المدن والجهات بدول شقيقة وصديقة نذكر من بينها: الجزائر والمغرب ومصر والعراق … من الدول العربية مقاطعة “بولوني بي أن كور” (Boulogne- Billancourt) ومدينة نيس بفرنسا و إيطاليا … ويوغسلافيا والسينغال

– صورة 17: الطاهر الصانع (الثالث وقوفا من اليسار إلى اليمين) مع معالي وزير التربية والتعليم بمصر أمام نادي المعلمين بالقاهرة في 14 افريل 1964.

وعموما ورغم تواضع إمكانياتها المادية والبشرية، زمن ترأسها من قبل الأستاذ الطاهر الصانع لها على امتداد أكثر من عقدين ومن خلال الهياكل الرسمية التابعة لها والعروض والأنشطة الثقافية التي قدمتها بالجهة، فقد ساهمت اللجنة الثقافية الجهوية بسوسة في تهذيب الذائقة الفنية للتونسيّين وترسيخ الشعور بالهويّة الوطنية والانفتاح على الثقافات الأخرى، العربية والغربية بالأساس.

كاتبا عاما مساعدا للجنة التنسيق الحزبي بسوسة:

يجدر التذكير بانتماء الأستاذ الطاهر الصانع إلى الشعبة الدستورية بقصر هلال على غرار والده وكامل أفراد عائلته من قبله. ومنذ مطلع الاستقلال، انتخب مساعدا لرئيس شعبة المكان. كما كلّف بتمثيل شعبة قصر هلال في “مؤتمر النصر” للحزب الحرّ الدستوري المنعقد بمدينة سوسة برئاسة المنجي سليم من 2 إلى 5 مارس 1959 وبإشراف من الرئيس الحبيب بورقيبة.

ومنذ بعث لجان التنسيق الحزبي بالبلاد مطلع الاستقلال انتخب عضوا بلجنة التنسيق الحزبي بسوسة في سنة 1957 برئاسة المرحوم الدكتور عبد المجيد رزق الله (رئيس الجامعة الدستورية للساحل الشمالي سابق). و كانت لجان التنسيق الحزبي بسوسة تغطي كامل جهة الساحل بولاياته الثلاث اليوم. وقد عملا معا في كنف التناغم والوئام لمصلحة الجهة والبلاد عامة وخاضا عديد المحطات النضالية الهامة خلال الفترة التأسيسية من التاريخ السياسي للبلاد.

و منذ السبعينات تمّ تعيينه كاتبا عاما مساعدا للجنة التنسيق الحزبي حيث عمل مع الكثير من الشخصيات الحزبية بهذا الهيكل وفي مقدمتها الأستاذ البشير بن سلامة  و عمل مع الكثير من الإطارات الحزبية بالجهة على غرار المناضلين محمّد الحبيب براهم والقنطاوي مرجان الذي توطدت صلته به أكثر من غيره.

وبشغور هذا المنصب في بداية الثمانينات وبما أنّ رئيس لجنة التنسيق الحزبي كان يعيّن من قبل إدارة الحزب فقد تمّ تعيين هذا الأخير وعمل معه كمساعد على رأس هذا الهيكل الحزبي الهام وذلك إلى غاية منتصف الثمانينات.

– صورة 18: الطاهر الصانع يتوسّط القنطاوي مرجان (كاتب عام لجنة التنسيق الحزبي بسوسة) والحاج عبد الحفيظ بوراوي في مطلع الثمانينات.

– صورة 19: الطاهر الصانع يتوسّط الحبيب براهم (كاتب عام لجنة التنسيق الحزبي بسوسة) ومحمّد الحربي في منتصف الثمانينات .

ما بعد التقاعد: مديرا لأوّل معهد خاصّ بسوسة:

منذ خروجه إلى التقاعد في جوان 1987 تفرّغ الأستاذ الطاهر الصانع لإدارة ” معهد الازدهار” أوّل معهد ثانوي خاص يبعث بمدينة سوسة منذ سنة 1974 من طرف السيّد الهادي بلفقيه وذلك إلى غاية سنة 1997.

حصاد العمر:

تتويجا لمسيرته المهنية والسياسية والثقافية الطويلة نال الأستاذ الطاهر الصانع عديد الأوسمة الوطنية من قبل الزعيم الحبيب بورقيبة: الصنف الرابع من وسام الاستقلال والجمهورية الصنف الثاني من وسام الاستحقاق الثقافي، وسام الشغل في القطاع التربوي…. يضاف إليها عديد الأوسمة الجهوية والمحليّة والوطنية وشهادات التقدير داخل تونس وخارجها بمناسبة زياراته المتكرّرة للخارج في إطار مشاريع التبادل والتعاون والتوأمة بين مدينتي سوسة وقصر هلال وعديد المدن بالبلدان الأوروبية والعربية.

ومنذ مطلع التسعينات عاد الأستاذ الطاهر الصانع مع زوجته للاستقرار بمنزله بمسقط رأسه بقصر هلال. لكنّ وفاة شريكة حياته ومرضه قد اضطرّاه إلى الاستقرار ببيت ابنته سنية الصانع – حرم فتحي الريغي بضاحية خزامة من مدينة سوسة حيث يقضّي يومه محاطا بابنه رياض الصانع وأحفاده من ابنه المرحوم الدكتور فتحي الصانع وأصهاره والمطالعة ومتابعة الشأن الثقافي ومستجدات الساحة السياسية بتونس والبلاد العربية والعالم عامة.

خاتمة:

تلك هي بإيجاز مسيرة المربّي والمسؤول الثقافي والحزبي، الأستاذ الطاهر الصانع، الذي كان “منارة” في الحقلين التربوي الثقافي ومثالا يحتذى به، لا بمسقط رأسه وبمدينة سوسة فحسب بل بجهتي الوسط والساحل عامة. عطاء متعدّد لا تزال بصماته باقية إلى يومنا هذا من خلال إنجازاته وأجيال التلاميذ الذين تتلمذوا عليه و تحمّل الكثير منهم ولا يزال، عديد المناصب والمسؤوليات العليا في جهازي الإدارة والدولة.

غير أنّه تبقى في نفس الأستاذ الطاهر الصانع حرقة ولوعة لما آل إليه واقع التربية والتعليم والثقافة في تونس خلال السنوات الأخيرة. وهو في تقديره واقع لا يمكن إصلاحه جديا إلاّ بإعادة هيكلة شاملة لمنظومتي التعليم والثقافة عوضا عن الإصلاحات والحلول “الترقيعية” التي يصفها محاورنا بـ “المسكّنات” التي لا تغني ولا تسمن من جوع !

 

Share This:

Leave a Reply