الإنتـاج الغنـائي في تونـس: مـسـيـرة ومحـطــات

الإنتـاج الغنـائي في تونـس: مـسـيـرة ومحـطــات

 

بقلم:الأستاذ فتحي زغندة

( مدير إدارة الموسيقى بوزارة الثقافة سابقا)

لقد اخترنا أن يقتصر هذا المقال على الأغنية، باعتبار أن الإنتاج الموسيقي في تونس – كما في سائر البلدان العربية – كاد ينحصر في هذا لشكل، حيث تحتلّ الأغنية حيّزا هامّا في ما يروّج في الحفلات العامّة والخاصة وعن طريق قنوات البثّ كالإذاعة والتلفزيون وعبر مختلف المحامل السمعية البصرية التي عرفت تطوّرا مذهلا خلال العقود الماضية.

وهذه “الهيمنة” المطلقة للأغنية ليست بالحديثة، بل هي ظاهرة موروثة عن تقاليد عربية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ، فمنذ الجاهلية ارتبطت الموسيقى بالغناء والترنّم بالأشعار.

وطبعت الموسيقى العربية في مختلف مراحل تاريخها بطغيان الأغنية على حساب سائر الأشكال.

وسنستعرض فيما يلي أهمّ الأطوار التي مرّت بها الأغنية في بلادنا منذ بداية القرن العشرين حتى مشارف القرن الحادي والعشرين، وسنقتصر على الأغنية المنتشرة في الأوساط الحضرية، وهي مختلفة جوهريا عن الأغاني الشعبية المنتشرة في البوادي والأرياف التونسية من حيث اللغة الموسيقية وطرق الأداء، ونتوقّـف عند أبرز المؤلّـفات في هذا المجال، من التي شكّـل ظهورها حدثا في المسيرة الموسيقية سواء من حيث إضافاتها الإبداعية أو بسبب انتشارها بصفة خاصة حتى أصبحت تميّـز إحدى السمات البارزة التي طبعت الإنتاج الموسيقي التونسي المعاصر.

ويتّجه اهتمامنا بالخصوص إلى الجانب الموسيقي من حيث خصائص التلحين، دون التعمق في الجوانب الأدبية، أو ذكر المطربين (أو المطربات) الذين أدّوا الأغاني المذكورة، وإن ذكروا فباعتبارهم ملحنين بالأساس وفي ذلك سعي إلى استجلاء المصادر الرئيسية التي استلهم منها الملحنون أعمالهم الفنية والوقوف عند التفاعلات الإيجابية والسلبية التي ميزت مواقف الجمهزور المتلقي ووسائل الإعلام بمختلف أشكالها المسموعة والمرئية، والمكتوبة، مع تلك الأعمال التي بقيت محل جدل بمناسبة المهرجانات الفنية والندوات وغيرها من المناسبات، ونتساءل إن كان هناك رابط بين ما عرفته الأغنية في تونس من نجاحات أو انتكاسات بحسب تقويم الجمهور والنقاد، وإن هي ما زالت قادرة بمفردها على المساهمة في صقل المواهب والتعبير عن تفاعل المجتمع التونسي مع أهم القضايا السياسية والاجتماعية، أم أن الوعي الجمعي ما زال يعتبر الموسيقى عامة والأغنية بصفة خاصة مجرد أداة للهو والترويح عن النفس وصرف الأنظار عن القضايا الرئيسية التي يطرحها المجتمع؟

تعريـف الأغنيـة:

نقصد بـ “الأغنية” كلّ ما يؤدّي غناء، سواء أكان نصّه بالفصحى أو في إحدى اللهجات المحلية (الدارجة والملحون) بصرف النظر عن البنية الموسيقية وطريقة التلحين ويستثـنى من “الأغنية” كل القوالب المنتمية إلى الموسيقى التقليدية التونسية كالموشح، والزجل و”الفوندو” و”الشغل” وغيرها من القوالب التي سبق التعرض إليها.

كما تستـثنى من “الأغنية” القوالب المستعملة في الموسيقى التقليدية الشرقية كالموشح والدور (وهو نوع من الزجل المصري، يشبه الموشح من حيث قالبه الشعري وبحره، ويتخلّل تلحينه “آهات” أي ترنم بكلمة “آه” تخضع لتلوينات وتصرّفات يرتجلها المغنّـي ويردّدها المنشدون بعده).

وتكاد مضامين الأغنية تنحصر في الأغراض الغزلية كالتحسّر على فراق الحبيب أو التوق إلى لقائه وذكر المحاسن الخلقية منها والبدنية.

ومن المضامين ما هو متعلّق بالوطن وبالاحتفالات والأعياد الوطنية والدينيـة، وكذلك ببعض مظاهر الحياة الاجتماعية والمهنية التي ترافق مراحل العمر من ولادة وختـان وزفاف وغيرها وفلاحة وصناعة… ويتميّـز عدد من الأغاني بطابع مرح يعرف بالأغاني “الفكاهية” وتتضمّن عادة نقدا ساخرا لبعض مظاهر الحياة الاجتماعية.

ولا تخلو نصوص الأغاني من المحسنات البديعية كالاستعارات والتشبيه والمبالغات، وتختلف الصناعة الشعرية من شاعر إلى آخر من حيث سعة الخيال ورقة الأحاسيس والقدرة على التبليغ…

أما من حيث البناء الموسيقي فتشتمل الأغنية الحضرية عادة على مقدّمة يمكن أن تنقسم إلى قسمين أوّلهما ذو إيقاع حرّ والثاني مبني على أحد الإيقاعات المتداولة والمستعملة سواء في الموسيقى التونسية أو الشرقية بلونيـهما التقليدي والشعبي، ويلي المقدّمة غناء “المذهب” وهو الجزء المتركّب من بيتـين أو أكثر الذي يؤدّيه المغنّي ثم يعاد غناؤه إثر كل جزء من أجزاء الأغنية وغالبا ما تختم به.

وتشتمل الأغنية على فواصل موسيقية تسمّى “لوازم” (مفردها لازمة) تفصل بين أجزائها، وقد تأتي الأغنية في إيقاعات ومقامات موحّدة، ويمكن أن تبنى على إيقاعات ومقامات مختلفة، وتؤدى أغلب الأغاني من قبل مطربين أو مطربات بصفة فردية أو جماعية وترافق بآلات وترية وهوائية وإيقاعية وبأخرى إلكترونية.

تطوّر الأغنية في تونس خلال القرن العشرين:

الطور الأول:

ليس من اليسير ضبط المراحل التي مرّ بها تطوّر الأغنية التونسية خاصة في بداية القرن العشرين لندرة المصادر المكتوبة والمسموعة، ممّا يوحي أنّ الممارسة الموسيقية كادت أن تنحصر في أداء التراث المتّصل بالطرق الصوفية، وأهمّها العيساوية، نسبة إلى سيدي محمد بن عيسى (1467-1526م) والقادرية، نسبة إلى سيدي عبد القادر الجيلاني (1097-1165م) والسلامية، نسبة إلى سيدي عبد السلام الأسمر (1475-1573م).

ويعتبر أداء ذلك التراث مسموحا به باعتبار اتّصاله بالمعتقد واشتماله على أدعية ومدائح تحثّ على طاعة الله والرسول وتمجّد خصال الأولياء والصالحين… وقد انتشرت الزوايا (مفردها زاوية وهي مزارات الأولياء، يجتمع فيها المنتسبون إلى إحدى الطرق الصوفية قصد التعبّد والتقرّب إلى الله ومدح شيوخ الطريقة).

ويحتلّ “المالوف” الجانب الأوفر ممّا يؤدّي في الحفلات وغيرها من المناسبات الاحتفالية، بالإضافة إلى بعض الأغاني التونسية والشرقية.

وانتشرت في بداية القرن أغان تونسية طغى عليها الابتذال على غرار أغنية “يا قصّاب يا وخي” من حيث مضامينها وضعها موسيقيون من اليهود التونسييـن وهي امتداد لما انتشر في أوساط الغناء اليهودية من غان كانت تعرض في المقاهي بحي سيدي مردوم بالعاصمة.

ويعتبر الشيخ أحمد الوافي (1850-1921) العلامة المضيئة الوحيدة في سماء الموسيقى التونسية خلال الثلث الأول من القرن الحالي، بفضل سعة ثقافته الأدبية والموسيقية واتّـساع دائرة الرصيد الذي حفظه من المالوف التونسي ومن الموشّحات والأدوار الشرقية، وتجسّمت ملكاته الأدبية والفنية في ما تركه من روائع نذكر من بينها موشّحات “هجرتني يا خي” و”يا

لقومي ضيعوني” و”زارني منيتي” وكلّها في مقام “الشهناز” (الفارسي الأصل، ومعنى الكلمة: دلال السلطان) ويعدّ أحمد الوافي أوّل من استعمـله في التأليف الموسيقي المتقن، و”بدري بدا” و”قاضي العشق” في مقام “الأصبعين” في لهجة قريبة من مقام “الحجاز” الشرقي، وبذلك يعدّ الشيخ الوافي أول من نجح في إيجاد أسلوب يمكن اعتباره خلاصة ذكية للموسيقى العربية بلونيها المغربي (التونسي) والمشرقي، ولا توجد في إنتاجه الزاخر الأغاني الخفيفة، وتنسب إليه أغنية: نخطم على الأوهام …… يا مقواني”

الطـور الثانـي:

وتربّعت على عرش الغناء في فترة ما بين الحربين مجموعة من المغنّـين من يهود تونس من أبرزهم الشيخ العفريت (1884 – 1939) الذي اشتهر بأغانيه ذات الطابع الشعبي التونسي، وحبيبة مسيكة (1893 – 1930) التي تألّقـت بجمالها، وأدّت عددا من الموشّحات والأدوار الشرقية وسجّلت بعضها على اسطوانات.

وطغى الإسفاف على مجمل الأغاني المتداولة في الثلث الأول من القرن العشرين كما في بعض الأغاني التي سجّلتها حبيبة مسيكة: “ما ترد بالك على عقلك” و”جوزي تزوّج عليّ” و”لبّسنى يا بابا طربوشك” و”شم الكوكايين”…

وشعرت النخبة المثقفة بالأخطار المحدقة بالهوية الثقافية الوطنية ذات البعد العربي الإسلامي، وتعاظم هذا التخوف إثر تنظيم المؤتمر الإفخارستي في تونس خلال شهر ماي 1930 والذي برزت من خلال توصياته نية القضاء على الهوية الثقافية التونسية، من خلال الإفراط في استعمال اللغة الفرنسية على حساب اللغة الرئيسية للبلاد وإدخال الأغاني “الفرنكو عربية”، إضافة إلى اكتساح الإنتاج الموسيقي المشرقي للسوق التونسية فعوضت الموشحات والأدوار والطقاطيق المصرية المالوف والأغاني التونسية.

أضف إللا كل ذلك رجوع الوفد التونسي المشارك في المؤتمر الأول للموسيقى العربية بالقاهرة سنة 1932 ال\ي أكد على ضرورة عناية كل قطر من الأقطار العربية بترثها الموسيقي الأصيل، وفي هذا اسياق لا بد من التنويه بالدور الذي اضطلع به البارون رودلف ديرلانجي في تثمين الموسيقى التونسية جمعا وتدوينا.

ونتيجة لكل تلك العوامل أسست جمعية الرشيدية سنة 1934، التي سيكون لها سيكون لها دور ريادي في انتشال الموسيقى التونسية ممّا تردّت فيه وذلك بإعادة الاعتبار للتراث التقليدي (المالوف) جمعا وتدوينا وأداء ونشرا ودفعا لإنتاج وتعليما، بعد بعض المحاولات المسجلة في هذا المجال من قبل عدد من الجمعيات الفنية، وما كان ذلك ليتحقّـق لولا التفاف صفوة الأدباء والموسيقيـين حول هذه الجمعية فلم يمرّ زمن طويل حتى زخرت الساحة الفنية بأغان جيّدة ساهمت في مصالحة التونسيين مع فنّـهم وفي الحدّ من موجة الأغاني الشرقية التي اكتسحت البيوت والأماكن العامة…

واحتفظت ذاكرة التونسيين بعدد من هذه الأغاني التي أصبحت جزء لا يتجزّأ من تراثنا من بينها للشيخ خميس الترنان “يا لايمي يزيني” (وهي أول أغنية مسجّلة بدفتر المعهد الرشيدي بتاريخ 10 ديسمبر 1935) و”غزالي نفر” و”باش كون بدلتيني يا خاينة” و”فوق الشجرة” و”محلاها تذبيلة عينك”، وساهم صوت المطربة صليحة في إعطاء أبعاد جمالية لما غنّـته في نطاق الرشيدية بما حباها الله من جمال صوت وحسن أداء ومرهف حسّ ورفعة ذوق وقدرة فائقة على التعبـير فنفـذت أغانيها إلى الألباب والتفّ حولها التونسيون بمختلف شرائحهم واجدين فيها خير مترجم عن دفين أحاسيسهم…

وسلك الشيخ الترنان (1894 – 1964) في مجمل ما لحّنه من أغان مسالك ثلاثة اعتمد في أوّلها على المقامات التونسية كما في: “ياللي بعدك ضيّع فكري” (مزموم) و”يا خاينة باش كون بدّلتيني” (رمل الماية) و”ليعتني بشد الهوى يا دوجة” (عراق) وأظهر في الثاني حنكة في استعمال المقامات الشرقية كما في قصيدي: “يا زهرة” (راست) و”هجر الحبيب” (جهاركاه) و”غنّ يا عصفور” (هزام) و”غزالي نفر” (صبا) و”شرع الحب” (بياتي شوري). أما المسلك الأخير فتندرج فيه الأغاني التي مزجت فيها الطبوع التونسية بالمقامات الشرقية ومن هذا الصنف “كيف دار كاس الحب” (بين راست الذيل والنكريز) و”محال كلمة آه” (بين محير العراق والرهاوي)…

ومن الملحنين الذين برزوا في الأربعينات الهادي الجويني (1909 – 1990) وهو ملحّن ومطرب ترك إنتاجا زاخرا طبع الأغنية التونسية بطابع مميّـز وينقسم إنتاجه إلى أعمال ترتكز على الطبوع والإيقاعات التونسية: “خلخال بورطلين فوق الحنّـة” و”ياللي نسيتي خالك” (محيّر عراق) و”يا خندودة” (مزموم) وأخرى نحى فيها منحى ذا تأثير مشرقي: دور “العتاب” (زنكولاه) و”كي بغيتي اطيري يا حمامة” (بسته نكار)… وقسم أخير لحّن في أسلوب يذكّـر بالفلامنكو الإسباني (لاموني اللي غاروا منّي” و”تحت الياسمينة في الليل” و”ساعة هنية” و”لو كان موش الصبر يطفي ناري”…).

ولعبت الإذاعة التونسية بعد تأسيسها سنة 1938 دورا بارزا في نشر الأغاني التونسية، والتعريف بالمؤلّـفيـن والموسيقيـين، وخصّصت لأبرز المطربين حصصا إذاعية أسبوعية يعرضون فيها أهمّ أعمالهم القديمة والجديدة، وبذلك عاضدت الإذاعة مساعي الرشيدية في مجال دفع الإنتاج الغنائي التونسي ونشره.

وساهم ملحنون في إثراء الساحة الغنائية بظهور ملحنين انطلقوا من الرشيدية وعرفهم الجمهور من خلال الإذاعة أو الحفلات الخاصة نذكر منهم قدور الصرارفي (1913 – 1977) ملحن أغنية: “لا نمثلك بالشمس ولا بالقمرة” (أصبعين) و”محلا النسيم” (راست) و”آه من العينين” (عجم) و”ياطير تعدّيت منين” (بياتي)…

هذا الإنتاج الغنائي الغزير يعد بلا منازع ثمرة لحركية ثقافية نشيطة شهدتها بلادنا في فترة ما بين الحربين، من أهم مظاهرها الحركة الأدبية التي أسسها جماعة “تحت السور” والتي جمعت ثلة من الشعراء والأدباء الذين عملوا على بعث إنتاج يعكس خصوصيات المجتمع التونسي.

الطـور الثالـث:

ومن رواد الأغنية التونسية في النصف الأول من القرن العشرين علي الرياحي (1912 – 1970) الذي بدأ حياته الفنية كمقلّـد للأغاني المشرقية، ثم دخل التلحين فاتّـسمت أعماله الأولى بتأثّـرها بالطابع الشرقي: “العالم يضحك” و”يا شاغلة بالي” و”ياللي ظالمني” (راست)… ثم ما لبث أن أصبح يمزج الطبوع التونسية بالمقامات الشرقية كما في أغانيه “أنا كي الطير” (راست ومحير عراق) و”ما حبّـيـتش” (محير سيكاه والنهاوند) كما مزج بين المقامات الشرقية والإيقاعات التونسية: “تكويت وما قلت أحّيت” (نهاوند مع سعداوي) و”بيت الشعر” (بياتي مع سعداوي وفزاني).

وقد وفّـق علي الرياحي إلى حدّ كبير في وضع أسس مدرسة تونسية في التلحين تعتبر خلاصة للهجتين الشرقية والتونسية.

واحتلّ صالح المهدي (1925 – 2014) مكانا بارزا بصفته ملحنا أثرى الرصيد الغنائي خلال فترة تواصلت بدون انقطاع من الأربعينات إلى اليوم أفرزت إنتاجا زاخرا ومتنوّعا من القصائد والأغاني في أساليب مختلفة ساهمت بدورها في رسم ملامح الأغنية التونسية المعاصرة بفضل دقّـة معرفة صاحبها وإتقـانه للطبوع والإيقاعات التونسية والمقامات والضروب الشرقية فمن أغانيه في النمط التونسي “يا زين الصحراء وبهجتها” (أصبعين) و”دار الفلك” (ماية) و”هالزين هذا لواش” (أصبهان) ومن الأغاني الملحّـنة في المقامات الشرقية نذكر “نظرة من عينك تسحرني” (راست) و”يا خدود التفاح” (نهاوند) وقصيدي “إليك مددت الكف في كل شدّة” (حجاز) و”حبيبي لماذا تخليت عني” (بياتي)…

ومن أعلام الموسيقى في النصف الأول من القرن العشرين محمد الجموسي (1910 – 1982)  الذي لحّن العديد من الأغاني وسجل أغلبها بفرنسا، من أعماله المشهورة “العذول” والفن الفن” (نهاوند) و”ريحة البلاد” (راست) و”وينك يا غالي” و”الليلة عيد” (بياتي)…

الطـور الرابـع:

ومع مطلع الخمسينات ظهر جيل جديد من الملحنين أبرزهم، إضافة إلى ما ذكر، رضا القلعي (1931 – 2004)، الذي اشتهر كذلك ببراعـته في العزف على آلة الكمنجة، ومن أغانيه التي ملأت الساحة وشدّت إليها الناس طويلا “ظلموني حبايبي” و”نرجعلك لازم نرجعلك” (راست) و”ملاك يا ملاك” و”سميرة يا سميرتنا” (بياتي)، ساهمت أغانيه في نحت نجومية علية ونعمة والهادي القلال والهادي المقراني وغيرهم

وتميّز الملحّن الشاذلي خماجة (شهر أنور، 1925 – 1995)، الذي  جاءت جلّ ألحانه في الطابعين التونسي والشرقي، بالرقّـة والعمق ورهافة الإحساس واحتلّـت أغانيه مكان الصدارة في ما بثّـته الإذاعة بين الستينات وأواخر السبعينات “قالولي على الشهلة تغني” و”خلخال ذهبي يرن” و”لبستك من عطفي حلّة” و”أم شعر حرير” (بياتي) و”ياسمين وفلّ سالمة” (راست) إضافة إلى عدد من الأغاني الوطنية أبرزها على الإطلاق “بني وطني” (راست) للشاعر عبد المجيد بن جدو والتي أدتها علية، وأصبحت رمزا لكفاح الشعب التونسي لاسترداد كل شبر من أرض تونس التي احتلها المستعمر الفرنسي.

ومنذ الخمسينات من القرن فقدت الرشيدية وظيفتها كهيكل رئيسي للإنتاج الغنائي المتميّـز بروح الأصالة، وكاد دورها ينحصر في أداء التراث واستقطاب شيوخه من حفظة “المالوف” والباحثيـن والعازفيـن والملحنيـن والمنشديـن والمطربيـن، وأخذت الإذاعة المشعل في مجال الإنتاج الاستهلاكي ملبّـية بذلك حاجتها من الأغاني التونسية متنـوّعـة الأساليب والأشكال والمضامين قصد ملء ساعات البثّ، وبقدر ما أفاد ذلك الموسيقى والموسيقيـين بقدر ما أثّـر سلبا أحيانا على مسار الأغنية، بحكم تسجيل أغان لا تستجيب لمقاييس الطرافة والجودة، ولعلّ ذلك ما يفسّر أن الذاكرة الجماعية لم تحتفظ إلا بجزء يسـيـر نسبيّـا من الإنتاج الغنائي الذي سجّـل وبثّ على مدى أكثر من ثلاثين سنة.

وفي أواخر الستينات أعطى عدد من الملحنين نفسا مجدّدا للأغنية التونسية بالاعتماد على النغمات والإيقاعات الشعبية ( الحضرية ) ويعدّ عبد الحميد ساسي(1934 – 1984) أبرز هؤلاء، وما زالت بعض أغانيه تردّد وتذاع وتلقى الاستحسان منها “كان الكلام من فضة” (بياتي مع استعمال إيقاع الفزاني) و”ما عندي والي” (بياتي مع استعمال إيقاع السوقة) و”قالوا زيني عامل حالة” (التي تداخلت فيها المقامات الشرقية بالطبوع التونسية واستعمل فيها إيقاع البوحلة الشعبي) وفتحت هذه الأغاني الباب أمام موجة جديدة تستمدّ مقوّماتها من الموسيقى الشعبية، وأثارت تبعا لذلك ضجّة في أوساط المثقفين والموسيقيين من منطلق أن ألحانها ومضامينها لم ترق إلى صيغ وصور شعرية “عميـقـة” واعتبر البعض رواجها مظهرا من مظاهر انتكاسة الأغنية التونسية في السبعينات، رغم أن أصحابها برهنوا على موهبة فائقة في التلحين كما يظهر في أغنية “قلبي غالي” (بياتي شروي) مثلا من تلحين عبد الحميد ساسي نفسه. واحتلّ أحمد حمزة (1930 – 2008) مكانا بارزا في هذه الموجة من

الأغاني “الشعبية” التي قد تكون وراء انتشار أعمال نعتت بالملتزمة واعتمدت على كلمات مشحونة بمعاني “النضال” لنصرة قضايا العدل في العالم وللتعبـيـر عن أصوات المقهورين والمستضعفيـن، وجاءت هذه الأغاني نتيجة لما اعتبره المثقفون وبعشض السياسيين قمعا لنضالهم من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومن الأسماء التي برزت في هذا المجال الهادي قلّة (1950 – 2012) الذي اشتهر في بداية تجربته الفنية بأغنية “بابور زمّر” ومحمد بحر والزين الصافي وكان أغلبهم يغني في أوساط الطلبة واليسار التونسي…

وتعتبر هذه الموجة امتدادا لبعض التجارب الفنيـة في المشرق وأهمها مدرسة الشيخ إمام عيسى، إلا أنّـها لم تصمد في تونس أكثر من عقـد ونيّـف لانعدام التوازن بين الكلمات والألحان والأداء فقد اعتبر العنصران الأخيران، أي اللحن والأداء، في مرتبة ثانوية مقارنة بالمضامين، وربما أيضا لما لاقته من قمع من قبل السلطة الحاكمة…

الطـور الخامـس:

ونشأت في تونس حركة مجدّدة قام بها عدد من خريجي معاهد الموسيقى: محمد القرفي (1948 – ) وأحمد عاشور (1945 – ) وحمادي بن عثمان (1946 – ) وفتحي زغندة (1949 -) وعزالدين العياشي (1944 -) الذين حاولوا كسر القيود الفنية المفروضة على الإنتاج ذي الانتشار الواسع، فقدّموا ضمن مجموعة أطلقـت على نفسها اسم أركستر 71″، نسبة إلى السنة التي بعثت فيها، أعمالا تعتمد على التوزيع الموسيقي وتوافق الأصوات فتعدّدت الآلات بأنواعها في صلب الفرقة وتعتبر محاولة هذه المجموعة امتدادا لتجارب مصرية ولبنانية وقد مهّد لها في تونس كل من محمد التريكي ومحمد سعادة وصالح المهدي في بعض مؤلّفاتهم.

ولم تعمّر التجربة طويلا لأسباب ذاتية تتعلّق باختلاف في الرؤية الفنية لأصحابها، وأخرى موضوعية لها صلة بطبيعة الموسيقى المقترحة وبمدى تقبّل المستمعين لها، حيث لم يكتب للمحاولات أن تفرض نفسها على مسامع الجمهور الواسع فلم تصمد أمام السيل الجارف من الأغاني ذات الطابع الخفيف والصبغة الترفيهية والتجارية.

وفي الثمانينات أفرزت معاهد الموسيقى والجمعيات جيلا من الملحنين استطاعوا إيصال أعمالهم إلى الجمهور العريض من خلال وسائل الإعلام والعروض العامة والخاصة، وتأسست الفرقة الوطنية للموسيقى سنة 1983 وساهمت في تنشيط الحياة الموسيقية وفي بروز أعمال نالت استحسان الجمهور في تونس وفي عدد من الأقطار العربية التي زارتها في إطار أسابيع ثقافية نظمتها وزارة الإشراف.، وفي هذه المرحلة من تاريخ تونس عرفت الموسيقى تناغما مع وسائل الإعلام التي فتحت قنواتها للعديد من المبدعين  وساهمت في التعريف بأعمالهم ومن الإعلاميين الذين لهم أياد بيضاء في هذا المدال المرحوم نجيب الخطاب…

ومن الأغاني التي طبعت هذه الفترة “عيني على سحر الهوى” (جهار كاه) و”يا ناس محلا السهر” (راست) لعدنان الشواشي و”همس الموج” (صبا) و”شمس النهار” (بين الراست والعرضاوي) و”نادوا معاي الصبر” (سيكاه) وثلاثتها لعبد الكريم صحابو، وقصيد “انتظار” وأغنية “أنا أسمر” وهما من تلحين فتحي زغندة ، و “أنت مرادي” (راست) و “لمن يا هوى” (بياتي) لعبد الرحمان العياـدي و “كلمة منك” (راست) و”يا ليل” (رصد الذيل) وكلاهما لمحمد الصالح الحركاتي وغيرها من الأغاني، إضافة إلى ما أنتجه الجيل السابق مثل قصيدي “الساحرة” و “تعالى” من تلحين محمد رضا، وساعد على انتعاشة الإنتاج الموسيقي التونسي بعث الفرقة الوطنية للموسيقى التي احتضنت أهم الملحنين والشعراء والجيل الجديد من المطربين والمطربات الذين تميزوا بأصواتهم الجميلة وأدائهم المتميّز (لطفي بوشناق وعدنان الشواشي وصلاح مصباح وثامر عبد الجواد وأمينة فاخت وصوفية صادق ولطيفة العرفاوي وذكرى محمد وغيرهم كثير…)

يبدو من خلال هذا العرض السريع لمختلف المراحل التي مرّ بها الإنتاج الغنائي في بلادنا، أن الأغنية، في شكلها الذي تمّ بيانه، تعدّ أبرز تعبير في مجال الموسيقى، وأن المتمعّن في مقوّماتها الموسيقية وعلاقتها بالمتلقّي يلاحظ توالي فترات من الركود متبوعة بأخرى تتميّز بلمسات إبداعية تنـمّ عن استفاقة الملحنين والأدباء، وارتبطت هذه الفترات بأحداث سياسية وثقافية كان لها تأثير مباشر أو غير مباشر في تقلبات الإنتاج، وما من شكّ أن أغلب الفترات لم تخل من الجيّـد والمتواضع من الإنتاج إلا أنّ نسبتهما هي التي تحدّد الازدهار والركود الذين يطبعان مختلف الأطوار التي مرّ بها إنتاج الأغنية في بلادنا، وما من شكّ كذلك أن إنتاج الموسيقييـن يتفاوت من حيث نسبة الإضافة والإبداع فيه ويصحّ في هذا المضمار القول بأنّ “لكل زمان جاحظ” “ولكل جواد كبوة “ولا تحتفظ الذاكرة الجماعية عادة إلاّ بالأجود مما تتوفّر فيه عناصر الإبداع.

وإنّ المتمعّن في هذه العناصر يخلص إلى أن أغلب الملحّنين تمكّنوا على امتداد الفترات المتعاقبة من إفراز طابع مميّز للموسيقى التونسية يمكن اعتباره خلاصة ناجحة وطريفة للموسيقى الموروثة ومن التعبيرات المجاورة وأبرزها الشرقية والأندلسية، وذلك بحكم الموقع الجغرافي المتميّـز لتونس.

وتكمن عبقرية التونسي على امتداد العصور في قدرته على الابتكار والإضافة انطلاقا من تراثه الفنّـي وباستعمال ذكيّ لروافد خارجية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية.

 

ومنذ انتشار وسائل الاتصال الحديثة غير المرتبطة بالسلطة الحاكمة عرفت الأغنية منعرجا جديدا حيث أن منتجيها أصبحوا رهن معادلة صعبة تتمثل في محاولة التنسيق بين طموحهم في الإبداع والنزول عند رغبة المتلقي الذي أصبح ذوقه الفني وميوله يبنى من قبل وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الجماهيرية، ولعل ذلك ما يفسر أن الأغنية كشكل للتعبير الفني نقص حضورها، وأن العولمة التي نعيش مظاهرها في حياتنا اليومية يمكن أن تقضي على مفهوم التونسة الذي لطالما اعتبره المثقفون أحد ركائز الابداع ومبتغاه، فهل أن قالب الأغنية نفسه يحتاج اليوم إلى مراجعة؟ باعتبار أن العديد من أهل القطاع لم يعودوا يعتبرونه قادرا، على أن يكون الوسيلة التعبيرية الوحيدة عن طموح الناس وعن خلجاتهم وأفكارهم وطموحاتهم وأن يعكس وضعهم الاجتماعي والنفسي والثقافي، وأن يسهم في الارتقاء بالموسيقى في بلادنا والسموّ بها إلى فنّ يحمل في طياته رسالة إنسانية ويوقظ الحس ويحثّ على التفتّـح المستمرّ للذات وتأصيل الكيان وتجذير الهوية التي تعتبر مقوّما هاما من مقوّمات المجموعة الوطنية، ودورها بصفتها رافدا من روافد النهضة الشاملة المنشودة ودرعا واقيا من كل ما من شأنه أن يمسّ بالاستقرار والتوازن للأفراد والمجموعات، لا مجرد أداة للهو والترويح عن النفس وصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تواجه مجتمعنا..             

الفنانة صليحة                                                                                     الفنانة حبيبة مسيكة

 

الفنان الهادي الجويني                                                       الفنان علي الرياحي

الفنانة  نعمة                                                                                          الفنانة علية

 

 

 

Share This:

Leave a Reply