البترول في تونس:بين الواقع والحلم

: البترول في تونس:بين الواقع والحلم

أ.د محمد الصغير قايد

 

حقائق اقتصادية: البترول في تونس:بين الواقع والحلم

أ.د محمد الصغير قايد

بالمقارنة مع جيرانها ليبيا و الجزائر فإنّ البلاد التونسية ليست لها مدخرات نفطية كبيرة وذلك للاعتبارات التّالية:

1) تبين البنية الجيولوجية عدم وجود مكامن واسعة للنفط رغم وجود العديد من الأحواض الرّسوبية الكبيرة.

2) تتعرّض التركيبات الجيولوجية الحاوية للزيت الصّخري للعديد من الأنشطة التّكتونيكية وبالتّالي فإنّ أغلب كميات النفط التي تكونت في الأحواض الرّسوبية التّونسية هاجرت إلى مكامن أخرى خارج حدود البلاد.

المدّخرات:

حسب العديد من الخبراء و الدراسات فإنّ تونس لديها احتياطي مؤكّد من النفط الخام يقدّر ب425 مليون برميل (تقدير 2014) يقع أساسا في خليج  قابس و في أقصى الجنوب التونسي (ولايتي تطاوين و قبلي)

الإنتاج:

تنتج تونس حاليا 70 ألف برميل نفط يوميا.

%73 من هذا الإنتاج يأتي من ستّة حقول نفطية و هي :

آدم- عشتارت –ديدون -البرمة و ميسكار وواد الزار.أصبح اليوم حقل آدم الذي يقع في برج الخضراء في أقصى ولاية تطاوين،أهمّ حقل في البلاد حيث يقدّر إنتاجه اليومي ب 18 ألف برميل وهذا الحقل  تديره شركة AGIP الإيطالية.

تطور إنتاج النفط الخام بتونس سنة 2016 (المصدر: موقع الشركة التونسية للأنشطة البترولية

الحاجيات:

و هذا الإنتاج لا يفي بالحاجة لأنّ حاجيات البلاد تفوق 93 ألف برميل يوميا و يعتبر القطاع الصّناعي أكبر مستهلك للطاقة ب36٪ من مجموع الاستهلاك و قطاع النقل ب30٪ منه.

الطاقة التكريرية:

و يقع تكرير النفط المستخرج من هذه الحقول بمحطّة وحيدة متواجدة بجرزونة قرب مدينة بنزرت بطاقة إنتاج تقدّر ب:34 ألف برميل يوميا و بالتالي فإنّ تونس تجد نفسها مضطرّة لتصدير النفط الخام وتوريد النفط المكرر وأمام هذه الوضعية فإنّه تقرّر سنة 2007 بناء محطّة ثانية لتكريرالنفط بجهة الصخيرة من ولاية صفاقس بطاقة إنتاج يومي قدّرت ب120 ألف برميل يوميا.

حسب تقرير الشركة التونسية للأنشطة البترولية فإنّ تونس تنتج 3737 ألف طن من البترول (تقرير سنة 2010) وأنّ هذه الكمية في تناقص كبير نظرا لنضوب العديد من الابار.وفي الأسابيع القليلة  الماضية تراجع إنتاج  النفط إلى نصف معدل اإنتاج و ذلك نتيجة التحرّكات الاجتماعية الأخيرة بولايتي تطاوين وقبلي.

ما حقيقة الإستكشافات الجديدة:

ثمّ إكتشاف خلال سنة 2011 أربعة ابار جديدة وهي بئر قبودية الواقعة في عرض البحر بسواحل المهدية و بئر بشرى 1 ببرج الخضراء و حسب المعطيات الأولية فإنّ طاقة إنتاج هذه الابار لا تتعدّى حدود   6٪ من طاقة الإنتاج الوطني أي حوالي 4000 برميل يوميا.

أما من ناحية أخرى فلقد كثر الحديث هذه الأيام عن بئر تمّ اكتشافها حديثا بسيدي عمر بوحجلة من ولاية القيروان التي يمكن أن تحتوي على مخزون هائل من النفط. غير أن هذا مازالت الدراسات لم تأكده في انتظار المسح الجيوفيزيائي بثلاثة أبعاد وحفر ابار أخرى استكشافية والتي من المحتمل تأكيد أو نفي هذا المخزون الهائل.

الأمل والحلم جائزان:

إنّ التّقرير الأخير لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الذي نشرته على موقعها الرسمي بالواب أكّد إمكانية وجود مخزون هائل للنفط بالبلاد التونسية وبالتالي بات من الضروري تكثيف أنشطة البحث و المسح الجيوفيزيائي ثلاثية الأبعاد. وهذا مما دفع بالحكومة التونسية الممثلة من طرف الشركة التونسية للأنشطة البترولية لإسناد العديد من رخص التنقيب عن المحروقات( نفط، غاز) و التي بلغت إلى يومنا هذا أكثر من 52 رخصة تمسح 166981 كم2 .و تتجه الأنظار أكثر إلى الشمال التونسي وخاصّة ولايتي الكاف وسليانة علما وأنّ الشركة التونسية للأنشطة البترولية،هي المخوّلة الوحيدة والممثلة للدّولة التونسية في عمليات البحث وإنتاج المحروقات التي تقوم بها شركات أجنبية ذات جنسيات مختلفة تعدّ قرابة الخمسين شركة.

 

 

خريطة  رخص التفتيش واستغلال المحروقات في تونس  (المصدر: موقع الشركة التونسية للأنشطة البترولية)
 

تداعيات الإعتصامات و الإضرابات في هذا القطاع:

منذ أكثر من شهرين أي بداية من 03 أفريل 2017 شهدت ولايتي  تطاوين و قبلي احتجاجات و إعتصامات كبيرة أدّت إلى غلق مؤسّسات الإنتاج و توقّفها عن النشاط وهذا يسبّب في تداعيات خطيرة و بالأساس عجز الميزان التجاري للبلاد التونسية حيث يقدّر النّقص في المبيعات بحوالي 24 مليون دينار في الأسبوع (المصدر:أفريكان ماناجر بتاريخ 02/06/2017 )علما وأنّ قطاع المحروقات يساهم بقرابة 8٪ من الناتج القومي الخام.

نبهت وزارة الطاقة و المناجم و الطاقات المتجدّدة في بلاغ لها نشرته وكالة تونس إفريقيا لأنباء يوم 01/06/2017  إلى أن توقّف الإنتاج بولايتي  تطاوين وقبلّي قد يضرّ إضرارا كبيرا بالاقتصاد الوطني وكذلك بالقدرة الشرائية للمواطن التونسي حيث تتّجه النية في التّرفيع في سعر المحروقات في القريب العاجل كما أكّد البلاغ على أنّ ايّ تخريب للمنشات النفطية و الغازية و للأنابيب النّاقلة من شأنه أن يلحق أضرارا تقنية و مادية و بيئية كبيرة تتكبّدها المجموعة الوطنية منها الذي يمسّ بأبناء الجهة العاملين بهذا القطاع و المهدّدين بالرّفت في صورة التوقّف عن الإنتاج من قبل الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الدّولة التونسية.

إنّ تراجع طاقة الإنتاج و توقّفه تماما ينعكس سلبا على الاقتصاد التّونسيّ و التعهدات الدولية التي تعقدها الدولة التونسية وكذلك على إسناد رخص الاستكشاف و الإنتاج في هذا الميدان لأنّ اغلبية الشركات العاملة في هذا الميدان لم تكن مستعدّة للاستثمار في قطاع البحث و الاستكشاف أو تطوير بعض الحقول التي في طريقها للنضوب.

الخاتمة:

إنّ حملة “وينو البترول” التي قامت بها بعض المجموعات بدفع مفضوح من بعض الأحزاب الغير وطنية هي عبارة عن زوبعة في فنجان وإنّ الإعتصامات الأخيرة في الكامور (ولاية تطاوين) وبولاية قبلي لم تجني إلاّ المزيد من التدهور الاقتصادي لبلادنا والمزيد من أعداد العاطلين عن العمل ولا قدّر الله تكون سببا في تسريح المئات من العملة المنتمين لهذه الجهة العزيزة على قلوب التونسيين،وإلى يومنا هذا تعتبر الثروة النفطية محدودة جدّا وأنّ المتأمّل في البنية الجيولوجية التونسية يلاحظ وجود العديد من الأحواض الرسوبية الكبرى التي من الممكن احتواءها لمكامن للمحروقات و لكن يبقى الأمل قائما وذلك يشحذ الهمم و بتحريك مستوى الاستثمارات في مجال البحث و التنقيب وبجلب المزيد من الشركات الكبرى المختصّة في  هذا الميدان ولا بالإعتصامات و التحرّكات الإجتماعية التي لا تجلب لتونس إلاّ المصائب  والتدهور الاقتصادي الذي سينعكس عاجلا على المواطن التونسي ذو الدّخل الضّعيف.

 

Share This:

Leave a Reply