التوحّش…والتدعوش: الدكتور أحمد ذياب

ahmed dhieb

منذ خمسة عشر ألف سنة تحركت قطعان الذئاب المفترسة من غابها لتتقرّب من بعض مساكن البشر.. تقتات من الفتات والفضلات.. بعضها ألف المكان واقترب أكثر. تحرّك بعض البشر ليدرّب الأقرب منها على حراسة مساكنهم مقابل إطعامها.. كذا تحوّلت الذئاب هذه إلى كلاب.. على إنّ علم الأنثروبولوجيا لم يستطعبعد التأكيد على إمكانية تحوّل هذه الكلاب إلى دواعش. يبدو أننا لا نعلم إن هي تدعوشت؟

أما عن بعض صحفيي الجزيرة وبعض القنوات الأخرى التي تحدثت عن جهاديين(؟) قدموا إلى مقبرتهم ببن قردان، فحدّث ولا حرج. ذاك أن طباعهم الغادرة بالأمة العربية، وبتونس خاصة بعد ربيعها، لا يمكن أن تسمح لهم بالانتماء إلى الجنس البشري. وهو ما نقصد في هذا المقال بالتوحّش..ولعلّ الموضة في هذه الأشهر الأخيرة حوّلت التوحّش إلى ما أسميته التدعوش… وهو الأخطر.. فالسباعلا تلام انطلاقا من خلقها، بطبيعتهاالمفترسة، أما من غادر بيت أبويه وتدعوش فهو وحش في شكل آدميّ… فهل يمكن له يوما العودة إلى ما كان عليه؟

ماذا أقول وأنا أستاذ تشريح وعلاقتي بالموت والجثة علاقة مهنية أكسبتني كثيرا من جواهر الفلسفة. وكثيرا من الاحترام للموت والميّت.. ولي في الموضوع ما يمكن أن يملأ كتبا.. لكنني سوف أكتفي بالقول بأنّ للجثة حرمتها وأن للميت حرمته لا محالة. غير أنّ البشر بشر قد يعذر في بعض نخوته ونشوة الانتصار على العدوّ الغدّار… خاصة إذا ما تعلّق الأمر بشبان في بداية الطريق إلى لذّة دحر أعداء الوطن.

ولأنّ ما قام به بعض الجنود لا يتجاوز أن يكون تصرّفا يكاد يكون عفويا وأنّ العيب يكمن في من ينقل وينشر الصور هذه حتى تصل إلى المحترمة خديجة بن قنة..لأنّ الصورة هذه قد أرعدت بعض مفاصلها… كيف؟ ذاك أنّها لم تتوقّع أبدا أن يكون لجيش تونس البطل رائحة لانتصار مثل هذا.. لم تتصور… لم تتكهّن… بل لعلّها كانت تتوقع فقط أن ينتصر جيش دواعشها التي رصدت له المليارات من أهل جزيرة أفكارها الظلامية…

في نفس السياق، لعلّ من أغرب ما سمعنا هذه الأيام تسمية من قام بإرهاب أهلنا ببن قردان بالجهاديين. غربة ما نسمعه من الإعلام العبري حين ينعت المقاومين الفلسطينيين المغتصبة أرضهم بالإرهابيين. ناهيك أن مجلس وزراء الداخلية العرب قد وصف محرري جنوب لبنان بالإرهابيين! وبالطبع هنا يلتقي العدوّ الإسرائيلي بالشقيق العربي على مائدة التعريف المشترك لإخوتنا من لبنان والذين لقّنوا جيوش إسرائيل أكبر درس…

وأسئلة أخرى محيّرة بعد أنا شاهدنا بعض من تسلّقوا جدار الصحافة ذات الرائحة الكريهة والتي يشتمّ فيها رائحة الدم،شاهدناهم يذرفون دمعا على صورة إرهابيّ قتلته أيادي الأسود التونسية إلى جانب البعض من أبطالنا. أسئلة تحيّرنا لأننا لم نتعوّد هذا التشرذم العربي والتجزئة الحثيثة خطاها في الوطن العربي. لم نتعوّد عداء من بعض أهلنا لأهلنا..   تسرّب سرطان بعض القنوات التلفزيةوالتي لا يمكن أن تمثّل الشعوب الشقيقة بالخليج العربي.. ساهمت في تمزيق أوصال وطننا متواطئة بوضوح لا يدع مجالا للشك مع العدوّ الإسرائيلي.. أضف إلى أنّني قد طرحت سابقا وفي كتابات سابقة، موضوع هذه القنوات التي تحاول أن تدّعي الديمقراطية وتهتك عرض وطول الوطن… فلا يهمّها إن تسبّبت في بتر جنوب السودان أو في تقطيع العراق إلى ثلاث دويلات.. وحتى سوريا ولم لا ليبيا….

مرّ زمان تخيلنا فيه بعض الصحفيات بطلات الإعلام العربي….. بفتنتها، وفهمنا فعلا وبسرعة أنهن تحرّكن الفتنة فعلا بيننا… وبالمساحيق التي تطلين بها سحناتهن.. وفهمنا أنها مساحيق الكذب والتدجيل والبهتان والنفاق والنعيق…. لم يرعبهن أن يغتصب الوطن.. لم تتحسّرنعلى قتل مئات الآلاف من العرب الأبرياء.. لم تحرّكنبنت شفة حين فتك آل إسرائيل بأطفال فلسطين…لكنّهن تتحسرن على من تدعوش وقتله جندي تونسي…

صحفيون لم يسمعوا ذاك الأب الشامخ في بساطته وفكره حين استشهدت ابنته. لعلّهم لم يستمعوا إلى برامج تونسية مباشرة دون مساحيق… أنتم في تونس بعد الرابع عشر من جانفي.. ولعلّكم لم تسمعوا عن برنار هانري ليفي الذي تميّز حسب الأمم المتحدة بالمتسبّب في قتل أكبر عدد من البشر في السنوات الأخيرة!… بل أخفيتم خبرا مثل هذا صادر عن الأمم المتحدة!

متى اعترفتم بحقوق الإنسانحتى تشيرون بها وعليها عندما يتعلّق بقتلة ومجرمين يقتلون أهاليهم ويرعبونهم؟

ليس لنا أن نندب أو نفزع أو نلطم على الكلاب باسم حقوق الإنسان…

ثم أي دولة إسلامية تدافعون عنها هذه التي لم تنتم للإسلام في شيء؟

أيّ إسلام ترغبون في نشره والحال أن هذه الحركة الوهابية تستأصل من دماغ البشر الذي كرّمه الله… تستأصل كلّ منطق وكلّ عقلانية؟

أيّ فكر تبغون نشره بيننا؟؟

لماذا لا تجرؤ القنوات المتخلفة هذه تحريك النعرات المتواجدة بينكم؟

ألم يفت لكم شيوخكم بأن بول البعير يهدئ الأعصاب المتوترة؟ لماذا لا تتناولوا، لا تشربوا شيئا منه حتى تهدؤوا… حتى تستريحوا.. لعلّبعض صوابكم يعود..

ما الذي أصابكم حتى تنسوا التاريخ وهل عرفتم التاريخ يوما؟ هل نسيتم حنبعل والكاهنة وأحمد بن الجزار وابن خلدون والطاهر الحداد وبورقيبة؟

لقد انكشفت كل حيلكم، كل ألاعيبكم، كل خزعبلاتكم، كل الخيوط الصهيونية فيكم.. انفضح أمركم. لا يمكنكم بعد اليوم أن تدّعوا وطنية ما.. هجرتم أوطانكم الحقيقية… أوطان العزةّ والهيبة.. واندفعتم إلى برّ البعير وبوله، تشفون به غليلكم.ولهم أن يدوسوا بالحذاء كلّ أفكاركم الرجعية المتخلفة.

فضحتكم تعابير ألسنتكم.. عرفتكم ذات يوم في بيت العرب بتونستدافعون عن شقيقة آل عثمان بكل شراسة.. فضحتُكم يومها وعبّرتُ بكلّ ما أوتيتُ من حريةِ تعبيرٍ ببلدي تونس، عبّرت عن سخطي لبعض المواقف وكانت قناتكم المباشرة تنقل الندوة ولعلّها اقتطعت كلامي ولم تمرّره. يومها التحقت بي صحفية تسألني لم أتحامل على تركيا وشقيقتها؟ أوضحت لها أنليس لي عداء لشعب تركيا ولا لأيّ شعب عربي أو مسلم، وإنما قضيتي كانت مع النظام التركي. قضيتي مع أولئك الذين يدوسون على حرمة بلدي.. مشكلتي مع الذين يتفوهون باسم الدين ويسفكون دم الأبرياء.

أنا طبيب ولكني قبل أن أكون طبيبا أنا جندي لتونس ولمغربي العربي الكبير وللوطن العربي ككل. سوف أقاتل بالقلم وبالحجر والعصا والبندقية… سوف لن أكون حاضنا لبؤسكم وتعاسة تفكيركم الرجعي وتكفيركم المنافق. ليس في تونس حاضنة لتخلّفكم،لتدعوشكم ولإغراءات أموالكم التي سوف تنضب لا محالة…

سوف أرسم بالدم اسمه عاليا لأنّه أمات الميت وقتل الميّت ميتتين، كما قتلكم أحياء وأذلّكم أحياء فموتوا بحقدكم.. سوف تكفّنون بما قد يكون أصابكم من ذعر حين صمد التوانسة في وجه الغادرين بوطن كانوا فيها أعزّاء..

ذاك أن هذا الوطن وطننا.. وهذه الأرض أرضنا.. سوف لن نفرّط في شبر من مغربنا.. سوف نقف صفّا واحدا .. طابورا واحدا.. كلّنا بن قردان……سوف نفدي الوطن بأرواحنا…من أي موقع.فتحية لأبطال مدينتي..

سوف تبقى الكلاب كلابا ولن يرحمهم التاريخ…

وسوف أقبّل حذاء ذاك الجندي الباسل الذي صوّر نفسه مع جثّة الكلب الغادر.

Share This:

Leave a Reply