واقع الكتابة المسرحية في تونس ووقعه على عمل الممثل: بقلم: ربيعة ابن لطيفة

واقع الكتابة المسرحية في تونس ووقعه على عمل الممثل

بقلم: ربيعة ابن لطيفة : جامعية من تونس

 

  1. أنماط الكتابة المسرحية:

تعرف كتابة النص المسرحي أنماطا متعدّدة كغيرها في أغلب التجارب فإمّا أن يكون ترجمة حرفيّة لنص أجنبي أو اقتباسا عن آثار أدبية، أو هو دراماتورجيا مكتوبة مخصّصة لعرض وسنحاول من خلال تفسيرنا لكلّ نمط في الكتابة أن نبيّن مدى تطويع هذا النص لخدمة العرض المسرحي كفرجة وكتجليّ جسدي.

  • ترجمة النصوص المسرحية الأجنبيّة:

بالرّجوع إلى ما يعنيه مصطلح الترجمة فهي تكون عادّة حرفيّة أي تحويل في لغة النص دون المساس بأسماء الشخصيات والأماكن والأزمنة وقد يرى العديد من المفكرين في ذلك تعسّفا من مترجم النص على ذاته فتحد من تواصله مع المتلقي ومن طبيعة علاقته بالشخصيات التي يحس طيلة الترجمة أنه ليس مبدعها الأول.

  • النصوص المقتبسة:

لفظ اقتباس مشتق من فعل “اقتبس” ويعني اصطلاحا “استفاد” لذلك يمكن أن نقول أنّ الاقتباس عن النصوص المسرحيّة بلغة أجنبيّة أو بلغة عربيّة هو بمثابة الاستفادة منها، حيث يحافظ الكاتب عن أحداث المسرحية الأصلية وعلى تطوّر خطها الدّرامي، مع إضفاء أبعادا فلسفيّة وفكريّة وفنيّة جديدة. من أشهر الأعمال المسرحيّة التونسيّة التي عرفت بكونها اقتباسا عن آثار عالميّة

الماريشال المقتبسة عن Le Bourgeois gentilhomme

ولكن في المقابل تعرّف العديد من المسرحيّات الأخرى بكونها تعتمد على نصوص مقتبسة دون ذكر لعناوين النصّوص الأصليّة ولا لأصحابها ولطالما يبقى خفيّا عن المتلقي التونسي العادّي أنها أعمال مقتبسة ما لم يصرح بذلك في المعلقات الإشهاريّة الخاصّة بالعرض. هذه النصّوص الأجنبيّة التي وقعت “تونستها” تمثل جواز سفر لبلوغ أفكار بعض الكتاب العالمين ألباب المسرحيين التونسيين وللوصول إلى ذائقة الجمهور التونسي. وبالتالي يمكننا القول أنّ الاقتباس في المسرح التونسي هو أن تجعل قصّة أجنبيّة تتحدّث إلى التونسيين وتتجسّد بممثليّن تونسييّن يعني ذلك لدى المسرحيّين أن نلبسها ثوبا تونسيّا. وكما سبق وذكرنا على الترجمة كونها إعادة كتابة بلغة عربيّة فإنّ الاقتباس هو أيضا إعادة كتابة بلغة عربيّة ولكن بروح تونسيّة، هو إعادة كتابة لجسد تونسي ولذهن تونسي….

  • الـدّراماتورجيا:

هـــو فنّ مستقل بذاته غير مرتبط بمرجعيّة نصيّة سابقة، مرجعيّته الأساسيّة فكريّة وحسيّة وسمعيّة بصريّة، تتجاوز الدّراماتورجيا كتابة النص الدرامي لتشمل الإخراج و إعداد السّينوغرافيا و إدارة الممثـّلين… و كلّ ما يتعلق بتحويل النص الدرامي من نص منقوص أو مثقوب كما تقول آن أوبرسفالد إلى رؤية متكاملة للعرض، رغم تعدّد أنماط الكتابة في المسرح فإنّ ظاهرة جديدة رافقت المسرح المعاصر و هي مرتبطة بواقع ثقافي يضع المخرجين أو مديري و أصحاب الفضاءات الثقافيّة الخاصّة أو المؤسسات العموميّة المهتمّة بالمسرح في مقدّمة العمل المسرحي.

  1. الأطر الجماليّة والأطر الماديّة لكتابة الخطاب المسرحي في تونس:

أصبح المخرج في المسرح التونسي المعاصر علما خاصّة عندما نتحدث عن المسرحيّين الكبار اللذين هم مديرو فضاءات مسرحيّة إذ تتصدر أسمائهم الأعمال المسرحيّة، ورغم أنّ القضية ليست قضيّة أسماء بقدر ما هي قضيّة إبداع عرض مسرحي فإنّ الإبداعات تنسب إلى المخرج الذي يكون غالبا مدير          وصاحب الشركة أو الفضاء المسرحي ونادرا ما نسمع عن كاتب النص إن لم نقل أنّ كتابة النص هي أيضا من مشمولات المخرج. 

أما إذا تحدّثنا عن الرّؤية المتكاملة للعرض المسرحي فيمكن القول إنها الأكثر شيوعا في المسرح التونسي المعاصر خاصة في الفضاءات الثقافية الخاصة هذا ما يطرح سؤالين هامين:

  • السؤال الأول هل إن الرؤية المتكاملة للعرض هي مطية يتخذها المسرحيّون التونسيّون (الكبار أو المعروفون) لفرض توجّه جمالي يميزهم عن بعضهم البعض؟ أو أنهم لا يعتقدون في قدرة الشباب الهاوي أو المحترف حديثا على إنجاز أعمال مسرحية تليق بأسماء هذه الفضاءات الكبيرة؟ وتجدر الإشارة أنهم حتى وإن استعانوا بشبّان لإعداد السّينوغرافيا والإضاءة والملابس فإنّ تصميم  وإعداد وتخطيط كلّ ذلك نابع منهم.
  • السّؤال الثاني متعلق بفئة أخرى من المسرحيّين وهم الشبان المتخرّجون من المعاهد العليا للفنون الدراميّة الذين ينساقون في تيارات تجريبيّة تشحذهم على تجربة الإخراج والكتابة وأحيانا إعداد السّينوغرافيا وإدارة الممثـّلين وتكون أحيانا في شكل ثنائيّات أو مجموعة صغيرة تدفعها الطموحات والأحلام اليافعة لخوض التجربة فلماذا لا يتجرأ إلا قلة قليلة منهم على تبني رؤية خاصة به والانطلاق بها نحو الاحتراف؟

ربـّما كان لهذين السؤالين المرتبطين بالمستوى الإبداعي للعرض المسرحي في تونس ارتباط وثيق “بالهاجس المادّي” الذي هو سبب رئيسي لشيوع الرؤية المتكاملة للعرض حيث أنّ قطاع المسرح في تونس يعتمد على الدّعم الوطني وهو أيضا من القطاعات الضعيفة المردوديّة ماديّا لذلك فإنّ المبدعين يلتجئون من باب الضغط على المصاريف إلى القيام بأكثر المهام الإبداعية بمفردهم.

 في مستوى آخر تحدّد التوجهات الجماليّة في كتابة الخطاب الدّرامي علاقة الممثـّلين بالمخرجين وأحيانا تفرض اختيارهم للعمل مع بعضهم. لذلك يمكن أن نميّز 3 أنماط من العلاقات بين المخرجين والممثـّلين:

  • علاقة المخرجين الذين يكونون عادّة من كبار المسرحيّين التونسيّين أو بعض مديري الفضاءات الخاصّة… بممثل مشهور ومعروف في الوسط الثقافي، يكون تعامله مع أحد هؤلاء المخرجين شبه قاّر أو دائم. فيكون الاتفاق في الرّؤى والتصّورات للعرض حاصلا بطبعه فنرى في إبداع هؤلاء الممثلين تماهيا مع فكر المخرج الذين يتعاملون معه وينتج أحيانا عن هذا التوافق ثنائيّات قارّة نذكر من بينها الفاضل الجعايبي وجليلة بكار في مسرح فاميليا، الراحل عزّ الدين قنـّون وليلى طوبال في مسرح الحمراء…
  • النوع الثاني هو الآخر في علاقة بالمخرجين الكبار في تونس أيضا وهم من المخرجين الشّبان من المعاهد العليّا للفنون الدراميّة أو من مراكز الفنون الرّكحية أو كذلك من الشباب المتكوّن من تربصات تقيمها بعض الفضاءات الخاصّة في تونس مثل فضاء الحمراء، فضاء التياترو…هؤلاء الممثـّلون في بداية طريقهم وأمام قناعاتهم بعظمة هؤلاء المخرجين وبعبقريّة رؤاهم الفنيّة ينساقون وراء إتباع ما يمليه عليهم هؤلاء المخرجون التونسيّون.
  • النوع الثالث ينصهر في علاقات إبداعيّة تختلف إطاراتها وهياكل إنتاجها بين الهواية والاحتراف ولكنها تصطبغ عادّة بنزعة التجريب والمحاولات الجماعيّة.

خلاصة:

ذكرنا خلال هذا المقال مختلف أنماط الكتابة في المسرح التونسي من ترجمة النصوص المسرحية الأجنبيّة والنصوص المقتبسة والـدّراماتورجيا وشرحنا خصوصيات كل نمط منها وذكرنا تأثير الكتابة المسرحية المعاصرة على مكانة الممثل وعلى علاقته بالمخرج وبكافة الأفراد المساهمة في العمل المسرحي، وخاصة بالمخرج الذي أصبح في المسرح التونسي المعاصر علما خاصّة عندما نتحدث عن المسرحيّين الكبار الذين هم مديرو فضاءات مسرحيّة إذ تتصدر أسمائهم الأعمال المسرحيّة، ويجدر بنا في هذا المستوى الإشارة إلى أن المكانة التي أصبح المخرج يكتسبها في ق 20 لقيت الكثير من النقد ونلتمس ذلك من خلال العديد من النظريات والنصوص النقدية التي ترى أن سلطة المخرج تقيد و تقنن    و تضبط تحرك جسد الممثل على خشبة المسرح. غالبا ما تعرف هذه السلطة للمخرج في تونس الفرق الكبرى في حين ينخرط العديد من الهواة في مغامرات إبداعية يساهم فيها كل المبدعين بنفس الحماسة والرغبة في التجريب. هناك أيضا هياكل أخرى عرفت نصوصا جادة وأفرزت أعمالا مسرحية أبرزت العديد من الممثلين وهو المسرح المدرسي والمسرح الجامعي…

ولكن مهما اختلفت التوجّهات الجماليّة والانتماءات الفنيّة فإنّ الممثل التونسي من خلال أدائه الجسدي للنصوص المسرحية، يحمل بدرجة أولى رسالة مجتمعه ويعبّر -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر عن مشاغل المجتمع ثم هو يرفع كذلك لبسا ثقافيا يقرّ بتبعيّة الثقافة التونسية إذ أنّ التوجّهات الجماليّة للفرق التونسية على اختلاف هياكلها الإنتاجية التي تنتمي إليها تعكس بحثا دائما على التجديد ونحت كيان ثقافي خاصّ بالممثل التونسي.

 

 

Share This:

Leave a Reply