الندوات الفكريّة والعلميّة ندوة الصحافة المكتوبة ورهانات المستقبل بين الورق والإلكتروني

 

الصحافة الورقية أزمة وجود

بقلم أ. أحمد حمزة 

 

يبقى السؤال الأهم في هذا الجو من السيل الإعلامي العابر للحدود ما هو مستقبل وشكل الإعلام المستقبلي سواء أكان صحافة مطبوعة أو إلكترونية فإن المادة والرسالة  وقيمة المحتوى الإعلامي في النهاية هي التي تحدد من الذي على مستوى الجودة لأنه ما فائدة الإعلام الإلكتروني إذا كانت المادة سطحية و غير مفيدة للقارئ في اعتقادي أن المحتوى يلعب دورا هاما:

 

النشر الإلكتروني بدأ يرسخ ثقافته الإعلامية وعاداته الإخبارية، وأولى هذه العادات هي “المجانية”، والثانية هي “السرعة في ملاحقة الأحداث”، والثالثة هي “قائمة الاختيارات غير محدودة”.

أعجبني مثال علق به توفيق بو عشرين، رئيس تحرير صحيفة “أخبار اليوم” المغربية

على ما نناقشه اليوم هنا حيث قال: مثل شخص كان يجلس إلى طاولة مطعم ينتظر ما يقترح عليه النادل من وجبات محدودة يدفع ثمنها قبل مغادرة المطعم، ولكن في يوم وليلة وجد نفسه أمام “بوفيه” مفتوح عليه كمية كبيرة من الطعام من كل صنف ولون، جلها أطعمة بالمجان.. فماذا سيصنع؟ ستتغير عاداته الاستهلاكية، ونمط أكله، وميزانية جيبه، ومع المدة سيصعب عليه الرجوع إلى المطعم التقليدي.

هذا ما يحدث اليوم للصحافة الورقية في الغرب والشرق معا، منافسة شرسة من الإعلام الإلكتروني الذي يقدم الخبر والصورة والفيديو في قائمة أخبار واحدة ويسمح لك باختيارات واسعة، وبقدرة آنية على التعبير عن رأيك سلبا أو إيجابا.

طبعا هذه السلعة الإعلامية التي تقدم بالمجان في الغالب لا تحمل جودة الإعلام التقليدي ولا رصانته ولا مصداقيته ولا حرفيته، ولكن القارئ يعتبر أن الأمر ليس على هذه الدرجة من الخطورة التي نتصورها نحن معشر الصحافيين، وأنه قد يستهلك مادة غير جيدة على الإنترنت لكنها ليست مادة قاتلة. ثم إن التعدد الكبير الموجود تحت أزرار محركات البحث يمكن أن يقلل من الأضرار الجانبية للمادة الإعلامية التي يدفع المعلن ثمنها لوحده مقابل ترويج سلعة.

عدد من مراكز البحث في الغرب أصبحت تضع أعمارا افتراضية للورق في أمريكا وأوروبا لا يتعدى ١٠ إلى ١٥ سنة، بعدها ستصير الصحف الورقية موجودة في مكان واحد فقط هو المتحف.. والجميع سيدخل إلى خيمة “النت” طائعا أو مكرها، لأن الجيل الجديد الذي يكبر اليوم في حضن التكنولوجيا الرقمية لن يكون باستطاعته أن يرجع إلى استهلاك الصحافة في الورق، تماما مثلما هجر الإنسان اليوم السفر بواسطة عربات تجرها الخيول لأنها من جهة بطيئة.. ومن جهة أخرى مكلفة. مع هذا فأنا واحد من الذين يعتقدون بأنه ما زال أمام الصحافة الورقية فرص للنجاة من الانقراض.. إذا ما استطاعت أن تجد نموذجا تحريريا واقتصاديا قادرا ليس على مواجهة الموجة الإلكترونية، بل على السباحة مع هذه الموجة ومجاراة التطورات الحاصلة في هذا المجال.

ـ لكي تستطيع الصحافة الورقية أن تصمد أمام تحدي الإعلام الرقمي، لا بد وأن تصير جزءا من مؤسسات إعلامية كبيرة متعددة الوسائط تستثمر في الإذاعة والتلفزيون والمواقع الإخبارية على”النت” و كل المهن و المجالات المتصلة بالإعلام. وذلك كي لا تبقى معزولة عن السوق التي تنمو بسرعة، و حتى لا تختنق في وسيلة إعلام واحدة. إذن تنوع مجالات استثماراتها ودخولها إلى الأسواق الجديدة والوسائل الإعلامية الحديثة ينقذها من خطر النموذج الاقتصادي الهش الذي لا ينفتح على التطور و على تقاطعات مجالات الأنشطة الاقتصادية المتصلة بالإعلام.

٢ـ لا بد للصحافة الورقية التخلي عن وهم الانتشار الواسع واستهداف فئات متعددة في  الآن نفسه. هذا زمن ولى، و ستصير الصحافة الورقية في المستقبل وسيطا إعلاميا نخبويا أكثر وستتجه إلى صناع القرار الذين سيحتاجون إلى عمق أكبر في المتابعة الصحافية للأحداث، وتعاليق أكثر من الخبراء والمتخصصين حول مواضيع متشبعة ومعقدة، وإلى تحاليل دقيقة من قبل إطار صحافي مدرب ومتخصص. وبذلك ستلبي الصحافة الورقية حاجات معرفية خاصة غير موجودة على “النت” أو في مواقع التواصل الاجتماعي. لكن هذا يتطلب تغييرات جوهرية في صالات التحرير وفي تكوين الموارد البشرية وفي أسلوب الكتابة الصحافية.

٣ـ مؤسسات الصحافة الورقية مطالبة برفع أثمان بيع الصحف لكي تحقق نوعا من التوازن بين مداخيل الإعلانات ومداخيل المبيعات، التي لا تشكل اليوم إلا نسبة رمزية من مجموع مداخيل المؤسسات الصحافية. لماذا؟ لأن مداخيل الإعلانات ستتراجع حتما مع تدني عدد قراء الصحافة الورقية وارتفاع عدد مستهلكي المادة الإعلامية الإلكترونية. ولهذا على الصحافة الورقية الخروج من منافسة غير متكافئة ومن معركة خاسرة، و التوجه نحو النخبة القادرة على دفع ثمن مادة صحافية رصينة ومهنية ومستقلة، لا يتدخل المعلن للتأثير على خطها التحريري ولا ينشغل طاقمها بتوسيع مجال استهداف فئات واسعة.

 

ـ المجالات المتخصصة: تتطلب خبرة وكفاءة خاصة في أعضاء جهازها التحريري، “فالصحافي المتخصص أشبه ما يكون بالباحث العلمي. لذا، يجب أن يتجاوز دوره مجرد الأداء الصحافي المعتاد، وهو تقديم وجبة سريعة من المادة الصحافية، بل يمتد إلى دور آخر أعمق، وهو التحليل وكشف الأبعاد والخلفيات الفنية الدقيقة، على أسس علمية ومنطقية، وذلك من شأنه أن يجذب مزيدا من المعلنين الذين يرغبون في استهداف نوعية محددة من القراء المهتمين بشراء منتجات أو سلع تحاكي اهتماماتهم أو تخصصاتهم المهنية.

٥ـ أن تتدخل المؤسسات الخيرية في تملك وإدارة الصحف كتجارة وصناعة وذلك على اعتبار أن الصحف وصناعة الخبر تهدف أساسا للارتقاء بالوطن والمواطن وهي أهداف نبيلة تعمل على تحقيقها كذلك مؤسسات المجتمع المدني والتي منها المؤسسات الخيرية التي تهدف من خلال جمع التبرعات خدمة قطاعات المجتمع والتي قد يكون الإعلام والأخبار أحد أوجهها التنويرية، وبالتالي نقول إنه يمكن إنقاذ بعض الصحف من خلال بيعها لمؤسسات خيرية تقوم هي بإدارتها كصحف ذات أهداف خيرية من خلال تقديمها للمجتمع خدمة الإعلام والأخبار والتنوير وتمويل نشاطاتها بالطرق التي طالما عملت من خلالها هذه الجمعيات والمتمثلة بمشاركة المجتمع في تمويل ودعم نشاطاتها وأعمالها الاجتماعية الخيرية.

 

Share This:

Leave a Reply