طلبة القلعة الكبرى من خلال سجلات ترسيم الدارسين في جامع الزيتونة

 

طلبة القلعة الكبرى من خلال سجلات ترسيم الدارسين في جامع         الزيتونة      

 د. حسن المناعي

الاسم واللقب: حسن المناعي

 تاريخ و مكان الولادة: 22/11/1949

الشهائد العلمية: دكتورا دولة في العلوم الإسلامية

 الصفة:أستاذ تعليم عالي

 المؤسسة التعليمية:جامعة أم القرى بمكة المكرمة-المدينة المنورة-جامعة الإمام محمد ابن السعود بالرياض –كليات التربية سلطة عمان-جامعة الزيتونة بتونس

 

 

hassen

طلبة القلعة الكبرى من خلال سجلات ترسيم الدارسين في جامع الزيتونة

مقدمة :

أتاح لنا البحث في سجلات ترسيم طلبة جامع الزيتونة التي انتقلت من مشيخة جامع الزيتونة إلى عمادة الجامعة الزيتونية فالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين فجامعة الزيتونة اليوم، وتحديدا بخزائن ” وحدة بحث تاريخ جامعة الزيتونة “، يمكن من خلال وثائقها استخلاص بعض الملاحظات، على الرغم من شحّ المعطيات التي توفّرها لنا سجلات ترسيم طلبة الجامع الأعظم بحاضرة تونس.

وبلا ريب فإنّ تسليط الضوء على مجمل الأحوال التعليمية والاجتماعية الزيتونية والتي انتجت على سبيل المثال النخب العلمية أصيلة منطقة القلعة الكبرى، أمر ذو بال علميا
وتاريخيا، ويمكّن من التعرّف على هوية الطالب الزيتوني القلعي من خلال وثائق الإدارة الزيتونية وعلى مدى تأثرها بمحيطها التاريخي وبفضائها الجغرافي ؟

  • هوية الطالب القلعي بالنظر إلى ثلاثة محدّدات هي :I-

  • 1 – انتماؤه العائلي :

    أ – من خلال لقبه :

    – نعاين تواتر ألقاب عائلات من مناطق مجاورة استقرّت في مشيخة القلعة الكبرى خاصة من جهات ولاية القيروان اليوم.

    – نعثر على ألقاب تُنسب إلى مشيخة القلعة الصغرى، برغم أنّها لعائلات من القلعة الكبرى، فضلا عن ألقاب عائلات سوسية مثل بوراوي، وحتى من جهات ولاية المنستير اليوم.

    ب – من خلال انتمائه الجغرافي :

    ما يمكن ملاحظته من البداية هو اعتمادنا على مرحلة تحرّك محدّدة كنموذج فقط للتعرّف على هذه الهوية لذلك اخترنا في هذه الفترة في السجلات الزيتونية المتوفّرة بين سنتيْ 1874 م و1899 م، والحاملة لأسماء الطلبة  للمعطيات التالية : يحتوي الدفتر على أسماء الطلبة مرتّبة ترتيبا عشوائيا من غير منهجيّة وقد كان اسم الطالب القلعي يُختم دائما بلقب الساحلي، نظرا لكون التقسيم الإداري يومها يقوم على ما يسمّى بوطن الساحل ثم عمل الساحل، وضمنه مشيخة القلعة الكبرى، ثمّ تغيّرت التسمية فأصبح الحديث عن عمل سوسة، وضمنه مشيخة القلعة  الكبرى.

  • – نعاين تواتر ألقاب عائلات من مناطق مجاورة استقرّت في مشيخة القلعة الكبرى خاصة من جهات ولاية القيروان اليوم.- نعثر على ألقاب تُنسب إلى مشيخة القلعة الصغرى، برغم أنّها لعائلات من القلعة الكبرى، فضلا عن ألقاب عائلات سوسية مثل بوراوي، وحتى من جهات ولاية المنستير اليوم.
  • ج – من خلال انتمائه المذهبي :

    تحتوي سجلات الطلبة على كثير من المعطيات الهامة منها :

    – التنصيص في سجّلات ترسيم طلبة الزيتونة على مذهب كل تلميذ زيتونيّ، حيث كان التعليم الزيتوني ومنذ قانون ” المعلقة ” الذي أصدره أحمد باشا باي الأوّل[1]، ينصّ على وجود طبقتين من الشيوخ المدرّسين : تتكوّن الأولى من 15 شيخ مالكي، وتتألّف الثانية من 15 شيخا حنفيّا، تفاعلا مع سيادة مذهبين في الإيالة التونسية، هما المذهب الحنفي وهو المذهب الرسمي لعائلة البايات الحاكمة في تونس ولطبقة الأتراك الموالية لها، والمذهب المالكي وهو المذهب الشعبي للبلاد.

    – عدم تسجيل في هذا المعنى وجود طلبة قلاعة أحناف أو إباضية، مثلما هو معلوم في أوساط بعض المناطق الأخرى للإيالة التونسية.

     [1]  جاء في قانون التعليم بجامع الزيتونة المسمّى بالمعلّقة، بسبب كتابته بماء الذهب وتعليقه على باب الشفاء بالجامع الأعظم، ما يلي : ” جميع دخل بيت المال الذي كان يُستعان بأخذه على مصالح العباد، ومهمّات البلاد، جعله ( المشير أحمد باشا أمير المؤمنين بالقطر التونسي ) إعانة للعلم الشريف على ترتيب أنتجه الفكر السديد، ورأيه الصائب الحميد، وهو انتخاب خمسة عشر عالما من المالكية ومثلهم من الحنفيّة…”. محمد بن عثمان الحشائشي، تاريخ جامع الزيتونة، تحقيق الجيلاني بن الحاج يحي، دار نهى للطباعة والنشر والتوزيع، صفاقس، ص ص 43 –44

    2 – القائم بولاية الطالب القلعي :

    كانت مشيخة الزيتونة في حاجة إلى مخاطب رسميّ يتحمّل مسؤولية الأفعال التي يقوم بها الطالب، ويكون المكلّف بتلقّي الأخبار التي تخصّ الطالب القلعي في حياته الزيتونية.

    وقد لاحظنا أنّ الطالب القلعي، إمّا أن يكون له وليّ في بلده ووليّ في تونس،  تحدّد صفته ومقرّ إقامته، أو أن يكون وليّ نفسه بتونس ووليّه ببلده والده أو أحد أفراد عائلته. وقد يكون وليّه في تونس طالبا أكبر سنّا منه، ويقطن بإحدى مدارس لاسكنى الطلبة.

    3 – أماكن سكنى الطالب القلعي :

    هنالك ثلاثة أنواع من أماكن سكنى طلبة الزيتونة من أصيلي القلعة الكبرى.

    – إمّا بمدرسة جامع الهواء خاصة، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، أو في مدرسة الجامع الجديد أو بمدرسة صاحب الطابع.

    – وإمّا بإحدى الوكايل، مثل وكالة محمد بن الحاج. وهي نوع من السكن الجامعي الخاص.

    – ويمكن أن يُقيم الطالب القلعي مع والده العامل بتونس، وهي حالات نادرة جدّا، وتبرز تمسّك القلعي بموطنه.

    I I– معطيات أخرى توفّرها سجلات الترسيم عن الطالب القلعي :

    كلّ طالب قلعي يتّصل بدفتره يُذكر تاريخ التسليم وعلى يدي أيّ شيخ تمّ التسليم،  ممّا يمكّننا من معرفة أحد أو مجموعة شيوخ الطالب القلعي. وقد حظي طلبة القلعة بمساعدة الشيخ المدرّس محمد علي بن عامر أصيل القلعة الكبرى.وفي صورة ما إذا أضاع الطالب دفتره، فيمكن وعلى نحو استثنائيّ تمكينه من نسخة أخرى على أن يدوّن ذلك في السجلّ، مع ذكر واحد أو أكثر من المشايخ الذين يأذنون بذلك ويشهدون به كضامن لتسليم الطالب المعني نسخة ثانية من سجله،   وهو الأمر الذي تمّ مع طالب قلعي في .يوم سبت من رجب سنة 1254هـ .

    كما نلاحظ أنّه كان يُطلق على بعض طلبة القلعة الكبرى لقب دينيّ مثل الفقيه أحمد بن عثمان أو الحاج عبد القادر بن أحمد دودش.

    III – التنافس بين طلبة القلعتين الكبرى والصغرى : من خلال دفاتر ترسيم طلبة الجامع الأعظم

    طلبة الزيتونة أصيلي القلعة الصغرى طلبة الزيتونة أصيلي القلعة الكبرى السنة
    12 13 1310 هـ
    8 13 1311 هـ
    12 12 1312 هـ
    19 15 1313 هـ
    23 5 1314 هـ
    22 13 1315 هـ
    1919 م – 1922 م
     8 13 1933 م
    4 10 1293 هـ – 1296 هـ
    108 94 المجموع

    – نلاحظ وجود عائلات بالقلعة الكبرى قد توارثت تقليد تدريس أبنائهم في جامع الزيتونة.

    – التفوّق النسبي المسجّل في عدد الطلبة المنحدرين من مدينة القلعة الصغرى لا يترجم عدد أبنائها الأصيلين، وإنّما أيضا أسماء بعض الطلبة المستقرّين فيها، ويترجم هذا العدد الهام من طلبة القلعتين بالجامع الأعظم بالعاصمة حجم إقبال أبناء الساحل التونسي على التعليم، ومراهنتهم عليه في تغيير واقع أبنائهم، والارتقاء به نحو الأفضل، من خلال تحويل مستقبلهم من الأعمال الفلاحية والحرفية والتجارية إلى قطاعات جديدة، مثل التعليم والقضاء وما يتّصل بهما من أنشطة إلى جانب الاندماج في الوظائف العمومية.

    – يبدو أنّ الاضطهاد الذي عرفته منطقة الساحل التونسي على يدي الجنرال أحمد زرّوق بعد فشل ثورة علي بن غذاهم ومصادرة أملاكهم وإثقال كاهلهم بالضرائب قد حدا بهم إلى دفع أبنائهم نحو التعليم للتعويض المعنوي عن خسائرهم المادية، فقد راهنوا على التعليم، من منطلق إيمانهم غير الخافي بأنّ التعليم هو أفضل مصعد للرقي الاجتماعي، بالنسبة إلى أبناء الطبقات الوسطى بالمملكة التونسية.

    الخاتمة :

    لقد حاولنا في هذا البحث تسليط الضوء على جانب من حضور أبناء القلعة الكبرى في التعليم الزيتوني، من خلال استنطاق سجلات، متوفّرة لدينا في وحدة بحث تاريخ جامعة الزيتونة، بما يوسّع أمام الباحثين آفاق النظر وينوّعها، وبما يُتيح لهم فُرص النبش  في كافة المجالات، واستقراء كلّ الوثائق المتاحة لديهم. وقد تأدّى لنا عن طريق استنطاق الوثائق الزيتونية، بربط محتواها بصورة الواقع الذي تندرج فيه وتتفاعل مع تحولاته، استخلاص بعض الصور عن واقع الطالب الزيتوني، خاصة من أصيلي القلعة الكبرى.

    ويمكن أن نتساءل عن طبيعة حضور الطلبة القلاعة في سجلات المطالعة بخزائن الكتب بجامع الزيتونة ؟ وعن مدى تفوّقهم في بعض العلوم من خلال مراجعة الأعداد والملاحظات المدوّنة في دفاتر أعدادهم وعن عددهم وأحوالهم طيلة مائة وخمسين سنة ؟ كما يمكن رصد مدى مشاركتهم في العمل النقابي الزيتوني من خلال العودة إلى أسماء الممضين على العرائض.

     

Share This:

Leave a Reply