مكر العقل وتحوّلات ثقافة الاستحسان والاستهجان : د.الصحبي منصور

مكر العقل وتحوّلات ثقافة الاستحسان والاستهجان

 

sahbi

 

بقلم الدكتور الصحبي بن منصور
(أستاذ وباحث بجامعة الزيتونة)

» التصفيق«  ظاهرة ثقافية وسياسية يمارسها المواطن المعاصر دون مراجعة نقديّة للذات لأنّها اقتربت من دائرة البداهة وغاصت فيها… لم يعد التصفيق يلفت النظر إليه كما أنّه لم يحظ بما يستحقّ من دراسة، وهو في تونس عادة متأصّلة. ورغم الإشارة النقدية العابرة إليه قبل الثورة في صلة وثيقة بتمجيد الرئيس السابق، فإنّه لم يلق ما يستحقّ من قراءة وتعمّق في جذوره وتطوّراته.

أصول « التصفيق « :

لا أحد يعرف بالتحديد متى نشأ التصفيق، ففي الفكر الغربي المتأصّل في نظرية النشوء و الارتقاء  كانت الإشارات من مظاهر لغة البدء أي قبل أن يتطور الحيوان إلى الإنسان ويستكمل بناء العقل وتشكيل اللغة.

أما في الفكر الإسلامي الذي يكرّس الإيمان بإنسانية الكائن البشري المستوفي منذ خلقه لشروط التعقّل وملكة الكلام حيث نفخ الله تعالى في آدم الروح وعلّمه «الأسماء كلها»، لم يكن التصفيق جزءا من حركات وإشارات تواصل الإنسان مع جماعته البشرية الناطقة.

وبما أن الفنّ حسب ما يؤكده التاريخ الغربي قد نشأ في رحاب المعابد ومن رحمه، تكوّن «التصفيق» تعبيرا عن مشاعر التطهّر أو الافتتان أوالإعجاب التي  تظلّ الأب الشرعي لظاهرة «التصفيق» قبل أن تسرق لاحقا لتوظّف في ساحات الصراع من أجل السلطة.

وغير بعيد عن الفنّ بما هو رؤية للعالم، برز الدين عين الإنسان على حقيقة الوجود ليتقاطع ويتضافر مع الفنون الحافة به ويصبح التصفيق من طرائق عبادة الآلهة والاحتفاء بها.

لذلك كانت العرب تطوف في أيام الحجّ حول الكعبة الشريفة مصفّرة ومصفّقة في عهد الجاهلية وهو ما وصفه القرآن الكريم “بأنّه ما كانت عبادتهم إلا مكاء وتصدية” أي تصفيرا وتصفيقا.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم في حادثة وقعت أمامه عن التصفيق موضحا أنه للنساء فقط وأنّ الرجل إن نابه في الصلاة وأراد التنبيه له أن يرفع صوته بـ “سبحان الله”.

من هنا توسّعت في العالم الإسلامي دائرة كراهية التصفيق  والاستعاضة عنه بالكلمات وهي قلب المواطن العربي والمسلم النابض واللبنات الأساسية لقرآنه المعجز وذلك للتعبير عن استحسانه من استهجانه.

مكر العقل:

في اليونان المرجع الأكبر للحضارة الغربية حدث انقلاب كبير في حضارة الإنسان حسب الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة، تحّول من جرّائه الإنسان من حضارة الجسد إلى حضارة العقل…. من عهد الإله ديونيزيوس ربّ الخمرة وما تولده من انطلاقات جسدية تحرّر خياله وأحلامه وغرائزه وهي أدوات صناعة الفنّ الذي ارتبط في مدارج نشوئه بالشعر والمسرح وملامح وتراجيديا وكوميديا إلى عهد الإله أبولو رمز العقل وراعي الفلسفة.

وفي خضمّ هذا التحوّل الجذري، انتقل «التصفيق» من حافة النشوة و الانتشاء ومحركاته العفوية والتلقائية إلى ضفّة المكر والتدبير… حيث أصبح أداة نفاق ثقافي واجتماعي وآلية قمع وترهيب وسلاحا لتغليب شقّ سياسي على آخر مادام الحال قد استقرّ بالتصفيق على دور الحكم… باعتباره علامة رفض الشعب لهذا الأمر أو الشخص أو قبوله.

وربما أوّل من نظّم في الخفاء مهنة التصفيق «نيرون» قيصر روما في القرن الأول بعد المسيح الذي ازدهرت في عهده المسارح والمسابقات والذي لم يدع طريقا في عوالم المؤامرة إلاّ قطعه وجرّب ما فيه من حيل وخداع  قبل أن يحرق عاصمة إمبراطوريته وينتهي ذات يوم منتحرا وهو المهووس بتمجيد ذاته وإعداد فرق التصفيق له كلما خطب في شيوخ روما أو في الناس.

وهو ذات الصنيع الذي تسلّل في اتساع نحو كلّ أوروبا لاحقا واستشرى في أنمطة الحكم بها قبل أن تجتث الديمقراطيات الأوروبية الحديثة جذوره.

“التصفيق” تقليد سياسي وافد:

كان التصفيق عادة  تونسية جارية في بعض الاحتفالات العائلية و الطرق الصوفية و في  محافل المجون الخاصة أو في المسرّات العامة ولم يرتق إلى مستوى الموقف السياسي إلا بعد أن زار المشير أحمد باي فرنسا حيث تعرف على طريقة في المصادقة على القوانين والسياسات  في البرلمان الفرنسي هي التصفيق  فاستحسنها واستشرى العمل بها لاحقا وتدريجيا في الأوساط السياسية التونسية وبالتوازي معها في المجالس  والصالونات الثقافية المتفرنسة، لأن أدباء الضاد والفنانين التونسيين بمرجعياتهم العربية والإسلامية يعبّرون عن نشوتهم أو استهجانهم بكليشهات متداولة من قبيل «حلو» و «يا سلام» و«الله أكبر»  و« يا جميل »  و« رائع » و« ما أبدعك »  في حالات الإعجاب، و« كفى » و« ما هذا» وغيرهما من  التعليقات فـــي حالات الاستنكار و الرقص .   وقد ازدهرت فنون «التصفيق الشعبي» منذ بروز نجم الزعيم الحبيب  بورقيبة على الساحة السياسية التونسية حيث آمن بدور الشعب وضرورة تفعيله للضغط على المستعمر الفرنسي من خلال خطبه النارية الحماسية والمناورة التي

دفعت باتجاه خلق طبقاة سياسية وحركة وطنية مترابطة وشديدة الشراسة إزاء  مظالم المحليين والواقع المزري للسكان الأصليين للبلاد قبل أن يعرف هذا التقليد «التصفيق  السياسي»  طفرة انتقلت به من حالة العفوية والاندفاع الصادق إلى مرتبة التكلف والتكليف بعد سنوات طويلة من الاستقلال. هكذا نزل «التصفيق» إلى مرتبة التوظيف السياسي المنحاز وإن كان من قبل مستترا. ففي شهادة أدلى بها المقاوم الراحل بلحسين جراد وضمها كتاب ضخم في المجال لإبن أحد أصدقائه من القيروان وهو الطاهر العلاني، نتبيّن كيف أنه أثناء أحد الاجتماعات الوطنية الكبرى بالعاصمة التي أشرف عليها عدد من زعماء الحركة الوطنية في غياب بورقيبة الذي كان بالقاهرة التقط كلمة سرّ للتصفيق للزعيم الراحل   صالح بن يوسف عندما يأتي دوره  للخطابة وكان ذلك بحضور زعيم آخر هو فرحات حشاد، والهدف   من حملة التصفيق هذه حسب شهادة المرحوم بلحسين جراد إعلاء وتكثيف زعامة ابن يوسف.

وقد ترافقت تقاليد التصفيق التي احتكرها الرجال في تونس والفئات النسائية المثقفة مع وجه آخر للتصفيق هو «الزعاريد»  التي أبدع جمهور المرأة المردفة خلف الرجل في تعزيز الجبهة الوطنية الموحدة التي تحولت بعد توسعها إلى حركة حزبية كبرى عرفت لاحقا خاصة بعد عديد العقود بعض الإخلالات الحاسمة في انحسار شعبيتها.

هل يمكن استئصال ثقافة التصفيق ؟

 تونس التي اشتهرت به يسمى «التصوف الإفريقي» لا تقدر أن تقطع مع هذه العادة التي عرفت أوج ازدهارها الشعبي في عهد الرئيس السابق.

 والملاحظ أيضا أنّ «التصفيق» صار من مكملات ديكور الحصص والبرامج التلفزية و الإذاعية في تونس وأداة تشجيع ومساندة للفرق الرياضية من قبل الجماهير المشجعة لها وكذلك للفنانين من قبل عائلاتهم و أجوارهم الذين تمتلئ بهم مدارج الصالات والمسارح.

 وظيفة مضادة:

 وقد يتخذ «التصفيق»  وظيفة نقدية حادة حيث يبارح فضاء المساندة والتأييد ويتحول إلى وسيلة احتجاج  أو طرد أو سخرية أو مخاتلة  للطرف المستهدف الذي يصبح عاجزا عن تبيّن خيط الإطراء والدعم من شبكة الاستهزاء  والاستهجان وربما هذه الجدلية وأيضا الوظيفة المضادة لفعل «التصفيق» ما يجعله يحيا باستمرار و يتنفّذ في كلّ أجزاء الحياة لكن مع تحوّل سلطته من شقّ إلى آخر  بحسب  ما تؤول إليه المنافسة بين الأضداد  من انتصار طرف على آخر.

Share This:

Leave a Reply