ملامح المجتمع القلعي قبل ثورة علي بن غذاهم : الاستاذ صالح المثلوثي

صالح

الكلمة التي نتناولها في البحث في هذه الدراسة هي الفترة الممتدة تاريخيا من سنة 1861 إلى سنة 1863 أي على أبواب ثورة علي بن غذاهم. و تمتد جغرافيا لتشمل 3 ايالات: ايالة سوسة، المنستير و المهدية مع التركيز بصفة خاصة على القلعة الكبرى. و هذه الدراسة تعتمد أساسا على وثائق محاكم الجنايات، هذه الفترة ذات أهمية كبرى في تاريخ البلاد عامة و الساحل بصفة خاصة، اتسمت هذه الحقبة الزمنية باحتداد التغلغل الاقتصادي الأوروبي بالساحل، اتسمت كذلك باشتداد وطأة السياسة الجبائية التي كان يسلكها الباي اتجاه رعاياه، كما اتسمت بتفاقم المديونية لدى كل شرائح المجتمع التونسي و الساحلي بصفة خاصة إلى حد أنها أصبحت سمة بارزة في مختلف الأنشطة الاقتصادية بالايالة و بالساحل. هذه العوامل أفرزت تناقضات عميقة بين مختلف الأطراف الاقتصادية كما أنتجت تحولات اجتماعية هامة أبرزها إفلاس و تفقير شرائح كبيرة من المالكين بالساحل مقابل إثراء المرابين و التجار الأوروبيين إثراء فاحشا و في مدة قصيرة.

“Livourne”

التناقضات كانت أولا بين المالكين الذين كانوا يلجئون إلى الاقتراض سواء لمواجهة الموسم الفلاحي أو لدفع الضرائب أو لتسديد الديون. كان المرابون يحتكرون سوق تجارة الزيت و يتحكمون في الأسعار نتيجة لعلاقاتهم الخارجية، هؤلاء المرابين كانوا يتكونون أساسا من اليهود سواء ان كان وسطاء بشركات أجنبية تجارية و مالية أو كانوا يعملون لحسابهم الخاص، و اليهود نوعان: هنالك يهود محليون من الجالية اليهودية التونسية أو يهود أجانب و خاصة منهم اليهود المعروفين “بالقران” نسبة إلى مدينة                   الإيطالية التي حلّوا بها بعد طردهم من إسبانيا ثمّ هاجروا إلى ايالة تونسية و تعاطوا التجارة و أصبح لهم سوق خاص بهم تسمى سوق القرانة.

لا بدّ من الإشارة إلى النشاط الرِّبوِي لم يكن يتعاطاه اليهود فحسب بل المسلمون أيضا و ذلك رغم التحريم الديني، و قد تحدّث لنا البارحة أحد المحاضرين عن عائلة سلامة بالقلعة الكبرى التي اكتسبت ثروة كبيرة و نجد أحد أفراد هذه العائلة من كبار المرابين حيث نجده في كثير من القضايا المعروضة على محكمة جناية سوسة.

النشاط الرّبوي كان يمارسه اليهود و أيضا نواب قناصل الدول الأجنبية الذين كانوا يتعاطون التجارة و المضاربة و يتعاطون أيضا القروض الربوية، نذكر على سبيل المثال نائب القنصل الأنقليزي بسوسة أقرض جماعة من أعيان القلعة الكبرى، نائب القنصل اليوناني تعامل بنفس الطريقة و كذلك فعل نائب قنصل الولايات المتحدة الأمريكية.

و كانت الديون الربوية دائما موثقة بحجة عدلية تقام لدى عدول الإشهاد، و كانت الديون الربوية مضمونة بِرهن و هذه الديون مختلفة، فهناك ديون قليلة القيمة و هناك ديون ترتفع إلى آلاف الريالات. و أشير أيضا إلى أن ضعاف الحال من اليهود كانوا هم أيضا فريسة للممارسات الربوية، نذكر على سبيل المثال تداين أحد اليهود من سكان مدينة المكنين في 240 ريال و رهنه كسوة بيته كضمان لسداد هذا الدين.

كلما كان الدين مرتفعا كان الرّهن هامّا في شكل عقارات منازل أو ضيعات زيتون، و مآل الدّين عند العجز عن تسديده كان البيع(بيع العقارات المرهونة) و كذلك الجبر بالسجن و أحيانا الاثنين مع بعضهما، مثل قضية أحد سكان سوسة الذي وقع سجنه لدين اتخذه و رهن ممتلكاته، بالإضافة إلى الديون الربوية كانت المنطقة تشهد مديونية كبيرة بدون أن تكون ربوية. التجار كان يثقل كاهلهم بديون كثيرة متنوعة و هناك ديون صغيرة لتأجير الأرض لفلاحتها، لتأجير الدّكاكين، لتأجير قهوة يقع استغلالها و ديون تجار الجملة، و هناك ديون لمتطلبات العيش و للمناسبات كالدين الّذي تخلّد بذمّة امرأة من سكان مدينة سوسة و ذلك لإقامة حفل زفاف و شراء مجوهرات لهذه المناسبة، و لا ننسى أيضا الديون التي تخلدت بذمة أهالي سوسة لخلاص الضرائب.

في ضلّ هذه المديونية الكبيرة سواء أن كانت ربوية أو عادية و في ضلّ التظاهر الاقتصادي كان من الطبيعي أن تفرز هذه الأوضاع تظاهرة اجتماعية على جميع المستويات و ذلك لتفشي ظاهرة الإجرام و انعدام الأمن و انتشار العنف بجميع أنواعه و كذلك تصدّع أركان العائلة و الانحطاط الأخلاقي.

أول مضار الإجرام تتمثل في السرقة و السرقة تنقسم إلى عدّة أنواع: سرقات تعتمد الحيلة و الخداع و الذكاء كالتّحيّل و خيانة المؤتمن و الغش في الموازين و المكاييل و هناك سرقات تعتمد على القوّة و العنف كقطع الطريق و الاستيلاء على الأملاك بقوة؛ بالنسبة للصنف الأول نجد كثيرا من القضايا التي تتعلّق بالغش في الموازين و المكاييل، فهناك قضايا غش في ثمن اللّحم، قضايا غش في المكاييل… أمّا بالنّسبة للقضايا التي تعتمد التحيّل بين أطراف جمع بينهم العمل المشترك في ميدان التجارة مثلا. لنا مثلا على ذلك في القضية 130 التي كانا طرفا صفاقسي و مساكني يستغلاّن مؤسسة صناعية فاستولى أحد الاثنين و هو المساكني على رأس المال و المرابيح و اختفى.

و من السرقات التي نجدها معروضة بكثرة على محكمة الجنايات سرقة وثائق الراهن و الدّيْن و الحجج العدلية الموثقة لهذه الدّيون سواء بالخداع أو بالقوّة. و نجد الطّرافة في القضية عدد 757 التي قام فيها المدين بافتكاك وثيقة الدين و أكلها.

إلى جانب قضايا التحيّل نجد السرقات من المنازل كسرقة الأدباش و المصوغ و كذلك سرقة المواد الغذائية، نذكر السرقة التي تعرض إليها اليزباشي محمّد بن عايشة من القلعة الكبرى من ضيعة كانت له في سيدي بو علي حيث سرقت له كمية من الفول والكسكسي. و أحيانا تسرق المرطبات مثل القضية التي قام بها أحد سكّان مدينة سوسة متّهما أحد سكّان الحمّام بسرقة خبز حلوة بالجلجلان تزن 18 رطلا.

و لكن نصيب الأسد في السرقة كانت تحتلّه سرقة الماشية بجميع أنواعها من بقر و غنم أو من حيوانات الجرّ مثل الجمل و الحمير و ذلك إمّا للاستغلال أو للبيع. سرقة الماشية كانت تنتهي أحيانا بالعثور عليها من طرف أخصّائيين كانوا يقومون باقتفاء الأثر و هؤلاء لهم باع و ذراع حيث يستطيعون تتبّع الأثر حتّى في مناطق حجريّة. و نذكر كمثال على هذا سرقة حصان من مدينة تونس و وقع اكتشافه في مدينة القلعة الكبرى. و السرقة قد يقع استرجاعها عن طريق البشارة و البشارة هي مؤسّسة اجتماعية قائمة الذّات معترف بها عند الجميع حتّى السّلط تعتبرها شرعيّة و تقام حجج عدليّة في مبلغ البشارة و في بنودها لاسترجاع المسروق. و لكن البشارة تنتهي دائما في صالح المتضرّر من السرقة، فكثيرا ما يقع استرجاع جزء فقط من المسروق و أحيانا يقع التحيل.

و السرقة ليست دائما فرديّة بل في كثير من الأحيان تكون جماعية، و قد شهدت الفترة التي نتحدث عنها تكوّن عصابات عديدة لقطع الطرق و سلب المارّة و تعنيفهم و ذلك نتيجة لانعدام الأمن و تفشّي الفقر و غياب الدّولة.

Share This:

Leave a Reply