نتيجة عنف الصّورة: أطفالنا بين شيطنة المخيّلة وعدوانيّة السّلوك

 

أنور قلالةالأستاذ: أنور قلالة

شهدت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها تطوّرا كبيرا كسّر كلّ الحواجز الإقليمية والحدود الجغرافيّة فأضحى العالم دولة إعلامية واحدة لا تعترف بضوابط أخلاقيّة ولا عقائدية باعتبار تنوّع الحضارات والثقافات وتباينها وبات النّفاذ إلى المعلومة على اختلافها من أيسر الأمور وهو مازاد في خطر المؤسّسات الإعلامية وتأثيرها على المتقبّل أو المستخدم حيث تفعل هذه الوسائل فعلها في عقول النّاس ونفوسهم وطبائعهم ومشاعرهم ومن ثمة تؤثّر في مواقفهم وميولاتهم وتوجّهها نحو المنحى الذي ترغب فيه وسط حالة من الذّهول والانصياع الكامل, فإن كان هذا واقع الحال مع الكهل الرّاشد فكيف يكون الأمرإذا ماتعلّق  بطفل أو بمراهق؟ ثمّ ما مدى صموده أمام مادّة إعلامية مشحونة بشتّى أنواع العنف الممنهج؟ وهل من سبيل للحدّ من تأثير الصّورة العنيف على شخصيّة الطّفل والمراهق ؟

لقد صنّف علماء النّفس وسائل الإعلام كفاعل ثانويّ ضمن مسألة التّنشئة الاجتماعيّة إلاّ أنّ الواقع الاجتماعيّ الرّاهن يثبت خلاف ذلك تماما بالنّظر إلى ما يقضّيه الطّفل من وقت رفقة والديه مقارنة بالوقت الذي يصرفه مع الحاسوب أوالانترنات أو التلفاز هذا الجهاز العجيب والسّاحر الذي ظلّ يستحوذ ويسيطر على عقول أبنائنا ويسلب منهم وجدانهم وأحاسيسهم فنراهم يقضون السّاعات الطّوال في مشاهدة بعض الأفلام الكرتونيّة وسط حالة من التّركيز الذي يصل حد الذهول من فرط التأثّر بأبطالها والجنوح إلى تقليدها في التّصرّفات وفي المأكل والملبس فيصبح تأثير هذه الأفلام والشّخصيّات الكرتونيّة على الأطفال تأثيرا تراكميّا يؤدّي في المستقبل القريب إلى نتائج خطيرة وبالأخصّ عندما تتضمّن هذه الأفلام كمّا كبيرا من العنف والخيال والسّحر ونسف المبادئ والقيم والعقائد الدّينيّة بأسلوب استفزازيّ غير مباشر كما هو الحال مع مسلسل” البوكيمون”.

كما أنّ بعض هذه المسلسلات والألعاب الالكترونيّة  التي تعتمد استراتيجيّة حربيّة(تحتاج إلى وضع خطط ومقالب) تحيل أطفالنا على أساليب الانتقام والسّرقة وكلّ ما يفتح لهم آفاق الجريمة على مصراعيها علاوة على انّ بعض الألعاب ورغم أنها لا تتضمّن مشاهد عنف مباشر أولوحات دمويّة صادمة فإنّها تكرّس النّرجسيّة وتغذّي الأنانية لدى الطّفل المستخدم وتجعل من اللّعبة ملاذا يلجأ إليه هروبا من واقع صعب  يعيشه -يتميّز بمحدوديّة الإمكانيات -إلى عالم الخوارق حيث ينصّب فيه نفسه حاكما مستبدّا لا يتورّع عن القتل والتّخريب في سبيل توسيع نطاق حكمه ورقعة مملكته رافعا شعار”إمّا أنا حيّ وإمّا الآخر”فلا تستقيم الحياة لاثنين فلا بدّ من إقصاء أحد الطّرفين وذلك بالتّخطيط للقضاء على الآخر وهي من الألعاب التي تكرّس منطق الإقصاء والتّطرّف وهو ما يفسّر إلى حدّ كبير استفحال ظاهرة العنف المدرسي في صفوف التّلاميذ  الذي يذهب ضحيّته تلميذ أو أستاذ على حدّ سواء نتيجة  ولادة نمط ذهنيّ وتمثّل سيكولوجيّ له مرجعيّة مسجّلة في مخيّلة الطّفل المدمن على مشاهدة سيناريوهات العنف منذ حداثة سنّه إلى درجة  يكسب فيها العنف لديه شرعيّة حقيقيّة فيقبله دون وعي فيصبح العنف المنبوذ في ديننا وشرعنا أمرا عاديّا يتجاوزه إلى التنكيل بالجثث وحرق النّاس أحياء  وهو ما يتعارض وسماحة الإسلام كدين يقوم على أساس التّراحم ونشر قيم التّسامح  .

إنّ هذه الألعاب التي تعتمد على عناصر ومؤثّرات صوتيّة تشدّ الصّغار بشكل كبير وفعّال (حتّى أنّها تسترعي اهتمام الكبارأيضا) وفضلا على ما تتضمّنه من مشاهد سفك الدّماء والخراب والدّمار فإنّ مصنّعوها لا يتورّعون عن تضمينها رسائل يهدفون من ورائها إلى ضرب الهويّة العربيّة والإسلامية وخلق شعور بالانقسام والّتشتيت بين ما هو غربيّ وما هو شرقيّ الشيء الذي يؤثّر سلبا على تكوين شخصيّة أطفالنا ويجعلهم مذبذبين وممزّقين بين حضارتين مختلفتين تجمعان بين الشيء وضدّه فيجدون أنفسهم مدفوعين إلى التّعايش مع المضامين والقيم الهجينة المقدّمة لهم من خلال البرنامج والاندماج مع أحداثه وأفكاره فتنمو لدى الطّفل دوافع نفسيّة متناقضة بين ما يتلقّاه من هذه البرمجيّات  وما يستوجبه التّعايش داخل الأسرة والمجتمعمن قيم التّراحم والتّآلف والإحترام .

غياب صورة ايجابيّة في الإعلام التّونسي :

لاشكّ انّه في غياب صورة ايجابيّة للطّفل في المشهد الإعلامي التّونسي وقلّة الإنتاج التّلفزي المحلّي الموجّه لأطفالنا يدفع بهم إلى الجنوح للبحث عن ضالّتهم في مواقع وفضائيّات أخرى فيسقطون فريسة في أعمال هجينة غير بريئة سواء عن قصد أوعن غير قصد كما أنّ إعلامنا الوطني سواء كان  حكوميّا أو خاصّا لا يولي العناية اللاّزمة لبرامج الأطفال لامن حيث التحرّي في ما يعرض من البرامج الأجنبية كمّا وكيفا ولا من حيث التّفكير في الإنتاج التّونسي المحلّي الذي يتناغم وعاداتنا وتقاليد ديننا الحنيف السّمح زد على ذلك فإعلامنا غالبا ما يقدّم الطّفل على أنّه ضحيّة العنف والابتزاز والاستغلال الجنسي  والشذوذ والمرض والخصاصة والتسوّل والجريمة في إطار تحقيق السّبق وخلق “البوز” فنادرا جدّا ما يتمّ تثمين إبداعات وإنجازات أطفالنا .

 sans-titre

-ما السّبيل للحدّ من التّأثّر بالصّورة العنيفة ؟

إنّ العمل على الحدّ من تجنيب الأطفال التأثيرات السّلبيّة للشخصيّات الكرتونيّة والألعاب الالكترونيّة مسؤوليّة تقتضي تظافر مجهودات جميع الأطراف المسؤولة عن واقع التّربية والطّفولة ببلادنا فالمسؤوليّة لا يتحمّلها الوليّ وحده وإنّما هي عهدة ملقاة على عاتق الأسرة والدّولة بهياكلها ومؤسّساتها والمجتمع المدنيّ بطاقاته البشريّة الهائلة فدور الوليّ يرتكز على التّنشئة الاجتماعيّة القائمة أساسا الأسس التّربويّة والأحاسيس الوجدانيّة بتوفير الرّعاية النفسيّة المرتبطة بالدّفء العائلي والمتابعة والمرافقة عند مشاهدة التّلفاز أو الكمبيوتر من خلال حسن إختيارالبرامج و التحرّي في شأنها فليس كلّ ما يعرض قابلا للمشاهدة فضلا عن كون الوليّ مدعوّ إلى عدم ترك منظوره ساعات طويلة أمام التلفاز أو الحاسوب وتحفيزه على الانخراط في النّوادي الرّياضيّة والثقافيّة تحقيقا للتّوازن النّفسيّ والجسديّ بما يعزّز جوانب شخصيّته وييسّر عمليّة اندماجه .

أمّا الدّولة ومؤسّساتها فمسؤوليّتها تكمن في توفير مؤسّسات تربويّة وترفيهيّة للأطفال وتجهيزها وتوفير إطارات عالية تعنى بتأهيل من يؤمّها وتقديم الإحاطة النّفسيّة والاجتماعيّة لمختلف الشرائح العمريّة والتّشجيع على الإنتاج التّلفزي الخاصّ بالأطفال بتقديم حوافز ماديّة للمنتجين والعمل على ضبط سياسات عامّة للدّولة ترتكز على “السياسات الحامية والحاوية “للمجتمع والأفراد تهتمّ بمشاغل النّاس وبخاصّة النّفسيّة والاجتماعيّة وذلك عبر بلورة برامجها وخططها على أساس علميّ واجتماعي بالاستعانة بخبراء ومختصّين في مجالات علم النّفس والاجتماع وتركيز خلايا إصغاء وإرشاد بكلّ المؤسّسات التّربويّة مدعومة في كلّ هذا بمجتمع مدنيّ قويّ يزخر بطاقات بشريّة هائلة ونسيج جمعياتيّ متشابك يسهم في تأمين حاجات الطّفل واحتياجاته وتحقيق رغباته وميولا ته حتّى ينشا أطفالنا في بيئة إعلاميّة توفّر برامج متناغمة مع خصوصيّاتنا ومنسجمة مع موروثنا الحضاريّ العربيّ الإسلامي.

 

Share This:

Leave a Reply