هل من تصنيف للإنتاج الموسيقي العربي المعاصر

هل من تصنيف للإنتاج الموسيقي العربي المعاصر

الأستاذ سمير الفرجاني

يشهد العالم العربي اليوم عديد التحولات والتغيرات على مستوى الإنتاج الموسيقي، تحولات يمكن إدخالها في باب تعدد الأشكال الفنية والموسيقية التي تؤثث المشهد الثقافي العربي وتنوعها.

إنه مشهد ثقافي متنوع الأنماط والألوان، يُقَدَمُ اليوم عبر عديد وسائل التواصل التقليدية و الحديثة، وتطرح علينا معاينة هذا الإنتاج العديد من التساؤلات أهمها نابع من صيرورة هذه الأعمال وأشكالها.

كيف يمكن لنا تحديد ملامح الإنتاج الموسيقي العربي المعاصر ؟

وهل يمكن إيجاد طرق لتصنيفه ورسم أشكاله ومكوناته ؟

وماذا تبقى من ملامح الهوية العربية ومكونات الموسيقى التقليدية الشرقية في هذا الإنتاج العربي المعاصر ؟

إنتاج موسيقي عربي متعدد الروافد ومتنوع الأشكال

عرفت الموسيقي في العالم العربي مسارا متنوعا ومتقلبا ظهر في عدة سياقات حتمتها الظروف الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، وقد بدا هذا الظهور في عديد المراحل التاريخية التي عاشتها بلادنا العربية.

وقد اخترنا بداية القرن العشرين منطلقا لعملية الجرد وتحديد الأنماط والأصناف الموسيقة، وذلك لعدة أسباب أهمها توفر التسجيلات والبحوث التي تؤرخ لهذه المراحل والحقبات الفنية.

نهدف من وراء هذا الجرد والتقصي إلى محاولة فهمة مراحل التحول والتنوع التي عرفتها الأعمال الموسيقية لمختلف البلاد العربية.

ننطلق في مقاربتنا هذه بما عبر عنه عديد الباحثين والمهتمين بالشأن الموسيقي العربي[1] بقولهم أن الموسيقى العربية هي موسيقات وذلك نسبة للعدد الكبير للأنماط والأشكال الموسيقية الموجودة في العالم العربي، والتي انبثقت عن طبيعة التداخلات الحضارية التي عرفها التاريخ العربي الإسلامي،  ويعبّر محمود قطاط عن ذلك بقوله: (يتضح للمتمعن في هيكلية البناء اللحني الإيقاعي للتراث الموسيقي العربي الإسلامي، وفي طرق ووسائل أدائه، وجود ” وحدة جمالية أساسية” مع ” طابع التعدد والتنوع”. كما يلاحظ القدرة التأليقية الفائغة، التي يتحلى بها هذا التراث العريق، والتي مكنته ـ على مر العصورـ من هضم مختلف الأنماط الفنية النابعة من إبداعات الشعوب المكونة للحضارة الإسلامية المنتشرة على رقعة هائلة الامتداد)[2].

وبقدر ما مثلت هذه الروافد والإمدادات مكونا أساسيا في هيكلة الخطاب الموسيقي للعالم العربي إلا أن طبيعة المسار الفني والثقافي للمؤلفات الموسيقية التي ظهرت على مدى القرن الماضي تجاوزت هذه المكونات وتكيفت بأساليب أكثر تعقيدا، مما يجعلها قابلة للبحث والتحليل من عدة جوانب تفوق في عديد الأحيان المؤثرات التقليدية والشعبية، فالمتمعن في الخطاب الموسيقي لمختلف التجارب العربية يلاحظ التنوع الكبير لأساليب التعامل مع الكتابة الموسيقية وأدائها. مما جعل جلها هجينة وتحتوي عدة تراكمات من التقارب والتأثر بموسيقات أخرى، نذكر منها المتوسطية والإفريقية والبربرية والآسيوية والأوروبية إلى أن نصل إلى السيمفونية والجاز والموسيقي الالكترونية.

نبحث في واقع الموسيقى العربية الشرقية وتاريخها بين جذورها التقليدية المحلية وانفتاحها على الثقافات المتواترة على العالم العربي، واقع التداخل مع الموسيقات الحديثة والمعاصرة والتجارية، واقع نحت على مدى مسيرة طويلة من المدارس الموسيقية والتجارب الفنية، نرجع فيها إلى بداية القرن العشرين ونصل إلى بداية القرن الحادي والعشرين ويتمحور سؤالنا حول عملية  تصنيف الأنماط الموسيقية للعالم العربي اليوم ؟

 إنتاج موسيقي عربي مشتة بين التراث والحداثة

ان ما حملنا على استعمال مصطلح الشتات هو نتاج أولي نستخلصه من عديد الأعمال الموسيقية في العالم العربي التي ترد على أسماعنا في السنوات الأخير، وعلى الرغم من إدراج ذلك عند العديد من المتتبعين للمجال الموسيقي العربي في خانة التنوع و”التطور” ومواكبة العصر فإنّ هذا التحول الملحوظ ما فتئ يخيف المهتمين بمسألة الهوية العربية والمحلية لكل بلد عربي أو منطقة منه.

ليس ما يخيفنا في هذه التحولاة والتغيرات تنوعها أو ابتعادها عن الملامح التقليدية لموسيقانا العربية والشرقية، فهذا ليس بالأمر الجديد على تاريخ ثقافاتنا ومسار موسيقانا، إنما تنبع إرادتنا الاستقصائية إلى رصد مكونات هذه التحولاة وأشكالها ورسم تسلسلها الزمني .

ذكر العديد من الباحثين في مجال العلوم الموسيقية مختلف التحولات والتفاعلات التي عاشتها بلادنا العربية ويفيدنا في هذا الموضوع “محمد سيفالله بن عد الرزاق”[3] عن مدى تأثر الموسيقيين العرب بالتقنيات الموسيقية الغربية في مجموعاتها نذكر منها تجربة سلامة حجازي في مسرحية “عضة الملوك” إذ استعان بعازفين ذوي تكوين غربي لتدعيم الجانب الدرامي في هذا العمل. فإلى جانب تنفيذ أعماله بالتخت الشرقي استعان بعازفين للآلات الغربية في بعض أعماله لتنويع ألوان التعبير الموسيقي وإعطاء الفرقة الموسيقية أكثر قوة صوتية وهارمونية.[4] أما سيّد درويش فقد اختار المجموعة الموسيقة المشتركة لأعماله فاستعمل التخت ومعه البيانو وآلات النفخ والكمنجات. وقد لاحضنا ذلك في تسجيلات نادرة وصلت إلينا، وقد حلّلها الكثير من الباحثين من الناحية الأورغانولوجية.

أما سلامة حجازي فقد «قام بأولى الإحداثات في طريقة تنفيذ أعماله المسرحية الغنائية بأن قام باستدعاء مجموعة كبيرة من العازفين المختصين في الآلات الغربية مثل الكمان والبيانو من المدرسة الخاصة لقصر عابدين وعلى رأسهم “محمود خطاب” كأول قائد للأوركسترا لمسرحيات سلامة حجازي بعد أن كان يقوم بمصاحبة التخت من وراء الستار ثم أصبح بعد ذلك مكان الفرقة في الحفرة التي تقع أمام الركح أو ما يسمى عند الغرب بحفرة الأوركسترا» [5]

هذا ما يجعلنا لانخشى على هويتنا العربية التي يشهد لها بالتحول والتنوع، فطبيعة التكوين السكاني في عديد البلدان العربية حتم علينا هضم عديد الثقافات التي مرت علينا أو انصهرت في حضارتنا وبلادنا، والأمثلة عديدة على ذلك كالتواجد التركي والأرمني والأوروبي في بلاد الشام ومصر والأصول البربرية والافريقية والأندلسية للعديد من البلدان المغربية.

تنوع حاصل وسابق يجعلنا نعمل على إدراجه في صيرورة وهيكلة التمشى وأسلوب التأليف والأداء الموسيقى.

تحولات تجاوزت التفاعلات التقليدية

نتناول التفاعل والتقارب الذي عرفته عديد الأعمال الموسيقة العربية عبر عديد من الانتاجات التي تبرز  تجاوزا وخروجا عن التقارب الذي عهدته موسيقانا من تأثير تركي وأندلسي وغربي، أعمال اخترناها للدلالة على هذا التنوع الحديث، ورؤية تتجاوز الخطاب الموسيقي العربي الكلاسيكي، ومؤثرات وأسلوب يحاكي الحداثة في أسلوبها الكوني الذي

[1]  مثل الباحث  محمود فظاط

[2]  قطاط(محمود)”التثاقف الموسيقي العربي التركي”، المجمع العربي للموسيقى،2008 د.ع، http://www.arabmusicacademy.com/inp/view.asp?ID=28

[4] Ben Abderrazak (Mohamed Saif allah), Les Orchestre arabes modernes : influence de l’organologie occidentale et problèmes d’acculturation, Thèse d’histoire de la musique et de musicologie, Université de Paris – Sorbonne, Paris V, 1999, p. 280.

[5]  زكي(عبدلحميد توفيق)،عالم الموسيقى المصرية عبر 150 سنة،ص. 134.

تتغير مقاييسه وأشكاله، مقاييس تفرضها سياقات يعيشها عالمنا العربي من أهمها العولمة والكونية وتأثير وسائل التواصل الحديثة.

وانطلاقا من هذه التراكمات والهيكلية الداخلية الخاصة نسعى لتوصيف شكلي يمكن الاعتماد عليه كمقياس لتصنيف الإنتاج الموسيقي العربي المعاصر.

ان تنوع الروافد والتوجهات اللتين نلمسها في هذا الإنتاج الموسيقى العربي يجعل عملية التصنيف غير هينة بل ومستحيلة في كثير من الأحيان، خاصة وأن جل الأعمال التي تناولناها بالبحث والتحليل تنبع من تجارب ذاتية لا تخضع في عديد من الحالات لمواكبة تيار واضح وجلي، تجارب تختزل مؤثرات متنوعة ومتعددة المصادر، معلنة أو مخفية.

النماذج الموسيقة التي نتناولها للبحث

للحديث عن الإنتاج الموسيقي العربي لابد لنا قبل تناول الفترة التي وقع علينا اختيارها الرجوع لبداية القرن العشرين والأعمال الموسيقية التي مثلت نقطة تحول بارزة في تاريخ الموسيقي المصرية والعربية، وهنا نعود لتجارب سيد درويش الخاصة بالمسرح الغنائي.

بعد عصر فن المشايخ والغناء الذي يمزج بين التقاليد العثمانية والشرقية، بعد تجارب عبدة الحمولى وسلامة حجازي ومختلف القوالب الغنائية والآلية التي راوحت بين المقامات والإيقاعات التركية والشرقية وأساليب الأداء التي تراوح بين التقاليد المصرية والتركية، يحاول سيد درويش عبر أغانيه الشعبية وذات المواضيع المغايرة لأسلافه من شيوخ الفن ابتكار أنماط وقوالب موسيقة عربية محدثة، ويمكن أن يكون ذلك عن قصد أو لإرادته التغيير والخروج عن المألوف.

سيد درويش من الموشح والدور إلي المسرح الغنائي مرورا بالأغاني الشعبية

بعد تجربة الشيخ سيد مع الموشحات والطقاطيق والأغاني كان له عديد المحاولات لتقديم الأوبرات والمسرح الغنائي، وقد كان لمنشأ  الشيخ في مدينة الإسكندرية الدور الهام لاستلهامه من الخصوصية التي تتميز بها هذه المدينة العالمية ” vlle comopolte” هذا ما يمكن أن يكون قد ساهم في التأثير الواضح في هذه الإرادة في التغيير والتنويع، فمعايشت شيخ سيد للعروض الأبرالة الإيطالية والفرنسية بمسرح أوبرا الإسكندرية الذي يوسم اليوم بمسرح سيد درويش الأثر الكبير في محاولته تقديم شكل من أشكال المسرح الغنائي العربي، ومن هنا ننطلق في صعوبات عملية التصنيف وتحديد التركيبة الفنية والموسيقة لهذه التجارب.

وعلى الرغم من توصيف مختلف الأعمال المسرحية لسيد درويش بالرائدة والحدث فإنّه يصعب تصنيفها ووضعها في إطار موسيقي، وحسب عملية التصنيف الغربية لا يمكن وضع هذه التجارب في خانة الأوبرا أو الأوبرات، وذلك لعدم استكمالها لمختلف التقنيات والأساليب الخاصة بهذا الفن الغربي، لذلك نوردها في تجارب المسرح الغنائي العربي الذي يقترب أكثر إلى قالب “الأوبرات” وهي النمط الأبرالى الهؤلي أو الجفيف، وهنا يكمن التضارب وصعوبة التصنيف، وعند مفاينتنا لأحد هذه الأعمال ونذكر منها أوبرات “العشرة الطيبة” أو “شهرزاد“و” كليو باترت ومرك أنظوان” وهي أعمال قدمة في السنواة ما بين 1922 و 1923.

ونموذجنا الذي نتناوله بالبحث كعمل يمثل إرادة التغيير هو “العشرة الطيبة” الذي جمع بين عديد الأنماط والألوان الشرقية والغربية لكن لا يمكن أن يمثل قالبا واحدا في توصيفه، والغالب على هذه الأعمال هو الرابط المسرحي من حيث الرواية والقصة وعملية دعمها موسيقيا بمجموعة من الأزجال التي تغنى بأسلوب أداء شرقي بلون حماسي ومسرحي لكن بتقنيات غناء لا تبتعد كثيرا عن المتداولة مع أداء آلي فيه إرادة للتشبه بالأداء الغربي لكن    لا يتجاوز التشابه في زيادة عدد الآلات مع تقنيات كتابة موسيقة هخينة بين الشرقى والغربى.

وفي محاولتنا لمقارنة مسرحيات سيد درويش الغنائية وأوبرات “جاك أوفنباخ” الحياة الباريسية 1866على وجه المثال نلاحظ تقاربا في الشكل العام وهذا ما يبين التأثر الواضح بين الإثنين، لكن لم تكن مختلف التقنيات المكونة لأسلوب الأوبرات مطبقة فعليا مثل تقنية الأداء الأوبرالي والغناء متعدد الأصوات والكتابة الموسيقية للأوركسترا السيمفوني.

وتمثل هذه المقارنة نقطة هامة في تاريخ الموسيقى العربية للقرن العشرين وذلك لتواصل هذه التجارب على هذه الوتيرة والشكل، فجل الأعمال التي تلت أعمال درويش سارت على نفس المنوال تقريبا مع فوارق في المواضيع وبعض التحولاة والتغييرات المواكبة للتصور الذاتي والإمكانياة المتاحة.

فقد قدم محمد عبد الوهاب أوبرات “غيس وليلي” وأعمالا أخرى أطلق عليها تسمية الأبراة والتي نعتبرها مقاطع من أعمال ممسرجة غنائيا قدمها للسينما المصرية في الخمسينات من القرن العشرين، وحسب التصنيف الغربي الذي لا يمكن تطبيقه على هذه الأعمال، ندخلها في خانة الأغاني السينمائية والمصاحبة للدرامة والتي ولئن حاول عبد الوهاب توظيف مختلف تقنيات الكتابة الأوركسترالية بالاستعانة بمؤلفين موسيقيين مثل “أندريا رايدر” وعلى إسماعل” فإنّه بقي محافظا على أسلوب الغناء الشرقي وتقنياته.

بعد تجربة سيد درويش ومحمد عبد الوهاب المسرحية والغنائية التي كان لها التأثير الكبير في جل البلاد العربية

نأتي على المحطة التي تلت هذه التجارب والأعمال وهي مرحلة الموسيقى المصاحبة للسينما أو بالأحرى التي رافقت وأثثت السينماء المصرية، هي مرحلة فنية ملهمة ومؤثرة في الصناعة الموسيقة أولا وتعتبر مرجعا لنا في تحديد مختلف التقنيات الموسيقة التي أتاحتها الصناعة السينمائية المصرية للموسيقي العربى لتقديم إنتاجه.

وقد قمنا باختيار ثلاثة نماذج حاولنا تقديمها وتصنيفها وهي:

  • فيلم ” لحن الوفا” إخراج إبراهيم عمارة سنة 1985 وتضمن أغاني للمؤلفين: محمد الموجي وكمال الطويل ومنير مراد ورياض السمباطي ومحمد الشريف، لذلك يعتبر هذا القلم وثيقة فنية تبين لنا مختلف التوجهات الفنية للمألف المصري لتلك الحبة الفنية، وهنا تمثل محاولة تصنيف هذه الأعمال مهمة غير سهلة للتنوع الكائن فيها، وقد قمنا بمعاينة للأغنية التي تحمل عنوان الفيلم وما بدا لنا هو محاولة في الجمع بين صنفين موسيقين هما الموسيقي السينمائية الغربية بكتابة أوركسترالية وإيقاعات وآلات غربية، والخطاب الموسيقي الشرقي عبر مقاماته وآلاته، إرادة يمكن أن يحتمها السياق الدرامي والسينمائي لتلك الفترة، وهذه المراوحة الملحوظة بين الغناء الأبرالى الغربي والتقاليد الشرقية للغناء تجعل تصنيف مثل هذه الأعمال يصعب علينا موسيقيا لذلك نجد مخرجا ممكنا هو إدراجه في مصنفات موسيقى الأفلام المتاحة والقابلة لمثل هذا التنوع والتداخل. (الاستماع لمقطع من النموذج الغنائي)(لحن الوفاء رياض السمباطى كلمات محمد على أحمد)
  • فيلم “دعى الكروام” إخراج: هنري بركات 1957 موسيقي “أندرى رايدار” وهو مؤلف موسيقة مصري من أصول يونانية ولد بالإسكندرية سنة 1908 وموسيقى هذا الفيلم من القالب الآلي البحت، ويمكن في نموذجنا هذا الإقرار بوضوح الشكل العام للعمل، فهو يندرج في تقاليد موسيقية درامية تصنف عالميا تحت صنف موسيقى الأفلام وقالبها، لكن لم يغفل ريدر على توظيف اللون المقامي الشرقي ليتابع المحتوى القصصي والإطاري الدرامي للفيلم وقصته التي ألفها “طه حسين”. (الاستماع لمقطع من النموذج الموسيقي)
  • فيلم “ليلة القبظ على فاطمة” إخراج هنرى بركات 1974 موسيقة عمر خيرة، ونعتبر موسيقى هذا الفيلم ساهمت في التحول الذي ستشهده السينما المصرية، تحول يمس الخطاب الموسيقي فقد عمل خيرت على رسم أسلوب خاص به يجمع اللون الأركسترالى الغربي الخفيف والإيقاعات الشرقية والشعبية وآلاتها مثل آلات الإيقاع الشرقية و”الناى” و”العود”و”الكولة” وأضاف على ذلك مجموعة من الأغاني الشعبية المقدمة بإطار يمزج الموسيقى الشعبية بكتابة غربية من صنف المنوعاتية الأوروبية أو الأمريكية التي تتميز باللون النحاسي الإيقاعي “bras band” وهنا يكون التصنيف مرة أخرى هجينا ومراوحا بين الموسيقى الشعبية المصرية والتوزيع الموسيقي الغربي المنوعاتي، وهو مزيج ستشهده فترة الثمانينات والتسعينات في عديد الأفلام المصرية.
  • فيلم “الحلفا وين” لمخرجه فريد بو غدير سنة 1980 والموسيقة والأغانة لعازف العود التونسي أنور إبراهم، وموسيقي هذا الفيلم تقطع مع النمط المصري لمى سبقه من أعمال سينمائية، فاختيار المؤلف على أجراس غير متداولة في السينما المصرية جعل منها تحولا في السينما العربية، فقد كان اختيار أنور إبراهم على آلة العود كآلة أساسية لتأثيث الدرامة الصوتية للفيلم مع المصاحبة لآلة الكمان والرق وتوظيف صوت المؤلف للغناء، هذه النقلة التي لا نعرف هل هي اختيار للمؤلف أو المخرج، لكن هذا ما يجعل المصنفاة الموسيقة للسينما التونسية تأخذ توجها مختلفا عن المصرية وهي في أسلوب ونمط يعود بنا للموروث التقليدي الذي يعتمد التخت الموسيقي الشرقي في الأداء، أما تقنيات الغناء فهي خاصة من اللون “أغاني النص”أو الأغاني الملتزمة والتي يراد بها إيصال النص وعلى الطريقة الفرنسية، وهو اختيار يقطع مع التقاليد الغنائية الشرقية التي تعتمد قوة الصوت وتقنياته في التصرف والمساحة الصوتية الواسعة.

الرحابنت وإرادة ترسيخ أسلوب جديد للمسرح الغنائى العربى

يقدم الرحابنة في “مسرحية جبان الصون” مثالا محدثا من المسرح الغنائي الغربي، ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام صعوبة تصنيف هذه المسرحياة في قالب غربي واضح مما يحملنا على تصنيفها في خانت خاصة وذاتية يعبر عنها الكثير من النقاد والباحثين في المجال الفني والموسيقي بالمسرح الرحباني، وهو قالب يجمع بين درامة الأوبرا وتقنيات الكتابة الأوركسترالية للأوبرات والإخراج المسرحي والتحرك الركحي والرقص الذي يراوح بين الأوبرا والأوبرات، ومرة أخرى يحافظ الرحابنة على تقنيات الغناء الشرقي ذي الصوت الواحد في جل الأحيان مع بعض  المقاطع التي تتقاطع فيها الأصوات النسائية والرجالية.

ويواصل منصور رحباني هذا الأسلوب في مسرحية “صيف 840″ بنفس التقنيات والشكل مما يجعله يخضع لنفس التصنيف المخضرم والمراوح بين المسرح الغنائي الدرويشي والأوبرات الفرنسية والأوبرا الأطاليت والأغاني الغربية الأوروبية والأمريكية. الاستماع أغنية “”شالك” الرحباني كلمات: سعيد عقن

وقد كان لمختلف هذه التجارب الغنائية المسرحية وما احتوته من إحداثيات موسيقة ودرامية على مستوى الكلمة والجملة الموسيقية والكتابة الأوركسترالية تأثير على الإنتاج الموسيقي العربي، فقد تواصلت هذه التجارب في عدد من البلاد العربية مثل مصر ولبنان وتونس وسوريا والجزائر..حيث قدم مؤلفون من هذه البلاد أعمالا مماثلة ومتشابهة من حيث الشكل والقالب، نذكر منهم على سبيل المثال من لبنان: زكي نصيف وتوفيق الباشت ..ومن مصر يوسف جرانا وجميل عبد الرحيم..ومن تونس محمد سعادة ومحمد القرفى وأحمد عاشور ووناس خليجام..

وتواكب كل هذه الانتاجات سياقات التحولات السياسية والإجتماعية للبلاد الغربية، فهي نتاج لأحداثيات عاشتها بلادنا من مساراة ثورية ومقاومة للاستعمار أو للتحولات الفكرية والسياسية والإديولوجية، من مسار قومي غربي أو فكر محدث وتغيرات وقضايا اجتماعية أو سياسية، لذلك يغلب الجانب الموضوعي على مختلف هذه التجارب الموسيقة يترك عادة الجانب الشكلي والقالب للتوجه الموضوعي ومتطلبات النص والأداء الغنائي.

الإنتاج الموسيقي العربي للقرن 20

بعد مسيرة متنوعة وثرية عاشها العالم العربي من أشكال وقوالب آلية مراوحة بين التقنيات العربية والمؤثرات الغربية ومع محافظة للعديد من المحتويات المعبرة عن الهوية العربية خاصة على صعيد الأداء الغنائي، يأتي القرن الحادي والعشرين بمؤثراته الناتجة عن الانفتاح والتحول في مجال التكوين الموسيقى والفنى،

ويمثل التقارب العربي الغربي في مجال التكوين الموسيقي نقطة تحول هامة كان لها الأثر الكبير في مجموعة من التغيراة التي لمسناها في التجارب التي تلت هذه المرحلة.

التجارب الموسيقية الآلية العربية للقرن العشرين

يعتبر يوسف جرانت وعلى عثمان الحاج نادر  وشريف محي الدين.. كمؤلفون موسيقيون من مصر أو بشارة الخورة ومرسيل خليقة من لبنان وصلحي الوادي السوري ..من المؤلفين الذين بادروا في تقديم قوالب غربية قابلة للتصنيف الواضح مثل الكنسيرتو والقصيد السنفوني والسنفونية، وهنا يمكن أن تعتبر القرن الحادي والعشرين بداية الوصول لمواكبة المؤلف الموسيقي العربي للتصنيف الغربي الواضح في عديد من الأمثلة، خاصة في المجال الأكاديمي الذي أخذ يبرز في عدد من البلاد العربية ويكون له التأثير الواضح، ومن هنا يمكن لنا الانطلاق في سياسة واضحة في عملية تصنيفٍ الهدف منها تركيز كل نمط ولون موسيقى غربى في خانته ومكانته حسب هيكلته وقالبه وتركيبته وأسلوب كتابته وخطابه الموسيقى.

وهو تصنيف يمكن أن يساهم في التعريف بكل لون وكل نمط على حدة، وأن يجعل كل هذه التجارب تبرز في إطارها وعند متتبعيها، فقد آن الأوان اليوم في بلادنا العربية لتحديد هذا التصنيف حسب مقاييس ومكونات من شأنها أن تحدد كل نمط وكل توجه فنى وموسيقى وتضعه في خانته ومكانته، وكحماية ومحافظة على هذا الثراء والتنوع الذي وصلت إليه هذه التجارب المتنوعة من إنتاج الموسيقة العربية، وخاصة على صعيد التنوع في المحتوى

التراثي والخصوصي لكل منطقة وكل تجربة وأسلوب خاص بجهة أو مدرسة موسيقية أثبتة وجودها ومكانتها في الوسط الفنى.

تجارب الموسيقة الغربية لما بعد الحداثة ومراوحتها بين الموروث العربي والمؤثرات الغربية بمختلف مصادرها

يشهد العالم العربي اليوم تجارب تحتوي تحولاة مغايرة لما عرفه الإنتاج العربي في الخمسيناة والسبعيناة،

بعد المؤثرات الغربية والأمريكية التي عرفتها السينماء الغربية والتي حادة بالموسيقى العربية نحو الكتابة الأركسترالية والمؤثرات الصوتية المماثلة للتقنيات الغربية، وبعد التقارب الواضح للعديد من الأعمال الغنائية والآلية مع الأسلوب الغربي للكتابة الموسيقية نجد اليوم أسلوبا مغايرا في تناول المؤلف العربي مع الأعمال التي يشهدها العالم العربي، فبعد التأثر بالآلات الكهربائية والألكترونية والرقمية وتركيز عدد كبير من الأعمال العربية عليها نلحظ اليوم نوعا من العودة للموروث الموسيقي العربي في شكل مغاير ومختلف، وفي أشكالٍ موسيقة عربية تراوح بين الموروث التقليدي العربي والكتابة المنوعاتية الغربية، وفي أسلوب يجعلنا نعيد المقاييس التصنيفية ونراجعها.

وعلى الصعيد الجمالي والخطابي تعكس الأعمال المنسوبت إلى العالم العربي تصورات مغايرة لما ذكرناه، تصورات تحاكي ماهية الموسيقى في فلسفتها الحداثية ومقاربتها الجريئة، هي رؤية لتيار عاصر الحداثة والأصالة وكانت له إرادة في الخروج من هذا وذاك، وهي إنتاج يقدم خطابا محايدا لا غربيا ولا شرقيا، أما على صعيد التصنيف فلا نجد إلا نمط موسيقى العالم التي نجدها ملاذا لكل هذا الإنتاج غير التقليدي في شكله وقالبه وغير الشعبى في كلمته وإيقاعه، ميزته هي كونيته  ووصوله إلى كل الميولاة والروافد الحداثوية.

أعمال شباب اليوتوب كما يطلق عليهم اليوم في العالم العربي:  “مشروع ليلي”و “فيى يونان” و” هبة طوجى”..الأخوين الغربى وزياد الزوارى وجاسم حاج يوسف ..أمثلة نرى فيها هذه المصنفاة التي تمثل إنتاج العالم العربي الحديث والمعاصر،  أشكال تلامس الحداثة مع عدم تنكرها للموروث العربي، موروث وقع إفحامه بأسلوب جمالي لا يتعارض مع تقاليد أدائه التي انخرطت في  هذا المحيط العام من المقاربة الجمالية والفنية الخاصة، أسست لقرائة متجددة لأعمال أثرت المشهد الموسيقي والثقافي العربي وطرحت أشكالا حديثة من المصنفات الموسيقية الغنائية والآلية التي تعارض الماضي وتقطع معه لكن ترسم ملامح المستقبل الموسيقي العربي. الإستماع في النهاية لنموذج: “مشروع ليلى” “على بابو”.

الخاتمة

تبقى مسألة المصنفات الفنية قابلة لطبيعة الأسلوب الذاتي الخاصة بكل مؤلف ومساهم في العمل، أساليب منفتحة ومتأثرة بشتى العوامل والأطر المتاحة زمنيا وجغرافيا وفنيا، لذلك   لا تعتبر كل تأويل وتحليل أمرا هينا للوصول لتصنيف نهائي وصريخ وتبقى كل هذه النتائج نسبية تخظع لمختلف الزوايا التي نرى منها الإنتاج الموسيقى للعالم الغربي، وهو إنتاج يتسع لكل التوجهات والاختياراة الواعية أو العفوية، لكن ما يمكننا الوصول إليه من نتائج حتمية هو التنوع والتمازج الكبير بين مختلف أشكال الموسيقة التي ظهرت في بلادنا العربية على مدى القرنين الماظيين، تنوع في الأساليب والتقنيات والخطاب والشكل والقوالب الموسيقية، وهذا ما يميز هذا المخزون العربي الذي سيبقى في تحولاته ومواكبته للتغيرات الإقليمية والفنية ما بقى المبدع الغربي في سعيه للبحث عن المادة الفنية المواكبة لطبيعة العالم الغربي المتحولة سياسيا وإجتماعيا.

 

أمثلة من المصنفات العربية

  • الشرق والخليج العربي : موسيقي شرقية – موشحات أندلسية – موسيقى غربية –قدود حلبة-المقام العراقى- مسرح غنائي – أغاني الأقلام – موسيقي شعبية – موسيقى طربة – موسيقى عاطفية – موسيقى نوبية – لبنانى – دبكة – موسقى الرقص الشرقي – فولكلور فلسطيني – خليجي – سوداني – صعيدي – مقام عراقى – الموسيقة السوفية والأذكار النبوية – الابتهالات الدينية – الترنيمات الدينية الكنسية
  • المغرب العربي: مألوف – موسيقى أندلسية – موسيقى الصنعة – موسيقى الآلة – الغرناطية – موسيقى شعبية – موسيقى حضرية – موسيقى تقليدية – موسيقى ريفية – البدوي – الشاوي – الموسيقى الامازيغية – الموسيقى البربرية – موسيقي سكان جبال الأطلس المغربى- القصبة – الصحراوي – السطمبالى – موسيقى الطرق السوفية – المداءح والأدكار – الأغاني الملتزمة – الجاز العربي – موسيقى شبابية – الراب – موسيقى الراي –  موسيقى إلكترونية –  الديدجي – السلام باللغة العربية.

                           

أمثلة من المصنفات العالمية

 

  • Grande Musique: école Nationales – Postomantisme – Expressionnisme – Impressionnisme – Folklorisme – Orientalisme – Jazz symphonique – Musique d’ameublement – Musique sérielle – Musique répétitive – Musique spatialisée – Musique concrète – Musique électronique
  • Jazz : Negro spirituals – Wrk songs – Gospel songs – Blus – Ragtime – New Orleans – Boogie Woogie – Swing – Be bp – Col jaz – Free jazz – Jazz manouche – Jazz fusion
  • Chanson, Cinema : Music-hal – Chansson – Comedie mussicale – Musique de films
  • Du Roch au Metal : Roch’n roll – Fok – rocch – Pop – Roch californien – Roch progressif – Roch psychédelique – Glam-roch – Hard-roch – Heavy metal – Punk
  • Du Blues au Rapp : Rhym’n bles – Soul – Afro-roch – Ska/Rrgge – Funk – Rap
  • Mussique Electroniques : Disco – New wve – Dansse – Housse – Techno
  • Folklores Musiceaux : Musique celtique – Faddo – Flamonco – Rebetiko/Sirtaki – Musique tzi gane – Rayï – Country/Bluegrass – Musique cajun – Zouck – Caypso – rumba – Mambo – Saslsa – Tango – Samba – Bosa-nova – Batucada – Word-Mussic

 

Share This:

Leave a Reply