الأستاذ مصطفى قايد في : أفلا يتدبرون القرآن

mostpha gaied

كان الناس في عهد الجاهلية يتبرمون من إنجاب البنات

_ رغم أنهن الأم و الأخت و الزوجة و لكن ذلك لم يشفع لهن. و يتغير المجتمع قدوم البنت مصيبة تحل بالعائلة يجب التخلص منها لأنها تجلب المهانة و الذل وهي عبء ثقيل يجب التخلص منه و لو بطريقة وحشية مثل دفنها في التراب حية كما كان واقعا في عهد الجاهلية قال تعالى في وصف هذه الظاهرة في سورة النحل : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظيمٌ ﴿٥٨﴾ يَتَوارى مِنَ القَومِ مِن سوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمسِكُهُ عَلى هونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحكُمونَ ﴿٥٩﴾ .و قد قضي الإسلام  على هذه الظاهرة في المجتمع الإسلامي و لكن يبدو أن جذورها ما زالت عالقة ببعض النفوس إلى الآن و قد ذهب بعضهم إلى حدّ تحميل مسؤولية إنجاب البنات إلى المرأة ظلما و جورا و كأن المرأة بيدها الأمر و تستطيع تغيير الواقع.

و في ذلك قسوة عليها و تجاهل لحكم الله و قدره الذي يرزق من يشاء بالبنين فقط أو البنات فقط أو يزوجهم ذكرانا و إناثا و يجعل من يشاء عقيما قال تعالى في سورة الشورى : لِّلَّـهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ﴿٤٩﴾ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٥٠﴾.

إذن فالأمر بيد الله و لذلك علينا أن نسلم بأن الخير فيما يختاره الله لأننا لا نعلم الغيب و لا نعرف ما ينتظرنا في مستقبل الأيام

هذه لمحة إيمانية تساعدنا على التسليم بالقضاء و القدر وتخفف عنا ضغوطات الأسرة و المجتمع و لمعرفة الواقع ووضع الأمور في نصابها أدعوكم للوقوف على مراحل الإنجاب لنعطي كل ذي حق حقه و نحاول بذلك رفع المظلمة و الجور عن النساء.

أخي القارئ الرجل و المرأة عنصران مكملان لبعضهما فهما قطبا الحياة يتفاعلان مع بعضهما فينجبان و يتعاونان فتستقيم الحياة.

فالله أودع في الإنسان شهوة الأكل وحب التفوق وشهوة الجنس و بفضل الشهوة الأخيرة التي يقبل عليها بشغف يحصل اللقاح و يتم الإنجاب.

و أستسمحكم لوصف عملية اللقاح  رومنسيا لدقتها و اعتبار ما ستؤول إليه إنها عملية يمكن تشبيهها بعرس مصغر فيه خطبة و تزاوج و تفاعل:

يخرج من مبيض المرأة كل دورة ” شهريا تقريبا” بويضة بحجم  حبة الملح و تتجه في ممر نحو المستقر “الرحم” عن طريق قناة بها شعيرات تتحرك في اتجاه الرحم فتتلقف  البويضة و توصلها مكرّمة إلى عش  التزاوج و تستقر هناك تترقب خطبتها من الحيوانات المنوية التي قد بحل ركبها مدة حياتها متحفزة لاختبار من يقترن بها من الجيش المحيط بها من الحيوانات المنوية الذكورية و الأنثوية. ثم بمشيئة الله

وقدرته يتم الاستجابة لحيوان منوي واحد تفتح له باب البويضة فيقترن بها ويتفاعل معها فإن كان ذكوريا يكون المولود ذكرا و إن كان أنثويا يكون المولود أنثى.

و يبدأ اللقاح في التشكل من حيوان منوي مقترن بالبويضة إلى علقة(1) فمضغة(2) ثم تتشكل الخلايا النوعية خلايا عظام النخاع الشوكي ثم تكسى العظام لحما ثم يصبح خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين و الغريب أن هذه المراحل الناتجة عن اللقاح اكتشفها العلم حديثا و القرآن ذكرها  بأدق تفاصيلها منذ ما يزيد عن الألف و أربعمائة  عام و المسلمون يمرون عليها عند قراءتها  مرّ  الكرام  فقد قال تعالى في سورة المؤمنين: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ﴿١٢﴾ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾

  • وهي عبارة عن دم خليط متجمد
  • وهي عبارة عن كتلة بحجم اللقمة عليها أثار المضغ

وفي أثناء قراءتي للقرآن استوقفتني عدة آيات في سور مختلفة تتحدث عن عملية الإنجاب و مراحل تكوين الجنين و تحديد جنسه ذكرا أو أنثى فتبين لي أن:

المرأة لا دخل لها في تحديد جنس المولود

و أن المرأة ليست مسؤولة عن إنجاب الذكور أو الإناث؛ فالأمور تجري بالمقادير أولا، و أن نطفة الرجل هي التي تحدد جنس المولود ثانيا أما البويضة فهي حاضنة للحيوان المنوي الذي قدّر الله له أن يقترن بها وهي عبارة عن أرض خصبة تنبت الغرس الذي زرع فيها. وقبل أن يكتشف العلم الحديث مراحل اللقاح تفطنت المرأة لهذا المفهوم في العهد القديم عندما أصابها ما أصاب مثيلاتها من المضايقات و الحرج إلى حد التخلي عنها من طرف زوجها فتحسرت و ألهمها الله   شعرا قالت فيه :

ما لحمزة لا يأتينا: غضبان لأننا لا نلد البنين

فإن نلك ليس بأيدينا: فنحن ننبت ما غرس فينا.

وقد أنصف القرآن المرأة و برّأها مما ألصق بها من مسؤوليتها على توالي إنجاب البنات ، و لكن العادات و الظواهر الاجتماعية تمكنت من شعور بعض العامة و أختمت  على قلوبهم حتى أصبحوا يحتقرون المرأة التي تلد البنات ظلما و جورا.

ذكر القرآن في عدة سور أن النطفة بقدرة الله و حكمته هي المسؤولة على تحديد جنس المولود ليرفع عن المرأة الضيم و الجور ولكن بعض الناس لا يفقهون ما يقرؤون.

قال تعالى في سورة القيامة :

أيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴿٣٦﴾ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ﴿٣٩﴾.

و في سورة النجم: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ﴿٤٥﴾ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴿٤٦﴾.

و في سورة الكهف: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾.

و هناك آيات عديدة أخرى تؤكد أن النطفة هي مسؤولة على جنس المولود.

سورة المؤمنون: ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿١٣﴾ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّـهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴿١٤﴾.

و في سورة النحل : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾.

و في سورة  الإنسان :  عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴿٢١﴾.

و في سورة عبس:  مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾.

و هناك آيتان  في سورة السجدة : ثمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ﴿٨﴾.و في سورة  المرسلات:  فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴿٢١﴾. تؤكدان أن الإنسان خلق من ماء مهين و في سورة الطارق: خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾.

فكل  الآيات التي تتحدث عن الإنجاب تؤكد أن المرأة لا دخل لها في تحديد جنس المولود.

و لذلك فإن الرجال و المجتمع مدعوّون إلى توخي الحكمة في إصدار مواقفهم و رفع المظلمة التي تعاني منها المرأة منذ الجاهلية إلى الآن في بعض الأحيان.

أخي المسلم ألم تقرأ هذه الآيات البينات في القرآن الكريم ؟ ألم تستوعب مدلولاتها؟ فلم  هذه الغفلة؟

والإعراض عن تدبر القرآن فهو المنهج لأمة محمد والذين من بعده. و هو نبراس يستضاء به  لفهم الحياة وكيفية التصرف فيها مع الله و المجتمع.

أخي المؤمن اقرأ القرآن بتدبر تكن مع الله فيسهل علبك تطبيق أوامره و الابتعاد عن نواهيه و ارض بما قسم الله لك في المال و البنين و الصحة لان الأمور تجري بمشيئة الله و أن الخبر فيما يختاره الله.

فالتسليم بقضاء الله و قدره يبعث في النفس الطمأنينة و الاستقرار و يفتح لك باب الآمال و التفاؤل( فعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ). و خير ما أختتم به كلامي ما جاء في الحديث القدسي :يا عبدي أنت تريد و أنا أريد فإن سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد. وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد و لا يكون إلا ما أريد.

فتوكل على الحي الذي لا يموت في جميع الأمور واقتنع بما قسم الله لك تكن أغني الناس ولا تمدّنّ عينيك إلى ما عند غيرك تكن أسعد الناس و الله و لي التوفيق و السلام.

Share This:

Leave a Reply