أرشيفات التصنيف: الاداب

الرؤى في الابداع التشكيلى

 مدرسة تونس من التكتل قصد الاحتماء إلى تونسة 

بقلم الاستاذة: ربيعة ابن لطيفة (جامعة تونس)sans-titre

 

تمهيد:

المدرسة الفنية هي مصطلح يشير إلى تجمع له رؤية ومقاربات واختيارات جمالية خاصة به.وذلك لا ينفي تميز كل فنان بأسلوب شخصي وتصور منفرد داخل توجه المدرسة. لكن خصوصية تكون جماعة “مدرسة تونس” تكمن في عدم وجود أي تصور جماعي وأي فكر تأسيسي له علاقة بالتراث الفني التونسي (في البداية).

كان تأسيس هذه المجموعة ببادرة فردية من بيار بوشارل Pierre Boucherelle، حيث كان كل الأعضاء الأول من الأجانب المقيمين بتونس وكانت أهداف هذا التجمع حسب ما ورد في حوار صحفي مع بيار بوشارل:”هو ربط الصلة بين بعض الفنانين المتميزين دون أي اعتبار للجوانب العرقية أو الدينية. ثم إن “مدرسة تونس”لا تدعي أو تنوي أن تكون مدرسة فنية على غرار مدارس الرسم الإيطالية والإسبانية والفرنسية أو الألمانية”.

  1. ظروف تأسيس “مدرسة تونس”:

يمكننا القول إن الصالون الأول للفنون التشكيلية في تونس الذي افتتح في ماي 1894 في مقر الجمعية العالمية المالطية بنهج اليونان، كان قادحا لفتح أعين التونسيين على فضاءات العرض وعلى الرسم المسندي وتمكينهم من الاطلاع في مرحلة أولى على الأعمال المعروضة لأنطونيو كوربوراAntonio Corporaو بيار بوشارل PierreBoucherelleو موزاس ليفي Moses Lévy و جيل ليلوشJules Lellouche، ثم في مرحلة لاحقة في الاشتراك معهم في المعارض حيث عرض الجيلاني عبد الوهاب تخطيطاته سنة 1912 والتحق به يحي التركي سنة 1923.   وتجدر بنا الإشارة أن الرسم المسندي كان موجودا في بلاط الباي وكانت فرصة اكتشافه حكرا عليه وعلى حاشيته، أما ممارسته فهي في الغالب للفنانين الأتراك الوافدين على القصر.

بالنسبة لبدايات جماعة “مدرسة تونس”، كانت منحصرة في الرؤى الفنية التي أفرزها الصالون الأول للفنون التشكيلية في تونس، وحسب ما ذكره الرسام والأديب الأستاذ علي اللواتي في مؤلفه الذي يحمل عنوان: “الفن التشكيلي في تونس” فقد كانت بدايات هذه الجماعة تتسم ب “التأثر برؤى المستشرقين للحياة العربية التي قدموها حسب قوله:” في صورة مثالية وأحيانا مصطنعة وفق أهوائهم ولكن نظرتهم ظلت محدودة وسطحية في التعرف على روح الحياة العربية وكانت تخالطها عن وعي وعن غير وعي سلبيات الموقف الاستعماري المتعالي…”[1]     

إضافة للصالون التونسي الذي كان على شكل جمعية تضم المحترفين والهواة فقد شكلت مدرسة تونس للفنون الجميلة التي انطلقت في التدريس سنة 1923 ومقرها آنذاك دريبة بن عبد الله قرب تربة الباي وسيلة لدعم الحركة التشكيلية في البلاد، وتجدر بنا الإشارة أنها من أوائل مدارس الفنون بالبلدان العربية وسبقتها مدرسة القاهرة التي أنشئت سنة1908، ولم تفتح رسميا إلا سنة 1918 عقب فتوة شيوخ الأزهر بعدم معارضة الاسلام للرسم.

أما انطلاق المجموعة في العروض فعليا تحت مسمى “مدرسة تونس” فقد كان سنة 1947 في قاعات الرابطة الفرنسية “دار الثقافة ابن خلدون حاليا” وقد عرض خلاله أربعة رسامين: بيار بوشارل PierreBoucherelle، كوربوراAntonioCorpora، جيل ليلوشJules Lellouche،موزاس ليفيMoses Lévy… و في سنة 1948 أصبحت المجموعة تضم عشرة أعضاء، انضم للأعضاء القدامى يحي التركي و عمار فرحات و عبد العزيز القرجي و جلال بن عبد الله و نيلو ليفي و إدغار النقاش… كانت تسمية “مدرسة تونس” افتراضا من بوشارل تماهيا مع تسمية “مدرسة باريس”. في وقت لاحق تدعمت عضوية التونسيين في المجموعة بانضمام رسامين آخرين وهم صفية فرحات وإبراهيم الضحاك وحسن الصوفي والهادي التركي وعبد القادر القرجي…

أما عند الاستقلال فتخلى بوشارل عن رئاسة المجموعة ليحي التركي ومع تواصل المعارض تعرف العديد من الرسامين إلى المجموعة في البداية من خلال المشاركة في المعارض ثم الانضمام إليها وهم فتحي بن زكور وفريال الأخضر وحمادي بن سعد. ولكن السؤال المطروح في هذا المستوى:

هل يتجاوز دور هذه المجموعة تنظيم المعارض والصالونات إلى نحت خيارات جمالية تسم هذه المدرسة التي تحمل اسم بلادنا تونس؟

  1. التوجهات الجمالية والفكرية بين التشتت والالتقاء في “مدرسة تونس”:
  2. اختلاف الأساليب الفنية في “مدرسة تونس”: دوافعه ومظاهره

لعل أهم الإشكاليات التي اجتمع حولها فنانو “مدرسة تونس” تنبع من رغبة في تأسيس فن له علاقة بالأبعاد المحلية التونسية ومنفتحا على الآخر العالمي ولكن المسألة كما ذكرت ذلك درة بوزيد في كتابها “مدرسة تونس” [2] تتجاوز الحلم عندما نتفحص الاختلافات الأسلوبية والمذهبية لأعضاء “مدرسة تونس” المتأرجحة بين تشخيص أكاديمي وتجريدي حر وغيرها من التعبيرات التشكيلية المختلفة، هناك أيضا من يعتبر أن التجربة التشكيلية في تونس عقب الاستقلال، خاصة عند ترأس يحي التركي “مدرسة تونس”تقوم على تقنيات متميزة و متفردة كل ما يجمع بينها أنها تختلف عن “الفن الاستعماري” l’art colonial حسب تعبير محمد الصالح القادري في كتابه بالفرنسية “الثقافة في تونس”[3] .

من جهة أخرى، فإنه وكما سبق وذكرنا لم تقم “مدرسة تونس” على المفهوم الغربي للفظ المدرسة الفنية على غرار التكعيبية والوحشية…لذلك اتهمها العديد من النقاد بكونها تكتلا من الأعضاء لحماية بعضهم البعض وتأمين حضورهم في المعارض وقد عللوا مواقفهم هذه بتنوع مجالات نشاط أعضائها وعدم اشتراكهم في رؤية فنية واختيارات أسلوبية.

وهذا ما سيدفعنا للبحث حول دوافع هذا الاختلاف ومظاهره من خلال التطرق إلى تأثير “الفن الاستعماري” في بدايات “مدرسة تونس”، ومن خلال التطرق للأساليب التي ابتدعها بعض الفنانين التونسيين في مرحلة لاحقة لتميز أعمالهم وقد اتخذنا كمثال “عمار فرحات”، ثم سنتطرق إلى علاقة المتلقي ب “مدرسة تونس” ومراحل تطورها.

  • تأثير النظرة الاستعمارية على الممارسة الفنية في بدايات “مدرسة تونس”:

لقد ركز أغلب الفنانين الأوائل ب “مدرسة تونس” وما سبقها من أعمال فنية احتضنها الصالون                                                                      على رسم مواضيع مرتبطة بالحياة اليومية التونسية ومشاهد من المعمار التونسي ومن الأسواق والأماكن العمومية وهو ما يطرح تساؤلا حول أمانة هذه الصورة من عدمه. وذلك حسب اعتقادنا لسببين اثنين الأول متعلق بمسألة الانتماء والهوية والثاني متعلق بمسألة الأسلوب والتوجه الجمالي.

أما بالنسبة لمسألة الانتماء والتعبير عن الهوية من خلال الأعمال الفنية فإنه يكاد يكون مغيبا في بدايات تكون المجموعة حيث أن أغلب المنتمين إلى “مدرسة تونس” كانوا من المعمرين أو الأوربيين الذين استقروا في تونس ومن اليهود التونسيين الذين لا تجمعهم قواسم مشتركة من حيث اللباس التقليدي      والعادات الغذائية وطريقة الأعراس والختان والمناسبات الدينية بأغلبية التونسيين المسلمين. إضافة إلى ذلك فإن العديد من الرسامين لم يحتكّوا عن كثب بالمعيش اليومي التونسي ولا نخالهم قد دخلوا بيوت التونسيات وعايشوا عن قرب البسيطات منهن خاصة وأن أغلبهم من أوساط مترفة، نذكر منهم أبرزهم بيار بوشارل وهو ابن لمعمر فرنسي قدم إلى تونس منذ انتصاب الحماية، وهو من الجنود الذين جرحوا أثناء الحرب العالمية الأولى، كما أنه تحصل على الإجازة في الحقوق، ولكنه لم يشتغل قط في هذا المجال، بل كانت بداياته ك «كريكاتوريست” في مجلات فرنسية ساخرة تصدر في تونس. ثم سافر إلى إسبانيا في بعثة موّلتها تونس للرسامين، تطورت خلالها معرفته بالرسم المسندي وبتقنياته، وكان له عند عودته إلى تونس مرسم بنهج إسبانيا وقد نظم العديد من المعارض في تونس مع أصدقائه الثلاث الذين تحدثنا عنهم في بداية هذا المقال ثم مع بقية الأعضاء الذين التحقوا ب «مدرسة تونس”.

من جهة أخرى، وفي ما يتعلق بمسألة الأسلوب والتوجه الجمالي فقد كان متعددا و مختلفا ، أمام هذا التشتت في الأساليب الفنية وغياب الصلة الوثيقة بتونس يمكننا القول أن رسم المستعمر و الأجنبي للحياة اليومية التونسية سواء منذ تكون “مدرسة تونس” أو ما سبقها من زيارات المستشرقين، من ذلك استقرار البارون ديرلونجي le Baron D’Erlanger سنة 1909 بتونس ومقدم الرسام بول كلي Paul Klee سنة 1912، أو حتى زيارة هنري ماتيس Henri Matisseللمغرب سنة 1912، يطرح تساؤلا عن تأثير الصور المنقولة عن بلدان المغرب العربي التي كانت ترزح في تلك الفترة تحت وطأة الاستعمار على استقدام المستعمرين إلى هذه المناطق؟

حيث تعددت الآراء بين من يرى أن “الفن الاستعماري” مثّل وسيلة لجلب المستعمر من خلال هذه الصور التي تجسد أماكن جميلة أو هو أيضا دليل على التعالي عن واقع المجتمع التونسي وذلك من خلال ” التركيز على مظاهر التخلف والعجز المادي والمعنوي للأهالي في الصور الكثيرة التي تمثل المعدمين              والمتسولين والعميان و الاسيتهامات الجنسية الظاهرة في تمثيل المرأة الشرقية، بالمرأة الأفعوان و المرأة القطة إلى غير ذلك مما يزخر به الوجدان الاستعماري من الصور …” [4] في المقابل هناك من يرى أن هذه الزيارات مثلت فرصة للتونسيين للتعرف على الرسم المسندي والتعرف لا فقط عن التقنيات الغربية للرسم بل للتعرف أيضا على السوق الفنية التي كانت تفتقدها تقريبا ويقول فرانس بوشارل في هذا الإطار :” في تونس، لم يكن هناك سوق للرسم، الناس يدخلون المعارض لإلقاء نظرة فقط، كانوا هواة ينحدرون أساسا من عائلات المستعمرين الإيطاليين والفرنسيين، وبعض التونسيين المولعين… النشاط الذي كان سائدا في تلك الفترة اقتصر على الحرف والاهتمام بتزويق المنازل و القصور، اعتمادا على الرسم تحت البلور تصور مشاهد تقليدية أوفن المنمنمات “[5]

وتجدر بنا الإشارة أن ورود هذا الكلام على لسان فرنسي يمكن أن يعتبر تبريرا أو تقنيعا لنوايا الفنانين من المعمرين ولكنه في الآن ذاته واقع وحقيقة خاصة من خلال مراجعاتنا لبدايات الرسم المسندي في تونس

وبالتالي نستطيع أن نستنتج أن هذه التجربة ـمدرسة تونس-أو ما سبقها من ممارسات للرسم ما يطلق عليه “الفن الاستعماري” كانت بعيدة بنسبة كبيرة عن المجتمع التونسي.

  • محاولة “تونسة الفن” من طرف بعض الفنانين التونسيين: عمار فرحات نموذجا

كما سبق وذكرنا حاول العديد من الفناني متابعة قراءة الرؤى في الابداع التشكيلى

Share This:

ندوة الصحافة المكتوبة ورهانات المستقبل بين الورقي والالكتروني

الصحيفة والصحافة الالكترونية ..المأزق الأخلاقيsans-titre

 

 الجزائر  ) الأستاذ عثمان اللحياني)

مع الطفرة الإعلامية برزت الصحافة الالكترونية كواقع ينسجم مع التطورات الحياتية، لكن السؤال الأخلاقي والمهني ظل مطروحا عما إذا كانت الصحافة الالكترونية المتحررة من كل القيود، بديلا حقيقيا للصحافة المكتوبة.

في تجربة الجزائر، وبسبب الضوابط العتيقة التي تفرضها السلطة، مازالت الصحافة الالكترونية معقدة في مسارها، ولم تفرض نفسها بالشكل الذي فرضته في أكثر من منطقة في العالم.أغلب الصحف في الجزائر حاولت التكيف  مع هذا تطورات ، ونجح بعضها في طرح مرافق الكتروني للصحيفة الورقية ،لكن مع ذلك  لم تؤثر هذه التحولات بشكل عميق  في مستوى توزيع ومقروئية الصحف  الورقية ، وفق الأرقام ومبيعات الصحف .

برغم   نجاح  تجربة الصحافة المستقلة في الجزائر  على صعيد كسر احتكار  المعلومة  والتوزيع والطع في الجزائر ، وتجاوز الاكراهات التي وضعتها السلكة ومارستها   وتمارسها حتى الآن لتوجيه الصحافة في سياقاتها السياسية ، إلا أن تجربة الصحافة الالكترونية  لم تعرف الطريق إلى  التشكل في الواقع الإعلامي  وفرض نفسها  في المشهد ، ومازالت تجربة فتية لعوامل كثيرة سيأتي ذكرها ، وبعيدا عن التحليل فان الأرقام في الحالة الجزائري تؤكد  أن الصحافة الورقية مازالت  تسير على  الركح الإعلامي وتلعب الدور الأبرز في  تسويق المعلومة والخبر وصناعة الرأي العام  وتحليل الأحداث ،وإذا جاز لنا  أن نستدل بالأرقام ، فانه من الواضح ان الصحف المطبوعة لم يتأثر نشرها وتوزيعها ومبيعاتها بوجود الصحافة الالكترونية ، بخلاف الحالة في تونس أو في دول عربية أخرى ،فجريدة   الخبر التي تعد  من اكبر الصحف في الجزائر ، مازالت تطبع وتوزع ما يقارب نصف مليون نسخة يوميا ، ولا تزيد مسبة مرتجعاتها عن 17 بالمائة ، (  مع ملاحظة أن الصحيفة تنشر يوميا في صفحتها الأخيرة حجم طبع كل عدد ) ومثلها تطبع  جريدة الشروق اليومي ،وإذا أردنا أن نذهب إلى مثال أكثر واقعية فإن الخبر والشروق كانت اللاعب الأبرز إعلاميا في حادثة كرة القدم  بين الجزائر ومصر وبلغ سحبهما  في تلك الفترة إلى 850 ألف نسخة يوميا  ، وحت الصف الفرنسية المؤثرة كصحيفة  الوطن وليبرتي لم يتأثر سحبهما وبقي في حدود 80 إلى 100 ألف نسخة .

 

 تلعب عوامل سياسية وتقنية لصالح استمرار هيمنة  الصحافة المطبوعة على المشهد ، فبالسلطة في الجزائر ، التي يستحكم فيها الخوف من الصورة والإعلام والتواصل الاجتماعي ، أهدر خوفها هذا  على الجزائر تجارب كان يمكن أن تكون رائدها فيها في مجال الصحافة والإعلام الالكتروني ، وتأخر إطلاق الوسائط الالكترونية   في الجزائر ، فإطلاق الجيل الثالث  للهاتف المحمول  وتحرير الانترنت  بشكل واسع ، لم يتم سوى منذ ثلاث سنوات فقط ، وهو بشكل الإعلامي في الجزائر برغم الطفرة الالكترونية التي يشهدها العالم ، ولذلك كان الاعتماد على الانترنت التقليدية المتحكم  فيها  عبر الكوابل والخطوط الثابتة  ،لا يتيح تطوير الصحافة الالكترونية.

 التشريع القانوني عامل آخر لم يتح تطوير الصحافة الالكترونية في الجزائر (نتحدث عن صحافة محترفة طبعا )، إذ ظل قانون الإعلام الصحافة قابعا بين الحكومة  والبرلمان لأكثر من خمس سنوات ، قبل أن يتم صدوره في يناير 2012 ، والذي تضمن تحرير الفضاء السمعي البصري وإعادة تنظيم قطاع الصحافة ، وخصص جانبا للصحافة الالكترونية ، لكن السلطة تتعمد حتى الآن إصدار المراسيم التنظيمية  لهذا القانون ، ولذلك  تجد المواقع الالكترونية  الإخبارية وغير الإخبارية صعوبة في تكييف وضعها القانوني ، مع ان عددا منها يعمل بشكل جيد ويقم مادة إعلامية متميزة  كموقع كل شيء عن الجزائر  و الحدث الجزائري و يقول .

 عامل آخر يتعلق بتردد الصحف في تطوير مواقعها  الالكترونية ،اذ تحجم الصحف  على تطعيم مواقعها  بالمادة الإخبارية التنافسية ، لسوء فهم يدفع البعض إلى الاعتقاد أن  تطوير الموقع بالشكل التنافسي ، سيؤثر  سلبيا على   مبيعات الصحيفة ، ولذلك تعمد إلى تأخير نشر الأخبار الحصرية  والمادة الخاصة بها على موقعها قبل منتصف النهار ، أي بعد أن تكون قد باعت حصة كبيرة  من النسخ المطبوعة ، غير انه  في الفترة الأخيرة عمدت صحف الخبر والشروق  والوطن إلى تحويل مواقعها إلى مواقع إخبارية ، وانتدبت صحفيين يعملون في هذه المواقع.

أتاح هذا التردد الفرصة  لبروز صحافة الكترونية محلية  ، وصفحات إخبارية  في عدة مناطق ، ونشطت هذه الصفحات الإخبارية   تزامنا مع  موجة الاحتجاجات في منطقة الجنوب  ضد استغلال الغاز الصخري ، لكنها  صحافة لا تتسم بالاحترافية  الكافية ، لكون  الدافع  إليها مطلبي  وليس مهني .

في الجزائر أكثر من أي بلد  ، بالنسبة للصحافة والصحافة الالكترونية ، أزمة أخلاقية على  ثلاث أصعدة  ، على صعيد   السلطة  التي تحاول أن تخنق الهواء  وتكرس الهيمنة  وتتماطل في تنفيذ التشريعات  التي تؤطر وتطور الصحافة ، وعلى صعيد  الجسم الصحفي الذي مازال كلاسيكيا برغم كل التجربة الثرية والغنية   والتضحيات  التي دفعها الصحفيون ، حيث قتل 53 صحفيا خلال عشرية الدم ،  وثالثا على صعيد المجتمعي حيث مازال التعاطي مع الانترنت  اضعف مما يمكن أن يكون .

Share This:

ندوة الصحافة المكتوبة ورهانات المستقبل بين الورقي والالكتروني

sans-titre

الصحافة الورقية وفرص الإستفادة من الواب

الأستاذ عبد الكريم الحيزاوي

نؤكد اليوم في تونس أنه ليس لنا معطيات حول الصحف والمجلات بعد أن تم حذف الوزارة المشرفة على قطاع الإعلام والاتصال في 2011 بعد الثورة باعتبار أن هذه الوزارة مقترنة بفكرة الرقابة، نذكر أن في زمن بن علي تم حذف كتابة الدولة (وزارة الإعلام) مرتين ولكن هذا لم يحذف الرقابة، بالعكس بل أصبحت رقابة غير مرئية وبالتالي أصبحت أخطر.

فحذف الوزارة وحذف حتى الإدارة العامة للإعلام التي تقوم بدور رصد معطيات الواقع الإعلامي أدى إلى عدم وجود أي إحصاء لعدد الصحف والمجلات لأن مجلة الصحافة الجديدة (حرية الصحافة والتعبير والنشر:نوفمبر 2011) التي تعتبر إسهاما من جامعة سوسة من الأستاذ رضا جنيح الذي كان المنسق للفريق الذي أشرف على إعداد قانون الصحافة الجديد  وفي هذا القانون الجديد لم يعد هناك واجب للحصول على ترخيص من جهة حكومية لإحداث أو بعث صحيفة أو مجلة ويكتفي المواطن بعد أن تمتع أخيرا بهذه الحرية (حرية النشر) بإيداع ملف تصريح لدى المحكمة الابتدائية. لا أعلم إن كان هناك على مستوى وزارة العدل وصل لإحصاء هذه الصحف الجديدة على الأقل التي تم التصريح بها بعد 2011 ولكن الجهة المسؤولة اليوم أصبحت القضاء ووزارة العدل.

اتجهت يوم أمس إلى الصديق الطيب الزهار رئيس جامعة مديرين الصحف لألتمس منه بعض الأرقام ولكن أجابني بأنه لا توجد أي دراسة ولا أرقام تتعلق مثلا بنسبة القراءة، كل ما يمكن أن يقول أن توزيع الصحف بالمعدل اليومي لا يتجاوز 100 ألف نسخة، وهذه النسبة تعد ضعيفة جدا بالنسبة ل11 مليون ساكن(ما يقارب 11 بالمائة نسبة القراءة)، ومقارنة ببعض البلدان الأخرى التي تصل فيها نسبة القراءة إلى 96 بالمائة و92 بالمائة و82 بالمائة مثل أيسلندا في المرتبة الأولى تليها اليابان ثم السويد والنرويج.

ننتقل إلى ملاحظات عامة حول وضع أو أزمة الصحافة الورقية على المستوى الدولي كما نعلم هي أزمة عالمية، هناك انتقال من مرحلة إلى مرحلة، بالطبع الالكتروني أو الانترنت لن يقتل تماما المكتوب مثل التلفزيون لم يقتل السينما والسينما لم يقتل المسرح ولكن هذا يحتم بعض مجهودات للتطويع والتأقلم، فإن أردنا أن نأخذ بعض الأرقام على المستوى الدولي وهي متوفرة فحسب المنظمة العالمية للصحف هناك في 2014 استقرار في أرقام التوزيع بالنسبة للصحف المطبوعة وهذا بفضل نوع من التوازن والمعادلة بين ارتفاع السحب في آسيا ونسبيا في الشرق الأوسط ويقابل هذا تراجع توزيع الصحف في أوروبا وأمريكا وهذا التطور هو بنسبة 2 بالمائة خلال ال5 سنوات الأخيرة، هذا يعطينا ما يقارب 2.5 مليار قارئ للصحف المطبوعة على المستوى الدولي أي على مستوى 70 دولة التي تم فيها هذا الكشف.

على مستوى 70 دولة التي يشملها الرصد التي تنتمي إلى المنظمة الدولية للصحف نجد 800 مليون قارئ على المنصات الالكترونية، يعني مازالت الصحف المطبوعة أكثر انتشارا من القراءة على الواب.

ولكن هذا الوضع يتغير بسرعة، يعني لو أعطينا أرقام في 2015 سنجد أن القراءة على الواب سجل قفزة سريعة.

لكن ما نلاحظه وهذا من علامات الأزمة هو تراجع على مستوى مداخيل الإعلانات، هذا التراجع بلغ 13 بالمائة خلال السنوات ال5 الأخيرة، ويعتبر هذا المؤشر سلبي رغم أن هناك ارتفاع ب47 بالمائة للإعلانات، لكن هذا الارتفاع لا يعوض الخسارة المسجلة على مستوى الصحف المطبوعة.

الملاحظة الموالية بخصوص الوضع على المستوى الدولي هو تطور سريع لتوزيع الصحف الرقمية بمقابل 2000 بالمائة  خلال ال5 سنوات الأخيرة وهذا يدل أن القارئ مستعد أن يدفع اشتراك في صحيفة الكترونية إذا كانت تقدم مادة إخبارية ذات جودة  يوجد فيها الإضافة وهذا يفتح آفاق لنموذج اقتصادي جديد بالنسبة للصحافة المكتوبة. ولكن نحن في انتظار أن يكون هناك بعض المبادرات لتوفير مادة صحفية على الواب بمقابل وهذا المقابل يكون بالطبع في شكل اشتراك.

وعالميا بينت هذه التجربة في عديد الدول أن هناك طلب على المادة الإعلامية الجيدة حتى وان كانت بمقابل. رقم آخر أيضا يفيد أن على المستوى العالمي، القراء الذين يطالعون الصحف المطبوعة وأقل من النصف فقط يطلع على النسخ الالكترونية ما يقارب 46 بالمائة.

عندما نطلع على الواب العالمي ونحاول أن نقارن نسبة الإبحار في مواقع الصحف مقابل مواقع واب أخرى نجد أن مواقع واب الصحف والمجلات لا تمثل إلا 6 بالمائة من الزيارات لصفحات الواب.

نعود الآن إلى بعض ملامح أزمة الصحافة المطبوعة في تونس وآفاق الإصلاح والتطور، قات ضعف عدد القراء أقل من 100 ألف نسخة توزع كمعدل يومي، هذا بالطبع رقم ضعيف حتى مقارنة ببلدان الجوار.

السؤال الموالي يتعلق بمدى استفادة الصحف الورقية أو الصحف المطبوعة من الفرص التي توفرها المنصات الالكترونية المرتبطة بالشبكة العنكبوتية يعني هل استطاعت الصحف المطبوعة الكلاسيكية أن تتأقلم وتستفيد من الواب، بالطبع كل الصحف تقريبا لها مواقع على الواب ولكن هذه المواقع لم يقع استغلالها على الوجه الأفضل ولم يتم استغلالها لتوفير نموذج اقتصادي جديد على أساس أن هذه المواقع وما يمكن تجديده من إعلانات وفرص لمداخيل جديدة للصحف لتعوض عن تدهور نسبة القراءة هذا في الواقع الأرقام لا تدل عليه.

إذا أخذنا أهم المواقع التونسية بحيث نسبة الاطلاع ونسبة الزيارة نجد أن الإذاعات هي استفادت أكثر من غيرها واستطاعت إفتكاك الريادة على مستوى مواقع الواب. نجد موقع موزاييك أف أم هو الأول ولم تفتك منه الريادة منذ على الأقل 5 سنوات، نجاح موزاييك أف أم هو ليس فقط نجاح إذاعي وإنما أيضا نجاح على الواب. وتأتي إذاعة شمس أف أم الثانية في الترتيب و جوهرة أف أم في المرتبة الثالثة هذا الترتيب لشهر فيفري 2015, نجد في المرتبة الرابعة موقع الشروق اليومية وأصبحت هي الصحيفة الأولى على الواب الأولى خلال الأشهر الأخيرة بعد ذلك موقع لابراس في المرتبة 20.

اليوم علينا في الواقع أن نرصد هذه التحولات ويكون أن هناك على مستوى الدولة وعي لضرورة دعم قطاع الصحافة ودعم قطاع الإعلام، لدينا اليوم في الدستور مادة تضمن حق المواطن في الإعلام وهذا يعتبر من واجب الدولة فيجب عليها أن توفر تشريعات وآليات لكن غياب المسؤول الرسمي أو الحكومي عن القطاع الإعلامي لا يعني أن هذا القطاع ليس هنالك من يسوسه  ولكن ربما في الموازي غير ظاهر لنا. نفس الشيء أحصيت ما يقارب 18 لجنة مختصة في مجلس نواب الشعب ولم أجد كلمة إعلام في أي لجنة وهذا أيضا محايد. وبذلك نستنتج ضرورة أن يكون هناك من هو مسؤول على تطوير الإعلام ومن هو مسؤول عن إصلاح الإعلام باعتبار أن نجاح الإعلام هو نجاح الانتقال الديمقراطي ولا يمكن أن نترك الإعلام وكأنه قطاع موازي تحكمه قوى تتحرك في الخفاء ولا نعرف كيف تتحرك، هذه ربما ملاحظات عامة بالتأكيد لها تأثير على قطاع الصحافة، وأزمة الصحافة لن نتجاوزها إلا إذا كانت لدينا عزيمة سياسية تترجم على مستوى تشريعات والتشريعات تحتاج إلى آليات وهذه الآليات مفقودة الآن.

Share This:

الدكتور أحمد ذياب: لن تسقط دمشق العرب

ahmed dhieb

سنة 1258 قبل الميلاد فشل رمسيس الثاني القادم من مصر  في كسر دفاعات     قادش، بالقرب من مدينة حمص السورية، ونجح الحيثيون بإبقائها تحت سيطرتهم وانتهت المعركة باحتفاظ كل من الطرفين بنفس مكاسبه السابقة بعد خسائر فادحة تكبّدها كلا الطرفين في المعركة.

متابعة قراءة الدكتور أحمد ذياب: لن تسقط دمشق العرب

Share This:

بقلم عادل بن يوسف: المناضل النقابي الدستوري محمّد بن رمضان

المناضل النقابي والدستوري محمّد بن رمضان في ذمّة الله
(1923-2015)

 

youssef

عادل بن يوسف (كليّة الآداب والعلوم الانسانية بسوسة –قسم التاريخ–)

 

في ليلة غرّة أوت 2015 انتقل إلى الرفيق الأعلى أحد مناضلي الرعيل الأول من النقابيّين والدستوريّين وابن خالة مؤسّس الاتحاد العام التونسيي للشغل ورفيق دربه في عديد المحطات النضالية، الأستاذ محمّد بن رمضان عن سنّ تناهز 92 سنة.

وبهذه المناسبة الأليمة ومن واجب المسؤولية تجاه أحد المسؤولين في الاتحاد العام التونسي للشغل وفي جهازي الإدارة والدولة التونسية على الصعيدين المحلي والوطني مطلع الاستقلال، وبحكم علاقتنا به منذ سنوات في إطار أبحاثنا حول التاريخ المحلّي وتدويننا لشهادته بالصوت على امتداد جلسات مطوّلة في شتاء وربيع سنة 2007، رأينا من الضروري التعريف بالمغفور له وبمسيرته ونضالاته النقابية والحزبية التي امتدّت قرابة نصف قرن: من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى غاية منتصف الثمانينات من القرن الماضي، تاريخ مغادرته الساحتين النقابية السياسية وملازمته البيت بمدينة سوسة.

متابعة قراءة بقلم عادل بن يوسف: المناضل النقابي الدستوري محمّد بن رمضان

Share This:

كلمة جبرا إبراهيم جبرا-فلسطين في مناسبة مهرجان الزيتونة

جبرا ابراهيم جبرا

كلمة جبرا إبراهيم جبرا –فلسطين

في مناسبة مهرجان الزيتونة

بمناسبة تكريمه في 15/10/1994

سيدي الفاضل مدير المهرجان الأستاذ عبد العزيز بالعيد أعزائي الأساتذة الأفاضل في وزارة الثقافة التونسية, المجتمعين في المهرجان الدولي للزيتونة بالقلعة الكبرى ,أيها الإخوة الكرام جميعا.

إنه لشرف كبير لي في مهرجانكم الدولي, أن تفكروا بتكريمي لما سعيت فيه طوال عمري من فكر و كتابة.

متابعة قراءة كلمة جبرا إبراهيم جبرا-فلسطين في مناسبة مهرجان الزيتونة

Share This:

يقظة الوجدان: محمد علي بن عامر

محمد علي بن عامر

mouhamed ali ben ameur

يقظة الوجدان
عادت فكانت يقظة الوجدان                                                     بعد الفراق ولوعة الحرمان
لم يشطب النّسيان ما كتب الهوى                                              فالحبّ أقوى من قوى النّسيان

متابعة قراءة يقظة الوجدان: محمد علي بن عامر

Share This:

قصيد بعنوان : آخر… غيري: الشاعر : السيد بوفايد

الشاعر : السيد بوفايد

قصيد بعنوان : آخر… غيري

أيسعفني غدي

لأكمل النقصان في لغتي

أيمنحني الوقت حيّزا للبهاء

لأرسم دهشتي على البياض

متابعة قراءة قصيد بعنوان : آخر… غيري: الشاعر : السيد بوفايد

Share This:

رثاء الزعيم الحبيب بورقيبة : د. توفيق بن عامر

 

Taoufik ben Ameur

رثاء الزعيم

    الأليمة(*)

                         حزنت لفقدك   الخضراء

                                          يا زعيما تجله  الزعماء

                حيرتني بصمتها طول عقد

                                       رب صمت اخف منه البكاء(1)

متابعة قراءة رثاء الزعيم الحبيب بورقيبة : د. توفيق بن عامر

Share This:

الصحافة الورقية… أزمة محتوى واستقلالية وتطوير بنيوي : رنا النجار

photo1

رنا النجار

 صحافية وكاتبة ومنتجة تلفزيونية لبنانية

 

الصحافة الورقية… أزمة محتوى واستقلالية وتطوير بنيوي

تمرّ الصحافة عموماً والورقية خصوصاً بأزمة مالية وبنيوية وهيكلية، وبالتالي مرحلة انتقالية دقيقة، منذ العام 2008 تقريباً حين بدأ الحديث عن تحوّل بعض الصحف والمجلات من الورقي إلى الرقمي، وكيفية تغيير وجهة الصحافة من نشر المعلومة إلى الغوص في المعنى الثقافي الواسع للكلمة وتقديم مادة سلسة وعميقة وحصرية بعيداً من الأجندات السياسية والصراعات، وتحديد الجمهور المستهدف ونقل صوته.

 

وكانت «ذي كريستيان ساينس مونيتور» أولى الصحف الأميركية التي تحوّلت كلياً إلى الإلكتروني في 2009 بعد قرن كامل من الصدور ورقياً. وكان الكاتب الأميركي مايكل أس. مالون أول من توقع في مقالة على موقع محطة «ABC NEWS» في 2005، موت الصحافة الورقية بسبب الثورة التكنولوجية. ومذّاك شهدنا تحولات صحف عالمية كثيرة آخرها «ذي إندبندنت» البريطانية التي احتجبت نسخها الورقية واكتفت بالإلكترونية «وفق خطة مدروسة لجذب جمهور واسع من الزوار عبر المحافظة على مصداقية الجريدة وتقديم محتوى متميز». وفي غضون ذلك، تتهاوى غالبية الصحف والمجلات العربية جراء الخسائر المادية وتراجع عدد القراء والتغيرات السياسية والتكنولوجية المتسارعة، خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي.

 

وبدا مسؤولو هذه الصحف والمؤسسات الإعلامية من مصر إلى تونس إلى العراق والأردن ولبنان، كأنهم مكبّلون أو في غيبوبة أو يغضون النظر عمّا يحلّ بحاضر المهنة ومستقبلها في العالم، ومضوا ينقلون الخبر «غير الطازج» الذي تسبقهم إليه المواقع الإلكترونية والتلفزيونات والإذاعات وصفحات التواصل الاجتماعي، من دون وضع أي خطة استراتيجية احترازية في بنى هذه المؤسسات وسياسة الأخبار والمواد المنشورة.
مرّ أكثر من عشر سنوات على الجدل الدائر في الغرب حول كيفية تطويع الصحافة لتتماشى مع عصر الهواتف الذكية وسرعة وصول المعلومة مباشرة صوتاً وصورة، وكيفية التناول وتوجهات المحتوى وتحديد الجمهور المستهدف. وتحوّل الحديث الآن إلى انتقال الصحافة إلى ثلاثية الأبعاد والبحث عن مصادر تزيد جرعات المواد الطازجة والعميقة ذات المصداقية العالية. إضافة إلى البحث عن مصادر تمويل ذاتية بدءاً من تسديد رسوم اشتراك مقابل زيارة مواقعها والتعرف إلى المعلنين، وهذا من بديهيات كبرى المؤسسات الإعلامية، وصولاً إلى فرض رسوم على النسخ الرقمية التي تحمَّل عبر تطبيقات الهواتف والأجهزة الذكية، والاستثمار في تطوير تطبيقات جديدة بلغات إلكترونية – صحافية جديدة.
خلال سنوات التحول المستمرة، تجنّبت مهنة الصحافة في العالم العربي الاعتراف بفشلها، فنفر منها القراء لأنها لا تقدّم مادة تتعدى الخبر وتنفيذ أجندات سياسية معينة، لتلقي باللوم في تراجعها وخسائرها المادية على الإنترنت والقارئ العربي الذي لم يكن يوماً نهماً. ولا ننسى أن قراءة الصحيفة وشرائها كفعل يومي، لا يزال حتى اليوم في العالم العربي نخبوي على عكس تحوّله إلى جماهيري في الغرب. والدليل أن صحفنا فشلت في التوجه إلى فئات المجتمع كافة، من عامل البناء إلى الميكانيكي إلى ماسح الأحذية إلى المزارع إلى الصيدلي إلى المحامي إلى عامل التنظيفات إلى الخياط إلى التشكيلي إلى الراقص إلى المسرحي إلى عارضة الأزياء وإلى الحرفي إلى الطبيب وإلى بائع الصحف نفسه والصحافي نفسه… كل هؤلاء لا يجدون في صحفنا اليوم ما يحاكي مهنهم مثلاً، أو اهتماماتهم، إذ تستحوذ القضايا والصراعات السياسية الجزء الأكبر من الصحف العربية وتعطى الثقافة والمجتمع والمواد الماغازينية هوامش ضئيلة.
كل ذلك لم نلتفت إليه، بل لبّسنا أزمتنا للإنترنت باعتبارها «شيطاناً» و «وحشاً» يــبــعد القراء العرب «النهمين» عن الصحف، في حين أن دراسات كثيرة أظهرت، خصوصاً في الولايات المتحدة، أن نسبة القراءة (كتب، صحف، مجلات) وارتياد المكتبات خصوصاً لدى الشباب وجيل الأجهزة الذكية، في ازدياد. لا بل إن غالبية القراء يقرأون المقالات في شكل غير مباشر عبر روابط إلكترونية تظهر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي صدفة، وتدفع المرء إلى النقر عليها لإرضاء حشريته وبالتالي قراءتها. وندرك تماماً هنا أن المقارنة بين صحفنا وصحف الولايات المتحدة مجحفة، كما ندرك أن لكل صحافة بلد حالة خاصة.
وسيط العرض
رسالة الإعلام لن تتغير كما هو دور السلطة الرابعة، لكن التغيير هو في وسيط العرض. فالمستقبل للإعلام الرقمي. إنها إشكالية أجيال، فجيلنا تعوّد على مطالعة الصحف الورقية كل صباح، فيما الجيل الجديد يدخل عبر التطبيقات الذكية متى شاء ويخرج متى شاء… الغالبية الشبابية في العالم العربي تتواصل عبر الإنترنت وتستخدمها كوسيلة أساسية في يومياتها
المشكلة في عالمنا العربي تكمن أيضاً في أن سوق الإعلان إلى تراجع وكلفة الورق إلى ارتفاع والمُنتَج الإعلامي سطحي، بسبب تحالف وسائل إعلامية خاصة مع رأس المال الاقتصادي والسلطة، ما يولّد حواجز ومحرّمات كثيرة. والتغطية الإخبارية في العمق غائبة وكذلك صحافة الاستقصاء التي تحقق التميز في المحتوى، لكن كلفتها السياسية مرتفعه على الصحافي وعلى رئيس التحرير وعلى مالك الصحيفة في زمن انحسار الحريات السياسية وحق التعبير عن الآراء منذ تغيّرات 2011
إذن المستقبل للإعلام الرقمي، لكن التميز سيكون في المحتوى وفي التخصص وفي القدرة على جذب الإعلام قراء حصريين أو ملتزمين وعلى جذب الإعلانات. هذا لن يتم من دون تحــديد الفئات المستهدفة من المطالعين والمشاهدين والتميز في المحتوى».
                                  الصحافة اللبنانية    أزمة عرض وطلب
أكثر من 1890 من أصل 2630 موظفاً وإعلامياً يعملون في 10 مؤسسات إعلامية لبنانية، يواجهون اليوم القلق على وظائفهم وعلى مستقبل مهنتهم، إذ تتأخّر رواتبهم لأشهر، أو يجري إخطارهم بإمكان صرفهم من العمل خلال الفترة المقبلة. من هؤلاء موظفو «السفير» التي أعلن صاحبها طلال سلمان إقفالها في نهاية آذار (مارس) الماضي ثم عدل عن قراره من دون أي خطة واضحة الأمد. وتعاني صحف لبنانية أخرى مثل «النهار» و«اللواء» مشـــكلات مادية قد تضطرها إلى التحول إلى إلكترونية. لكن الصحافيين والفنيين يخسرون وظائفهم من دون تعويضات نهائياً، أو مع تعويضات ضئيلة، وهي قضية تضيق بالقطاع وبالبلد الذي لم تحرّك وزارة العمل فيه ساكناً ولا نقابة المحررين للحفاظ على حقوق هؤلاء الموظفين.
وهنا يطرح السؤال في هذه السوق المتهاوية، أي مستقبل ينتظر طلاب الإعلام في المعاهد والجامعات؟
يعاني قطاع الصحافة في لبنان من أزمات مادية وسياسية ومهنية منذ العام 2010، وقد صُرف أكثر من ألفي إعلامي من وظائفهم بشكل جماعي في غالبية الحالات. وفجأة تنبّه الرأي العام إلى أن الإعلام الورقي في أزمة كبرى. وهنا يقول أستاذ الدراسات الإعلامية في الجامعة الأميركية في بيروت نبيل دجاني أنه «لا داعي للبدء بكتابة نعي الصحافة الورقية والتحضير لجنازتها، فهي لن تموت بسبب تطور وسائل التواصل الرقمي ونموها». ويرى أنه «لا بد للصحافة الورقية من التأقلم مع التطور التقني، إذ هذه هي سنّة التطور في مجال التقنيات الإعلامية».
ويشرح أن «الأزمة التي تواجهها الصحافة الورقية في لبنان سببها الحالة الخاصة التي تعيشها هذه الصحافة في لبنان وارتباطها الكلي بالخارج واعتمادها عليه لاستمرارها وتطورها، وهي تعتمد بصورة أساسية على اشتراكات الدول والمؤسسات الكبرى، على الإعلانات، وعلى القراء». ويضيف أن «الحالة الإقليمية المتوترة أدت إلى توقف الاشتراكات الكبيرة من قبل الدول والمؤسسات، كما أدت إلى انحسار المدخول الإعلامي وحصره بالسوق المحلية الضيقة».
ولكن يجب الاعتراف بأن الصحافة اللبنانية التي لعبت دوراً ريادياً في أن تكون مصدراً للمعلومة في المنطقة، مستفيدة من هامش الديموقراطية في البلاد، لم تلبّ طلب الجمهور المحلي الواسع كما هو مفترض وكما تطرح نفسها، وإن فعلت فلوقت محدود. ولم تطوّر شكلها ومضمونها وخدماتها البديلة عن نشر المعلومة كغالبية الصحف العربية التي تعاني أزمات شبيهة. لا بل تراجعت منذ العام 2005 أي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مصداقية غالبية الصحف التي لم تأخذ دور المحاسب الشرس في وجه الفاسدين ولم تدافع عن حقوق الناس، بــل كانــت جــزءاً مــن السلطة ولعبتها وتركيبتها الطائفية والحزبية، وشاركت بعد 2005 في الانقسام الطائفي والمذهبي الذي يمزّق لبنان.

متابعة قراءة الصحافة الورقية… أزمة محتوى واستقلالية وتطوير بنيوي : رنا النجار

Share This: